بريد القراء

الحياة لا تعطي أسرارها إلا لمن يملك الشجاعة ليعيشها من جديد

 

المكان والزمان هما اختصار لأدوات عقلية رغم أنهما ضدان في المعنى، لكنهما يشكلان جزءا مهما في حياة البشر.
كما أنهما ساحة مفتوحة لأحداث مضت، وأخرى مستمرة، وثالثة ستأتي لاحقا. كل شيء مرتبط بهذين العنصرين هما عبارة عن وداعات ستمضي حتى لو طال أمد الحضور أو الانتظار، فلا المكان يصمد ولا الوقت يبقى!


الحياة- كما يقال عنها دائما - ليست تعطينا كما نحب أو نتمنى، فأحيانا تمنحنا شيئا بيد، وتأخذ منا أشياء كثيرة من يد أخرى، ثم تعلمنا دورسا قاسية لم نكن نريدها أن تحدث. المهم 'كل شيء في هذا العالم سيتغير مع الزمان والمكان'؛ لأن الحياة مدرسة كبيرة نتعلم فيها الصبر والجلد حينا، وكيف نقف صامدين من جديد بعد كل سقوط حين أخرى!
في خارطة الأيام أدرك أنه سيأتي يوم مختلف عن بقية زملائه السابقين، يوم أحس بأنه ثقيل جدا على القلب والروح، سوف أشعر بتعب غريب رغم أن ابتسامتي لزملائي الذين لا يحسون بما أحسه من مشاعر تتشكل عند قرب ساعات 'الوداع الأخير'.


عندما أخبرتهم بموعد رحيلي عن العمل الذي جمعني بهم لفترة زمنية طويلة لم أتفاجأ كبقية الراحلين؛ فالكثير من الزملاء لم يعرني ذلك الاهتمام الذي كنت أتوقعه منهم كتضامن مصطنع، بل مر كل شيء 'عادي وغير مهم'، لم يعلموا بأنني مدرك لحقائق البشر والزمن، وأن أغلب الأشياء ليست حقيقية كما تبدو في المرآة.
كنت أريد أن أخبرهم فقط بأنني ذاهب إلى عالمي الخاص. أعلم بأنني سوف أتخلص من أشياء مزعجة زرعها روتين العمل في نظام حياتي اليومية، وكنت أسير طيلة السنوات الماضية إما أن أكون مجاملا لشخص وإما متحملا التفاهات، وهذا يدفعني كثيرا إلى أن الزم الصمت؛ حتى لا أغضب الآخرين.


منذ أن نظرت في تاريخ الخروج وأنا لا أكف عن لملمة ما تبقى لي من أوراق الأيام المتساقطة. بدأت أستعد لخروج لن تأتي بعده عودة ثانية، سأخرج من عملي الذي أمضيت فيه سنوات من عمري، أنفر نحو البعيد وأنا مستسلم تماما لقدر العمر الذي داهمني بدون أن أعي بأنه قد آن لي الذهاب إلى حيث البدايات، وأنه يجب أن أترك كل شيء كان يسعدني وأحيانا يؤلمني لمن سيأتي بعدي ليكمل مشوار البقاء والغياب.


على مدى سنوات عملي التقيت بشخصيات كثيرة، بعضها مر بجانبي كالعابرين في طرقات الزمن، ثم التقيت بغيرهم، لكنهم تركوا لي أثرا طيبا في قلبي لن يزول؛ لذا أتنمى أن أكون مثلهم، فراحة الإنسان تكمن في قلبه وفي الأشخاص الصادقين الذين سيفتقدهم بعد الرحيل.


الزمن أسرع بما فيه الكفاية، وها أنا اليوم أخرج من بوابة كانت تفتح دوما عند قدومي دون ممانعة، وتغلق عند خروجي، ولكن مع نهاية اليوم الأخير سوف توصد الأبواب إلى ما لا نهاية في وجهي، وكأنني شخص غريب قد طوت ملامحه الأيام ونسيته ذاكرة الواقفين في الخارج، ومع ذلك سوف أتذكر ما كان أبي قبلي يذكرني قائلا:'عش حياتك بقلب طيب، وابتسم رغم كل شيء؛ لأن الحياة لا تعطي أسرارها إلا لمن يملك الشجاعة ليعيشها من جديد'.


بعد مضي رحلة طويلة بين اجتماعات هنا، ومشاحنات هناك، وإزعاج مقلق أجد أن الرحلة قد انتهت، وآن لي أن أرتاح قليلا، واستعد لرحلة أخرى جديدة، ولكن قبل أن أنفر من هذا المكان كان هناك حديث طويل استوقفني طويلا، وتمنيت لو أني قائله، لكنه لسان حالي في هذه اللحظات. ورغم جهدي في معرفة قائله إلا أن محاولتي فشلت؛ فربما كان القائل شخصا حجب اسمه وبقي أثره، وترك لي عصارة حياة أكثر من ثلاثين عاما من ميدان العمل؛ فالقائل يقول: 'أنا في مرحلة من الحياة لا أحتاج فيها سوى الهدوء فقط، ولست متأكدا في هذه اللحظة من أنني شخص حزين أو سعيد، لكنني مع كل ما يعج به صدري من وجع الفراق آثرت أن أترك لكل شيء عرفته 'حرية الذهاب دون عتاب أو انتقاص'، فلم أعد أحتمل أن أعاتب مقصرا أو ناكرا لجميل، وليس لدي الوقت الكافي لألتمس لأحد تصرفاته، ولماذا فعل ذلك.


بعد مسيرة طويلة أدركت شيئا مهما، وهو أنه إن أراد أحد أن يفهمني فسيفهمني حتى لو بصمتي، ومن أراد الرحيل والتلاشي لن أتمسك به مطلقا، فلم يعد هناك متسع من الوقت لاستجداء الآخرين أو كسب قربهم، فقد تعبت من منح الناس مكانة لا يستحقونها وأنا أتظاهر بالقوة، وأنا بالمقابل ممتلئ بجميع أنواع الخذلان.


بعد رحلة مليئة بالتناقضات في مكان واحد أيقنت أن هناك أوقاتا يكون فيها الرحيل مفيدا للإنسان؛ لأنه يعد احتراما لكرامة الإنسان، والصمت أفضل من ألف تبرير عن ذنوب لم تركب، وجرم لم يكن من صنع أيدينا، بل كان لزاما علينا تحمله لتسير قافلة الحياة إلى هذه النهاية.
من الآن وصاعدا أيها الرفاق كونوا من تكونون، وفعلوا ما تشاؤون؛ فقد نفدت طاقة الاحتمال بالكامل، ولم يعد هناك أحد يشعر، كما أشعر أنا بألم الفراق.