أفكار وآراء

التعليم من أجل السلام: دروس مستفادة من الحرب

«كان الوصول إلى التعليم في صميم رؤية البشرية للسلام والكرامة والمساواة»؛ هكذا يبدأ التقرير العالمي لرصد التعليم 2026 الصادر عن منظمة اليونسكو؛ فالتعليم بوصفه منفعة اجتماعية ينطلق من رؤية تقود الاستقرار، وتدعو إلى السلام والالتزام بالعدل والمساواة، وذلك بما يضمن الالتزام بالتعليم الشامل، والوصول العادل إلى المنظومة التعليمية، ويُسهم بالتالي في تحقيق الأهداف الوطنية المستدامة التي تنطلق من أولويات المجتمع واحتياجاته.

يمثل التعليم إطارا متكاملا من المعارف والقيم؛ لأنه الهيكل العام لحقوق الإنسان، والشرط الأساسي الذي يقدِّم الرؤية المتكاملة للتنمية. فالعالم اليوم يمُّر بالعديد من المتغيرات العامة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والجيوسياسي إضافة إلى التحديات التقنية المتسارعة التي تُحدث الكثير من التغيرات والتطورات التي لا تؤثر على الأفراد وحسب، بل تقدِّم أنماطا طارئة قد تكون غريبة على المجتمعات في بعض الأحيان.

إن الصراع الذي تعاني منه دول الشرق الأوسط خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وانعكاساته على دول المنطقة دفع أفراد المجتمع إلى قلب تلك الأحداث؛ حيث تأثَّروا بهذا الصراع اجتماعيا ونفسيا نتيجة العديد من الإرهاصات التي تزامنت مع مجريات الحرب، الأمر الذي أنتج الكثير من التداعيات والتأثيرات المختلفة خاصة على مستوى الوعي الأمني والفكري، والقدرة على فهم تقلبات ذلك الصراع؛ فمجتمعاتنا لم تألف مثل هذه الصراعات العسكرية، وبالتالي مثَّل هذا الصراع تحديا على مستوى الوعي، وأظهر فجوة معرفية على المستوى التعليمي.

فالأثر الاجتماعي الذي تُحدثه تداعيات الحرب لا يقتصر على الانقطاع عن التعليم في بعض الدول مدة من الزمن أو تحويله إلى التعليم عن بُعد، بل هو أكثر عمقا من ذلك؛ فالصراعات والحروب وزعزعة الأمن وإشاعة الفوضى، وحالات عدم الوعي، والتناقضات في الخطابات الإعلامية الخارجية باختلافها، إضافة إلى ما يقوده المثقفون أو أشباه المثقفين والمشاهير وغيرهم من مواقف وأيديولوجيات تؤدي إلى الكثير من التشتت وإحداث الصدمات والضغوطات النفسية والاجتماعية ناهيك عن المتابعات الإخبارية اليومية عن حالات القتل والتدمير والتهجير وغيرها من الأعمال العدائية.

لقد أحدثت هذه الحرب على المنطقة حالة غير مألوفة من الصراع على مستوى الأمن الاجتماعي، والوعي به والمشاركة الفاعلة لأفراد المجتمعات في الحفاظ على أمن الدول واستقرارها، وتعاونهم في مواجهة تلك التحديات الأمنية من خلال ما يقدمونه في صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، أو ما يرصدونه من مشاهداتهم، وغير ذلك من الأدوار الأمنية والاجتماعية المختلفة التي قدمها أفراد المجتمع في أوج تطورات الأحداث العسكرية.

ولأن الحرب دخلت في خضم الهدنة ووقف إطلاق النار، ونأمل أن تنتهي بالتوافق وإعلان انتهائها في القريب؛ فقد آن لنا مراجعة تأثيراتها الاجتماعية والثقافية على أفراد المجتمع، وحصر الدروس المستفادة منها على مستوى الوعي الاجتماعي من ناحية، وما ينتجه الأفراد من محتوى قادر على المساهمة في ذلك الوعي من ناحية أخرى، وتقييم الأضرار النفسية التي لحقت بالمجتمعات خاصة على مستوى الأطفال والناشئة.

إذ لا يمكِن تصوُّر أن تنتهي الحرب ونعود إلى ممارسة حياتنا الاعتيادية، ويعود أبناؤنا إلى مدارسهم وكلياتهم وفق مناهجهم السابقة وكأن شيئا لم يكن! فصناعة الوعي الأمني والفكري اليوم مسؤولية المجتمع ككل بدءا من الأسرة والمؤسسات التعليمية والأكاديمية والمؤسسات الإعلامية والثقافية؛ فقد كانت فترة الحرب اختبارا مهما لوعي أفراد المجتمع، وقدرتهم على تخطي تلك التحديات، وتعميق مفاهيم مواطنتهم، ومشاركتهم الفاعلة في حماية الوطن.

