عمان اليوم

مختصون :الدعم النفسي والاجتماعي ضرورة لمواجهة تداعيات الحروب والأزمات

 


تصاعد وتيرة الحروب والتوترات يخلف تداعيات نفسية تتسلل إلى الحياة اليومية، ويجد الفرد نفسه أمام سيل من الأخبار التي تغذي مشاعر الخوف والقلق وتزيد الضغوط النفسية. وبين محاولة استيعاب الواقع والانخراط في متابعة الأخبار، تتزايد الحاجة إلى تعزيز التوازن الداخلي والوقاية من الآثار النفسية التي قد تتفاقم لتتحول إلى اضطرابات طويلة الأمد. ويؤكد مختصون استطلعت 'عُمان' آراءهم أن الدعم النفسي والاجتماعي أصبح ضرورة ملحّة لحماية الصحة النفسية، كما أشاروا إلى الوسائل التي يجب أن يحمي الفرد نفسه بها من القلق، وكيف تُترجم الرعاية النفسية والدعم الأسري إلى درع حماية حقيقية، إضافة إلى علامات طلب المساعدة.

في البداية قال الدكتور راشد بن محمد الزيدي، طبيب اختصاصي أول طب نفسي بمستشفى المسرة: إن الخوف غريزة طبيعية لدى الإنسان، ويكون الشخص مدركًا لها، ولكن قد تزداد حدته عند اعتقاد الشخص أو إحساسه بوجود خطر يهدده، ويصاحب الخوف أعراض جسدية منها تسارع نبض القلب، والشحوب، واضطراب في التنفس، واضطراب في الهضم.
وأوضح أن استمرار الخوف لفترات طويلة يعرض الإنسان للإصابة باضطرابات نفسية، أهمها القلق والاكتئاب، واضطراب القلق يشمل تواتر الأفكار المقلقة، وضيق الصدر، وميولًا للغضب، واضطراب النوم، وخفقان القلب، وتشنجات في العضلات، وأحيانًا نوبات هلع متكررة.
وأشار إلى أهمية وعي الوالدين بعدم نقل خوفهم وقلقهم إلى الأبناء، وعدم تعريض الأبناء لمشاعر غضب الوالدين وانفعالاتهم.
وعن كيفية التعامل مع الخوف في ظل الأزمات والأحداث الحالية، أوصى الدكتور بأن هناك مجموعة من الإرشادات التي يمكن أن تساعد الأفراد على التكيف مع مشاعر الخوف والقلق، أبرزها التوكل على الله والمحافظة على الجانب الروحي، والحفاظ على التواصل الأسري والاجتماعي، والاهتمام بالتغذية السليمة وأخذ قسط كافٍ من النوم، وتقنين متابعة الأخبار وتحديد وقت محدد لوسائل التواصل الاجتماعي ومشاهدة التلفاز وعدم قضاء وقت طويل، وممارسة الأنشطة الصحية والبدنية كالمشي والزراعة والتمارين الرياضية، بالإضافة إلى تجنب النقاشات الحادة مع الآخرين حول الأحداث التي قد تؤدي إلى الانفعال والتأثير على العلاقات الاجتماعية.
خط ساخن وجلسات إرشادية
وأضاف: في حالة استمرار أعراض القلق مثل ضيق الصدر، أو التفكير المتواصل، أو صعوبات النوم لعدة أسابيع، ينصح بطلب المساعدة من المختصين. ويقدم مستشفى المسرة خدمات دعم نفسي من بينها خط ساخن للدعم يشرف عليه مختصون في التوعية الصحية النفسية، وبالإمكان التواصل معهم للتوجيه إلى المسار الصحيح.
أما علاج القلق فيشمل نوعين؛ الأول العلاج السلوكي النفسي، ويكون من خلال جلسات علاجية إرشادية مع أخصائيين نفسيين، يهدف إلى تحسين المرونة النفسية (قدرة الشخص على التأقلم والتكيف مع عوامل الضغط والمحن)، وتطوير أفكار وطرق للتعامل مع الضغوط وعوامل الخوف والقلق. أما العلاج الآخر فيُستخدم في حالة عدم تحسن الأعراض، إذ قد يحتاج الشخص إلى مقابلة طبيب نفسي مختص لوصف أدوية تساعد على إعادة توازن الناقلات العصبية في الدماغ، مما يحسن المزاج ويخفض نسبة القلق.
