ثقافة

وفاء أبي سُرُور الجامعي لأمِّه ومناظيمه فيها

 

محمد بن سليمان الحضرمي -

في شعر أبي سُرُور حميد بن عبدالله بن حميد الجامعي السَّمائِلي (توفي: 2014م) تغلب قوة العاطفة على قوة الكلمة، اللغة في قصائده مسبوكة بكلمات في متناول فهم القارئ، لم يتكلَّف الكلمات المُعجمية، شاعر مطبوع تأتيه القصيدة عفو الخاطر أشبه بدفق الماء، وقد تأتيه وهو نائم فينهض من منامه، فيهجر النوم حتى يكمل كتابة القصيدة.


وقد تأتيه وهو يقود سيارته، فيوقفها ليكمل البيت، ثم الأبيات التي تليها حتى تصبح قصيدة، وقد تأتيه وهو في أعالي النخيل، كطائر تطوِّح به الريح، يقطف الرُّطَب الجَنِيِّ، فيترك ما بيده، ليستل القلم من غمده كفارس يستلُّ سيفه، لكنه هنا لا يحارب أحدًا، إنما يرسم حُلمًا ويكتب خيالًا، فيكتب القصيدة في ساعده، أو في طرف ثوبه.


شاعر مطبوع تقرأ شعره ولا تجد فيه تكلفًا، بل عاطفة صادقة ودفق شعري، والقارئ لشعر أبي سُرُور الجامعي يتعرَّف على تجربة شعرية كبيرة، تمتد بامتداد سنوات عمره، شارك في الملتقيات الثقافية المحلية والعربية، سافر إلى مصر والعراق وغيرها، وحيثما يكون ترافقه عُمانيَّته وهُويَّته، خنجره الفضِّي وعصاه ودشداشته وعمامته، انتشرت قصائده في المناهج التعليمية، في عُمان ومصر، وكأنه شاعر قادم من عهود بعيدة.


وبين الحين والآخر أعود إلى ديوانه الشعري «ديوان أبي سُرُور» صدر مطبوعًا في أربعة أجزاء، عن مكتبة الفردوس بسمائل عام 1998م، أهداني منه نسخة موقعة بقلمه، وقبل هذه التجربة صدر له ديوانان شعريان هما «بَاقاتُ الأدَب» عام 1975م، و«على أيْكَةِ المُلتَقى» عام 1978م، ولديه كتب أخرى نظمية، فباعتباره قاضيًا لم يتخلَّ عن الإسهام في تدوين الفقه من خلال نظمه العلمي، أسهم فيه بكتاب «الفقه في إطار الأدب»، وله في علم النحو «ألفية أبي سُرُور»، وأرجوزة بعنوان «بُغيَة الطلاب».


في مقدمة كتابه النظمي «بُغيَةُ الطلاب»، يطالعنا أبو سرور بحديث شعري هامس عن أمه، وعن أيامه الأولى في المدرسة، تلك العلاقة الحميمة أجاد تصويرها في تقديمه لكتابه هذا، وكأنه أراد أن يقول للناشئة من الطلاب: هذا أنا حين كنت في مثل سنكم، وهذي أمِّي التي رَعتني، وحفَّزتني للذهاب إلى المدرسة.


وعن تلك الأيام الدراسية، يقول أبو سرور: إنه كان كثير السَّهر مع الكتب، يقرأ ويحفظ، فيما يبيت الناس من حوله في النوم السَّري، نوم عميق تخمد له الأجساد، أما هو فكان طيَّ السَّهر، لتحصيل العلم: (يبيتُ حَولي الناسُ في النَّوم السَّرِي - وإنني في العِلمِ طَيِّ السَّهَرِ) حتى أن مضاجعه شكت لأمه، وكان تلومه على مجاهدته ومثابرته، وتخشى عليه من عياء البصر، أو من تعب ينال جسمه (وَكَمْ شَكَتْ مَضاجِعِي لأمِّي - فألتَقِي مِنْ حُبِّها باللوْمِ)، (تَخْشَى عَليَّ مِنْ عَيَاءِ البَصَرِ - وتَعَبٍ للجِسْمِ أو مِنْ ضَرَرِ).