ولذلك فإن تربية الأجيال على مفاهيم الوعي الأمني والفكري وفق سيناريوهات قادرة على تمثُّل ذلك الوعي سيكون لها الأثر البالغ والمهم في صناعة الوعي. ولعل الممارسات التعليمية وفق مفاهيم (التعليم من أجل السلام)، وتعزيز فكر التعاون والتعايش وقبول الآخر من ناحية، وخدمة المجتمع والوعي بمعايير الأمن والاستقرار والدفاع عن الوطن والولاء له في كافة الظروف من ناحية أخرى؛ ستسهم إسهاما مباشرا في دعم توجهات صناعة الوعي الأمني في الدولة.

إن هذا الوعي لا يعتمد على المسؤولية الفردية وحسب، بل هو تربية في الأسرة والمدرسة وتعليم منهجي يقوم على أُسس واضحة وأُطر واستراتيجيات تعتمد على مفاهيم الأمن المجتمعي الذي يهدف إلى المحافظة على البناء الاجتماعي والتماسك والتعاون والتشارك، والتصدي لكل من يحاول المساس بالهُوية الوطنية دون الاجترار نحو التطرُّف أو أي شكل من أشكال العنف؛ فالوعي الذي نصنعه في الأجيال يقوم على النقاش الفكري والحوار البنَّاء.

لقد أحدثت تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والمنطقة العربية العديد من المتغيرات والتحولات على الوعي الأمني والفكري في المنطقة. يظهر ذلك جليا على منصات التواصل الاجتماعي وما تنتجه من صراعات وتناقضات وخطابات قائمة على أيديولوجيات ظاهرة أو خفية، وما يقابل ذلك من ردات الأفعال للجماهير على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم. إن ذلك كله يجعل الحاجة إلى صناعة الوعي الأمني والفكري وفق مفاهيم التعليم من أجل السلام ضرورة ملحة.

إضافة إلى ذلك فإن الوعي بمفاهيم الحياد والدعوة إلى السلام والحوار التي تدعو إليها سلطنة عُمان، وفهم الأُسس الحضارية العريقة للموقف العماني سواء من هذه الحرب أو من الحروب الأخرى سيوفِّر قاعدة مهمة للأجيال في صناعة وعيهم بالمواقف التي تقودها عُمان في مواجهة الصراعات والمساهمة الفاعلة في حلِّها وفق مبدأ الحوار. فهذا الحياد وتلك المواقف المشرِّفة التي يُصرَّح بها إنما هي نتاج وعي وفهم عميق وحكمة سامية تقود السلام نحو آفاق رحبة.

لذلك فإن توفير مواد تعليمية ذات قيمة معرفية بأهمية هذه المواقف والمبادئ من ناحية، وتاريخ الفكر الأمني ومبادئ السلام التي تتبناها الدولة من ناحية أخرى، وفهم ذلك كله في سياق الفكر الحديث والصراعات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية والسياسية الحديثة سيوفِّر فهما أكثر عمقا، وسيمكِّن الناشئة والشباب من فهم ما يحدث في العالم وماهيات التعامل معه وفق مبادئ الدولة؛ ذلك لأن تعلُّم التاريخ لا يقتصر على فهم الماضي وحسب، بل الأهم القدرة على الاستفادة منه الآن ضمن مقتضيات الأحداث المعاصرة التي أصبحت أكثر تعقيدا واتساعا قد يعجز الكثير منَّا عن فهمه؛ فكيف بالأجيال الشابة؟!

إن التعليم من أجل السلام هو صناعة للوعي الأمني والفكري، وتحصين الأجيال، وتدريبهم على مفاهيم المواطنة والسلام والتعايش، والدفاع عن الوطن. ولأن ما عايشه المجتمع خلال الحرب الأخيرة كان تمرينا صعبا على المستوى الاجتماعي والثقافي؛ فلا ينبغي أن يمر دون تقييم ومراجعة؛ بهدف إيجاد سياسات تعليمية وأكاديمية قادرة على تعزيز تلك الصناعة وفق معايير وأسس علمية واضحة إضافة إلى الدور المهم الذي يجب أن تضطلع به المؤسسات الإعلامية والثقافية والاجتماعية.

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.