الاعتراف بالمشاعر
من جانبها، أوضحت فاطمة بنت عامر العمري، باحثة في الإرشاد النفسي، أن الخوف هو حالة بيولوجية وجدانية واستجابة تكيفية حادة، حيث يبقى الجهاز العصبي للإنسان في حالة يقظة لحماية الفرد من المخاطر، سواء كانت هذه المخاطر واقعية أو متوهمة؛ فالجسم يبقى في حالة تأهب (وضعية الكر والفر)، ويفرز هرمونات (الأدرينالين والكورتيزول) لإبقاء العقل يقظًا والجسد في حالة استعداد للفرار.
إلا أن استمرار هذه الحالة لفترة طويلة يؤثر على وظائف الدماغ والصحة الجسدية معًا، ويتحول إلى اضطراب قلق مزمن حتى بعد انتهاء الحدث.
وشددت على أهمية الاعتراف بالمشاعر والحد من الآثار والاضطرابات النفسية طويلة الأمد التي يجب الانتباه إليها، فقالت: هناك اضطرابات طويلة الأمد كاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) واجترار الأحداث المؤلمة وبقاء العقل عالقًا في لحظة الحدث، واضطراب الاكتئاب التفاعلي، حيث يظهر بشكل فقدان للشغف وانعدام الرغبة في الحياة والعزلة. كما يظهر لدى البعض الشعور بالذنب، وما يسمى (ذنب الناجين)، فيشعر الإنسان بالذنب ويقوم بتأنيب نفسه ولومها لكونه ما زال حيًا ونجا بينما الآخرون غابوا عن الحياة.
وأضافت: إن من بين الاضطرابات النفسية طويلة الأمد اضطراب القلق المزمن ونوبات الهلع، مما يؤدي بمرور الوقت إلى خلل في الوظائف المعرفية وظهور أمراض جسدية نفسية المنشأ، كالقولون العصبي والصداع المستمر، وذلك استجابة للألم النفسي المكبوت.
وأوصت الباحثة بعدم ممارسة الإيجابية السلبية والاعتراف بالألم والخوف والحزن؛ فالمشاعر المكبوتة لا تموت، بل إن ما يُدفن يظهر لاحقًا ويؤثر على الحياة المهنية والاجتماعية. كما شددت على أن العزلة ليست حلًا، بل هي وقود للقلق، مؤكدة أن “النجاة السلبية” (الهروب والعزلة) قد تدمر الأرواح.
وأضافت: يجب على كل من تعرض لأزمة نفسية وتركت أثرًا نفسيًا بالغًا ألا يكابر، وأن يلجأ إلى مختص يعينه؛ إذ إننا بشر بقدرات محدودة ونحتاج إلى من يساعدنا في ترميم النفس واستعادة التكيف الإيجابي، بما يعزز الصلابة النفسية والمرونة العصبية (ترميم الدماغ لنفسه)، وبذلك نستعيد فاعليتنا رغم وجود العواصف.
مؤشرات التدخل العلاجي
وبينت فاطمة العمري المؤشرات التي تستدعي مراجعة مختص والتدخل العلاجي، وأبرزها: العجز الوظيفي وعدم قدرة الشخص على تأدية أدواره ومهامه، كدوره كموظف، والأدوار الوالدية (دور الأب ودور الأم) ووظائفه التعليمية وغيرها من الأدوار، بالإضافة إلى الأفكار الاجترارية، كتكرار فكرة الرغبة في الموت أو إيذاء النفس أو الآخرين. وعند وجود مثل هذه الأفكار ينبغي على المقربين التدخل بشكل سريع وعدم تجاهلها.
كما أشارت إلى ظهور أعراض الانفصال عن الواقع، كعدم التعرف على المحيطين، وشعور الفرد بأنه خارج جسده، أو حالة التجمد في اللحظة، ونسيان ما حدث، وعدم إدراك الواقع من حوله. وهناك أعراض أخرى كاستمرار الأرق والهلع بشكل يومي ولأكثر من أسبوعين، وعند حدوث ذلك لا بد من الذهاب إلى مختص قبل أن يتفاقم الأمر.
ودعت إلى ضرورة تعلم تقنيات الوقاية من القلق والخوف، مثل تمارين التنفس وتقنيات الاسترخاء التي ترسل رسالة للعقل بأننا بخير ونحن في الحاضر، فلا اجترار للماضي ولا قفز نحو المستقبل، فالجسد الهادئ المسترخي يؤثر في تهدئة العقل. ومن خلال تقنيات تهدئة العصب الحائر يتم تفريغ الشحنات السلبية مثل القلق والخوف والتوتر.
