سقوط رمـز الاستـبداد في المجر
السبت / 29 / شوال / 1447 هـ - 21:57 - السبت 18 أبريل 2026 21:57
ترجمة: بدر بن خميس الظفري -
في ليلة السبت عشية يوم الانتخابات في المجر تناولتُ العشاء في بودابست مع فيلسوف سياسي يُدعى زولتان ميكلوشي. قال: «بعقلانية أرى كل الدلائل تشير إلى أن المعارضة تكتسب نفوذًا، ولا أرى سبيلًا أمام أوربان للتغلب عليها. لكن عليّ أن أعترف عندما أحاول تخيّل خسارة أوربان ببساطة ورحيله، لا أستطيع استيعاب ذلك تمامًا».
وقد أخبرني عشرات المجريين بالشيء نفسه؛ فقد ظلّ فيكتور أوربان أطول رؤساء الوزراء بقاءً في منصبه داخل في الاتحاد الأوروبي في الحكم منذ عام 2010؛ حيث ابتكر أنموذجًا من الاستبداد المُقنَّن أصبح مرجعًا يقتدي به الطامحون إلى الحكم السلطوي حول العالم، ومن بينهم الرئيس دونالد ترامب.
مع ذلك في السنوات الثلاث الماضية تعثّر الاقتصاد المجري، وركّزت وسائل الإعلام المستقلة المتبقية بلا هوادة على الفساد والانحلال في نظام أوربان. أصبح بيتر ماغيار المسؤول السابق في حزب أوربان مرشحًا معارضًا صاعدًا جاذبًا حشودًا غير مسبوقة في التجمعات الانتخابية في جميع أنحاء البلاد، ومتصدرًا في نهاية المطاف معظم استطلاعات الرأي. وبدأت النخب التجارية تُبدي استياءها من أوربان، وظهر مُبلغون عن المخالفات من الجيش والشرطة. وبدت قبضة أوربان على السلطة التي كانت راسخة لا جدال فيها لعقد ونصف هشة فجأة، حتى أنه بدا وكأنه يُدرك ذلك؛ ففي مؤتمر صحفي مشترك مع نائب الرئيس جيه. دي. فانس الذي جاء إلى المجر لدعمه قال فانس: «سيفوز فيكتور أوربان في الانتخابات القادمة»، فأشار أوربان بيده إشارة مترددة سرعان ما أصبحت مادة للسخرية على الإنترنت.
كان بإمكان كل مجري تحدثت إليه أن يسرد هذه الحقائق، ومع ذلك عشية الانتخابات بدا أن أحداً عاجز عن استيعابها. في الانتخابات السابقة أشعلت المعارضة الأمل، لكنها مُنيت بهزيمة ساحقة.
لا شك أن أوربان سيجد طريقة للانتصار مرة أخرى، حتى وإن لم يستطع أحد التنبؤ بكيفية ذلك. قال لي ميكلوسي: «لديّ أصدقاء قلقون من نوع من الحيل القانونية، أو تدخل روسي في اللحظات الأخيرة، وآخرون قلقون من العنف». السيناريو الوحيد الذي بدا مستحيلاً تصوره هو فوز واضح للمجريين، واعتراف سريع بالهزيمة من أوربان، ولحظة من التنفيس الوطني.
في أول مقابلة لي مع ميكلوسي العام الماضي سألته عما إذا كانت الولايات المتحدة تسير على نفس الدرب الذي مهدت له المجر قبل عقد من الزمن، وإذا كان الأمر كذلك فهل تجعل الاستثنائية الأمريكية من الصعب علينا رؤية ذلك؟ لقد أكد صحة هذا القلق، لكنه أثار أيضًا مشكلة معاكسة ليست استثناءً يُصرّ على استحالة الانزلاق إلى الاستبداد، بل استسلامًا يوحي بأنه بمجرد استيلاء الاستبداد على السلطة فلا مفرّ منه. قال لي ميكلوسي: «هذا مفهوم بعد سنوات طويلة من النكسات والإهانات، لكنه أحد أكبر المخاطر؛ لأنه يحرمك من القدرة على التأثير السياسي. الاستسلام يولد الهزيمة».
الحقيقة الأساسية حول النظام الاستبدادي الذي هندسه أوربان في المجر -وهو ما جعله أنموذجًا مفيدًا لترامب وغيره من الحكام المستبدين المنتخبين- هي أنه كان شكلًا من أشكال الاستبداد التنافسي، وليس الشمولية. استخدم أوربان أغلبية ساحقة في البرلمان؛ لإعادة كتابة الدستور معززًا سلطته، وموجهًا المؤسسات الرئيسية نحو مصالحه.
مع ذلك لم تكن المجر مثل كوريا الشمالية، أو أذربيجان، بل كانت أقرب إلى الهند، أو تركيا، أو الولايات المتحدة.
كانت الانتخابات تُجرى كل أربع سنوات، وظلت هذه الانتخابات تنافسية. استخدم أوربان أدوات الشرعية الاستبدادية، مثل التلاعب المفرط بالدوائر الانتخابية، وتعيين الموالين في المحاكم؛ لترجيح كفة النظام لصالحه، لكنه لم يلغِ الانتخابات قط، ولم يأمر الشرطة بإطلاق النار على المتظاهرين، ولم يختلق أصواتًا من العدم.
