دراسة بحثية تدعو إلى حماية البصمة الصوتية من تطورات الذكاء الاصطناعي
أوصت بالتعامل معها كمصنف فني في إطار الملكية الفكرية
السبت / 29 / شوال / 1447 هـ - 15:28 - السبت 18 أبريل 2026 15:28
تتصدر البصمة الصوتية قائمة أكثر تقنيات التحقق الحيوي دقةً وأمانًا، لتغدو خط الدفاع الأول في عالمٍ يتسارع بخطى متزايدة نحو الاعتماد على أنظمة التحقق الرقمي والهُوية الإلكترونية.
غير أن الإشكالية الجوهرية التي تفرض نفسها اليوم تتمثل في مدى قدرة تطورات الذكاء الاصطناعي على دعم هذه التقنية وتعزيز موثوقيتها، أم أنها ستتحول إلى تهديد محتمل يمس الخصوصية والأمن والمسؤولية القانونية؟ وهو التساؤل الذي تتناوله الدراسة البحثية المنشورة في المجلة القضائية تحت عنوان: 'الحماية المدنية للبصمة الصوتية من تطورات الذكاء الاصطناعي في قانون الملكية الفكرية'.
وتؤكد الدراسة أن البصمة الصوتية لا تُعد مجرد حق شخصي يرتبط بوجود صاحبه وينقضي بوفاته، بل تمتد آثارها القانونية إلى ما بعد الوفاة، حيث يتحول الجانب المادي الناتج عنها إلى جزء من 'الميراث الرقمي'، يصبح إرثًا ضمن أموال الموروثين، الأمر الذي يفتح الباب أمام إشكاليات قانونية وأخلاقية معاصرة تتعلق بحدود الملكية الرقمية وحماية الهُوية الصوتية بعد الوفاة.
وفي ضوء ما توصلت إليه الدراسة من نتائج تتعلق بطبيعة البصمة الصوتية كحق شخصي وعلاقتها بتطورات الذكاء الاصطناعي، ومفهوم الابتكار في قانون الملكية الفكرية، وإشكالية الإبداع الآلي والميراث الرقمي، أوصت الدراسة بإعادة صياغة مفهوم الابتكار القانوني بما يسمح بامتداده ليشمل البصمات الحيوية، مع عدم حصره في الإطار التقليدي للمصنفات الأدبية والفنية، بل توسيعه ليشمل الخصائص البيولوجية الفريدة للفرد، وفي مقدمتها البصمة الصوتية، باعتبارها تحمل قدرًا أدنى من التفرد والتميز يتيح تمييزها عن غيرها من البصمات.
كما أوصت الدراسة بإدراج البصمة الصوتية ضمن نطاق الحماية المقررة للحقوق الملازمة للشخصية؛ لكونها خاصية فردية متفردة من شخص لآخر، وتشكل امتدادًا للذات الإنسانية، بما يستوجب حمايتها من أي تعدٍّ أو استغلال غير مشروع، مع إخضاعها لنظام الحماية القانونية للحقوق الشخصية، بما يترتب عليه من حظر استخدامها دون إذن صريح من صاحبها.
وفي السياق ذاته، تناولت الدراسة إمكانية معاملة البصمة الصوتية باعتبارها مصنفا فنيا في إطار قوانين الملكية الفكرية، نظرًا لما تتضمنه من عناصر تميز وتفرد، بما يتيح -عند توافر شروط الابتكار- إخضاعها لكافة أوجه الحماية المقررة للمصنفات، بما في ذلك الحقوق الأدبية والمعنوية.
كما شددت الدراسة على ضرورة الفصل بين الحق الشخصي والحق المالي المتعلق بالبصمة الصوتية؛ إذ يرتبط الحق الشخصي بصاحبه وينقضي بوفاته، في حين يمكن اعتبار الجانب المادي من نتاج هذه البصمة (الميراث الرقمي) جزءًا من التراث الرقمي الذي يتركه المورّث، وتؤكد الدراسة على أن البصمة الصوتية كحق شخصي ترتبط بصاحبها وتنتهي بوفاته ولا تنتقل إلى الورثة.
وفي إطار مواكبة التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، دعت الدراسة إلى الاعتراف بإمكانات الإبداع الآلي مع إخضاعه لضوابط قانونية واضحة، وعدم استبعاد الآلات الذكية بشكل مطلق من مفهوم الإبداع، مع التوجه نحو منحها شخصية قانونية رقمية خاصة تحمل تسلسلًا رقميًا فريدًا ضمن إطار تنظيمي دقيق. على أن يُنظر إلى مخرجاتها بوصفها 'إبداعًا غير مشروع قانونيًا' ما لم يتم الحصول على التراخيص اللازمة لاستخدام البيانات وتدريب الأنظمة عليها.
كما أوصت الدراسة بجواز الدمج والمزج الإلكتروني بين عناصر متعددة (الصوت، الصورة، النصوص، البيانات)، شريطة الحصول على موافقة مسبقة، مع إمكانية وصول هذا الدمج إلى مرتبة الابتكار، بشرط أن يتم في إطار قانوني منظم عبر اتفاق كتابي يحدد نطاق الاستخدام والمدة والمقابل المادي إن وُجد، بين صاحب البصمة الصوتية (أو ورثته عند الاقتضاء) والقائم بعملية الدمج الإلكتروني.
وأكدت الدراسة كذلك أهمية تحديث التشريعات الوطنية والدولية بما يواكب التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق الشخصية وتشجيع الابتكار، مع إيلاء خصوصية خاصة للبصمات الحيوية، وفي مقدمتها البصمة الصوتية، سواء في حياة الأفراد أو بعد وفاتهم.
وفي السياق ذاته، أوصت الدراسة بضرورة التزام مطوري ومبرمجي تقنيات الذكاء الاصطناعي بتقنين أوضاعهم القانونية عبر إبرام اتفاقيات واضحة مع أصحاب الحقوق المادية على المصنفات المستخدمة في التدريب والتشغيل، بما يضمن الاستخدام المشروع للمواد الرقمية، ويعزز مشروعية مخرجات الأنظمة الذكية، ويحد من إشكاليات القرصنة أو التعدي على الحقوق الفكرية.
كما دعت إلى تعزيز البحث العلمي في الجوانب القانونية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من خلال نشر الدراسات المتخصصة، وتنظيم المؤتمرات والندوات التي تجمع بين الخبراء القانونيين والتقنيين، وصولًا إلى التوصية بسنّ قانون خاص ينظم حماية حقوق الملكية الفكرية في المجال الرقمي، مع إيلاء عناية خاصة بحماية البصمات الحيوية، وفي مقدمتها البصمة الصوتية، بما يضمن الاستخدام الآمن والمنظم لها، ويحميها من أي استغلال غير مشروع.