وقالت: يمكننا كذلك تخفيف الحمل المعلوماتي، إذ إن الحفاظ على الجهاز العصبي في حالة آمنة ومستقرة يعد واجبًا وليس رفاهية، وعند تعريض النفس لمشاهدة الحروب والكوارث بشكل يومي ولساعات طويلة، فإن ذلك يؤدي إلى تلف الدماغ والأعصاب، لذلك يجب التقليل من التعرض للمؤثرات الخارجية السلبية واستغلال الوقت فيما هو مفيد. وأضافت أن الوضوء المستمر والصلاة وأداء العبادة وقراءة القرآن كلها تبعث السكينة والطمأنينة للنفس، فضلًا عن استغلال الوقت في العمل المثمر والعمل التطوعي والإنجاز الذي بدوره يحفّز العقل ويشغل الفرد عن الأفكار السلبية؛ فلا شيء يقتل العقل والنفس كالفراغ والخواء الروحي، حيث يجعلان النفس هشة وعرضة للاضطرابات الوجدانية والتشوهات الفكرية.
الانعكاس الاجتماعي والسلوكي
من جهتها، أشارت أسماء بنت عبد الله البلوشي، عضوة جمعية الاجتماعيين العُمانية، إلى أبرز الانعكاسات الاجتماعية والسلوكية التي قد تظهر على الأفراد نتيجة التعرض المستمر للظروف غير المستقرة، قائلة إن التعرض المستمر لظروف غير مستقرة كالحروب وعدم الأمان الاقتصادي والبيئات العنيفة وغيرها، قد ينعكس على الأفراد اجتماعيًا وسلوكيًا بعدة صور، أبرزها: الانسحاب الاجتماعي والعزلة من خلال تجنب التفاعل مع الآخرين أو تقليل المشاركة الاجتماعية نتيجة الإرهاق النفسي، وارتفاع مستوى القلق والتوتر الدائم بسبب عيش الفرد في حالة ترقب مستمرة.
وأضافت: إن من بين الانعكاسات أيضًا تبني سلوكيات دفاعية أو تجنبية كالتبرير أو تجنب المواجهة لحماية النفس، فضلًا عن الانحراف وتبني قيم مغايرة، حيث قد يلجأ البعض إلى سلوكيات غير قانونية وتعاطي المخدرات، وكذلك اضطرابات نفسية وسلوكية مزمنة كالقلق الدائم والتوتر المزمن.
وأكدت أن الدعم النفسي والاجتماعي يعدان من أهم العناصر التي تساعد الإنسان على التوازن والصمود، خاصة في أوقات الأزمات؛ فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، وحينما يواجه ضغوطًا أو صدمات، فإن وجود من يفهمه ويدعمه يُحدث فرقًا كبيرًا في طريقة تعامله مع تلك الظروف.
وأوضحت دور الدعم في مساعدة الإنسان على تجاوز الأزمات من الناحية النفسية، لأنه يؤثر مباشرة على طريقة التفكير والمشاعر، وبالتالي على السلوك في الأوقات الصعبة. أما الدعم الاجتماعي فيوفر شبكة من العلاقات التي تمنح الشخص القوة والمساندة، حيث إن وجود الأسرة والأصدقاء كبيئة داعمة يعزز الإحساس بالانتماء، ويسهم في تجاوز الأزمات من خلال التفكير بشكل أوضح واتخاذ قرارات أفضل، فضلًا عن دوره في التقليل من الشعور بالعجز واليأس، وتعزيز القدرة على التكيف مع الظروف الجديدة.
وأضافت: إن الحد من التأثر السلبي بمتابعة أخبار الحرب لا يعني تجاهل الواقع، بل تنظيم العلاقة مع المحتوى حتى لا يستهلك الإنسان نفسيًا، وذلك من خلال تحديد وقت مناسب لمتابعة الأخبار بدلًا من متابعتها بشكل مستمر طوال اليوم، واختيار المصادر الموثوقة لتجنب التنقل بين عشرات الحسابات والمنصات، خصوصًا تلك التي تعتمد على الصور الصادمة أو التهويل، إضافة إلى الموازنة بين الأخبار والمحتويات الأخرى.