ويؤكد في أرجوزته أنه عمل مزارعًا، يحرث الأرضَ ويفلحها، مثلما يطوي الكتب قراءة وينمقها كتابة، بل أنه عمل حَجَّارًا في تقطيع حجارة الجبال، وعمل صانع حبال، وبَناءً يبني الجدران، ويقيم ما يكاد منها أن ينقض، ويقيم السَّواقي للأفلاج والعيون، يقول في أرجوزته: (وَإنْ بَدَا الصُّبحُ حَمَلْتُ مِعْوَلِي - ومِنجَلي مُلتمِسًا لمَأكَلِ)، (وَكَمْ قطَعْتُ حَجَرَ الجِبالِ - وَكَمْ سَرَدْتُ كُوَمَ الحِبال)، (وَكم غَرَسْتُ باسِقاتِ النَّخلِ - مُسْتأجَرًا وبِتُّ أشْكُو وَحْلي)، (وَكَمْ بَنيْتُ جُدُرًا وَجَدْوَلا - مُؤجَّرًا حتى أنَالَ مَأكَلا)، وعلى هذا النسق تأتي شهادة الشيخ الشاعر عبدالله بن علي الخليلي فيه (توفي: 2000م)، التي نشرها في جريدة عُمان، السبت، 18 أغسطس 1973م، وفي بداية شهادته يصفه بالشاعر العبقري الموهوب، يقول: (تجده عند منجله ومحراثه، والكتاب بين يديه، يقرأ منه فيلتفت إلى عمله الشَّاق، يردِّدُ ما قرأ من كتابه، ينادي به نفسه الطامحة، ليكون فيها من بعض ودائعها المُكتنزة بها.. الخ)، هذه الشهادة من أمير البيان، بالتأكيد تصلح أن تكون تقديمًا لأعمالهِ الشِّعْريَّة، وهذا ما قام به، إذ نشرها في الصفحات الأولى من الجزء الأول لديوانه الكبير.


ثم يأتي الزهو والدَّلال والفخار، في أجمل بيتين كتبهما أبو سرور: (والعَصْرُ إنْ جَاءَ لَبِسْتُ ثوبي - مُطَهَّرًا مِن تُرْبِهِ وَالعَيْبِ)، (أمْشِي كَأني مَلِكُ الزَّمَانِ - وَمَا بكِيسِي ثَمَّ دِرْهَمَانِ)، هما من بين أجمل ما قرأتُ لأبي سرور، إن لم تكن من أجمل ما يوصف به طالب علم معسر، يتوق للعلم وهو فقير، لا يملك درهمين من المال، أما ثوبه فيكفيه أن يلبسه مطهرًا من التراب، بعد أن كدح به.
وبعد أبيات يصف تعففه عن السُّؤال، ومزاحمته لأهل العلم من الأدباء والفقهاء، وفي حزن شديد يصوِّر حالة اليتم الشديد التي عاشها، بسبب وفاة والده، يقول أبو سرور: (عِشْتُ يَتِيمًا ليْسَ حَوْلِي وَالدِي - يَدْفَعُنِي للعِلْمِ والمَحامِدِ)، (يُتْمٌ وَفَقْرٌ حَارَبا جُهُودِي - فانهَزَما بنُصْرَةِ المَعْبُودِ)، كان الشاعر يعاني كثيرًا من اليُتْم والفقر، وهما أكثر ما وقف ضِدَّه في طفولته البائسة، أما والده فقد كان ذا ثروة، غير أنه أنفقها لطلب لعلم: (كانَ أبي ذا ثرْوَةٍ فبَاعَها - في طلبِ العِلْمِ وَما أضَاعَها)، (ولم يُخَلِّفْ غير سَيفٍ باتِرِ - وَكُتُبٍ عَظِيمَةِ الجَوَاهِرِ).
لكن ماذا عن أمِّ أبي سرور، وهنا ما سنتتبعه أكثر بالتفصيل، في أروع ما كتب أبو سرور، من الثناء على أمِّه: (وَأُمِّيَ التَّقِيةُ الكَرِيمَة - جَزاهُمُ رَبُّ السَّما نَعِيمَة)، وكذلك وصفه الرائق لحنانها عليه، وهي تدفع به إلى المدرسة، من غير تهديد بالعَصَا: (مَا دَفَعْتْنِي بالعَصَا للمَدْرَسَة - أمِّي وَكانَتْ بَرَّةً وَكَيِّسَة)، وكانت تقص عليه أحاديث أهل الفضل والعلم والتقى من الناس: (كانَتْ تقُصُّ لِي حَدِيثَ الفُضَلا - وَالعُلمَا وَالأتقِياءِ النُّبَلا)، وروت له سيرة آبائه الذين عاصرتهم وخبرتهم: (وَكمْ رَوَتْ لِي سِيرَةُ الآباءِ - كالشَّمْسِ إذْ تشْرُقُ في السَّمَاءِ)، ثم في لحن شجي باكي، يتضرَّع إلى الله بالدعاء لأمه: (أمِّي لَكِ الجَنَّةُ والرِّضْوانُ - مِنْ رَبِّنا فإنهُ مَنَّانُ).