يتناول ميكلوسي في مقال نُشر مؤخرًا بعنوان «الانحراف، والعبث، والتواطؤ: هل ينبغي للديمقراطيين المشاركة في الانتخابات الاستبدادية؟» مجموعة من الحجج الفلسفية ضد التصويت في نظام «غير شرعي من الناحية المعيارية». ومع ذلك يواصل تحذير القراء -وربما نفسه- من الاستسلام لليأس: «إن نتيجة الانتخابات الاستبدادية -على الرغم من المزايا الهائلة للحزب الحاكم- ليست محسومة سلفًا.
تتميز الأنظمة الاستبدادية الانتخابية عن غيرها من الأنظمة الاستبدادية بأن حزبها الحاكم يمكن -وإن كان نادرًا- أن يُهزم على يد معارضة تلتزم بقواعد اللعبة الرسمية التي وضعها المستبد نفسه».
يوم الأحد الماضية حصل المجريون على ما كان يصعب عليهم تخيله. فاز ماجيار بأغلبية واضحة تكفي حزبه لتأمين أغلبية الثلثين في البرلمان. حوالي الساعة العاشرة مساءً اتصل أوربان بماجيار ليعترف بالهزيمة، وبعد ذلك انفجرت شوارع بودابست بما يمكن وصفه فقط بالتنفيس. قال آكوس تاكاش، وهو مهندس معماري وناشط تقدمي سابق، أو بالأحرى صرخ، وهو يحتفل في ساحة بوسط بودابست: «لا نحتفل بالكرنفال هنا، لكن هذا هو كرنفالنا المجري». من حولنا كان الرجال البالغون يتعانقون ويبكون، والآباء الشباب يحملون أطفالهم على أكتافهم، ووقف عدد قليل من رجال الشرطة على ناصية شارع يتبادلون أطراف الحديث بود مع المارة. أحد أصدقاء تاكاش الذي كان يتحدث الإنجليزية لي ظل يصرخ «تباً، تباً، تباً!». لوّح الناس بالأعلام المجرية وهتفوا بهتافات وطنية. قال تاكاش: «في هذا الجزء العصري ذي الميول اليسارية من المدينة لن ترى هذا النوع من الوطنية أبدًا إلا في هذه اللحظة».
قد يكون بيتر ماغيار الآن رمزًا عالميًا للمقاومة الديمقراطية، لكن كما كان المحتفلون في الساحة يدركون جيدًا؛ فهو ليس بطلًا تقدميًا. من بعض النواحي ترشح على يسار أوربان معربًا عن دعمه الواسع للاتحاد الأوروبي، وكرهه لفلاديمير بوتين. ومن نواحٍ أخرى بدا وكأنه متشدد يميني مثله تمامًا محافظ على عدد من المواقف المحافظة اجتماعيًا، وفي الأشهر الأخيرة من الحملة ألمح إلى أن المهاجرين الفلبينيين يأكلون البط في حديقة حيوان بودابست. في معظم الأحيان ترشح كرجل مجري عادي متجنبًا الأسئلة السياسية المثيرة للجدل، ومفضلًا الحديث عن القضايا الأكثر عالمية بأوسع نطاق ممكن مثل استئصال الفساد، وإعادة السلطة إلى الشعب. كانت هذه بالطبع استراتيجية سياسية ذكية، لكنها تجعله أيضًا شخصية غامضة إلى حد ما.
حتى في ظل الأنظمة الاستبدادية التنافسية تبقى السياسة سياسة. كان فيكتور أوربان سياسيًا لا يرحم، وماكرًا يتمتع بقدرة استثنائية على ليّ قواعد الديمقراطية الليبرالية وخرقها، لكنه لم يكن في نهاية المطاف بطلًا خارقًا لا يُقهر. لقد بذل قصارى جهده لترسيخ سلطته، لكنه لم يستطع حشد التأييد الشعبي بمجرد إرادته.
ولا يستطيع دونالد ترامب فعل ذلك أيضًا كما يجدر بنا أن نتذكر. سيحظى حزب أوربان بأغلبية ساحقة في البرلمان لبضعة أسابيع أخرى، ويخشى بعض المحللين أن يفسح هذا المجال أمام التلاعب. لكن ماجيار في خطاب النصر الذي ألقاه على ضفاف نهر الدانوب أكد مجددًا أن «أولئك الذين نهبوا البلاد سيُحاسبون». في الأيام الأخيرة من حملته الانتخابية تعهد ماغيار بأنه حتى لو فاز بأغلبية الثلثين فلن يستخدمها لإعادة كتابة الدستور من جانب واحد كما فعل أوربان قبل ستة عشر عامًا. في الوقت الراهن علينا أن نصدقه.
أندرو مارانتز كاتب في مجلة نيويوركر، ومؤلف كتاب «أعداء المجتمع: المتطرفون على الإنترنت، والطوباويون التكنولوجيون، واختطاف الحوار الأمريكي»
الترجمة عن مجلة ذَ نيويوركر