في التقديم السابق لذة شعرية، لا يتذوَّقها إلا من عرَف أبا سرور عن كَثَب، وعرف حياته التي عاشها، فهو كما وصف، لم يبالغ، ولم يَخْفِ الحقيقة، شخصية كادحة، بين السَّعي إلى العمل وطلب العلم، ومع أنه عاش يتيمًا، إلا أن أمَّه كانت تدفع به نحو تحقيق أحلامه، وحضوره مجالس العلم، وأما السَّعي إلى العمل فكان من أجل كسب العيش ودفع الفقر.
ولكن من أمه هذه التي تقف وراء عبقرية أبي سرور؟، هي زهرة بنت جمعة الغطريفية، من أهل اليمن بإزكي، (توفيت: 1986م)، نقرأ لابنها الشاعر رثاءً باكيًا، في الجزء الرابع من ديوانه المطبوع، قسم «المراثي»، نلمح ما صرِّح به في أرجوزته السابقة، «اليُتْم والفقر»، ثنائيَّتان سكنتا وجدان الشاعر منذ طفولته، يقول: (ضَعيفًا أكتَوي يُتْمًا وَفقرًا - فهلْ خَطْبٌ رَأيتُ كمِثلِ خَطْبِ)، فحنت عليه أمُّه، وعوَّضته فقدان الأب: (وَكانتْ زَهْرةُ الغطريفِ أُمَّاً - وكانَتْ لِي أبًا مِنْ خَيْرِ عُرْبِ).


وفي أبيات أخرى، يصوِّرُ أبو سرور لطافة أمه معه، حين كانت تخبِّئ في أثوابها ما يحلو في نفس الطفل: (وَكم خَبَّأتِ لي بُرْداكِ يَوْمًا - لِما للطفلِ يُخفِيهِ المُرَبِّي)، (كَشِقَّةِ رَطْبَةٍ في بِدْءِ قَيْضٍ - وَمِنْ تِينٍ ومِنْ عِنَبٍ وَمُضْبِي)، ويصف تلقيمها له الطعام: (كعُصفورٍ أتَى بالرِّزقِ يَسْعَى - يُلقِّمُ فرْخَةً فِلْقاتِ حَبِّ).


وفي رثائه لأمه، كما في وصفه لطفولته معها، ووصفه لحالتي اليتم والفقر اللتين ذاق مرارتهما، يظهر الشاعر وفاءه ومحبته لأمه، التي عاشت معه سنين من عمره، حتى شاب شعره، مع ذلك كانت تراعيه كطفل صغير: (فعِشْتُ لدَيكِ حتى أبيَضَّ شَعْري - تُراعِيني كَطِفلٍ بين زُغْبِ)، وحين رحلت الأم، أخذ الشاعر يتذكر حنانها المفقود، ويبكي في قصيدته التي عبَّر عنها بعاطفة صادقة، فجاءت قصيدته أشبه بدمعة  انحدرت من عين حزينة.