بريد القراء

أيتها الأقدار .. ليت الآباء لا يرحلون!

 

منذ زمنٍ طويل، ومقولة الأديب الراحل غابرييل غارسيا ماركيز محفورةٌ في صخرة الذاكرة؛ أتذكرها كلما هبّت نسائم حدثٍ جلل، أو انقطع وصلٌ لا يعوّضه وصلٌ آخر. أتذكر ما قاله وكأنه لسان حال البشر جميعًا، حتى أولئك الذين يتجردون أحيانًا من إنسانيتهم. يبدو لي أن ماركيز كان واحدًا من ملايين البشر الذين يخاطبون الأقدار والأمنيات، وهو جالس على كرسيه القديم أمام نهرٍ جارٍ من الرجاء والأمل والترقّب، فيقول:


'ليت الآباء لا يشيبون، ولا يمرضون، ولا يحزنون، ولا يرحلون'.
ربما الكلمة الأخيرة 'لا يرحلون' هي توصيفٌ عميقٌ للحالة القاسية التي تمر بها النفس الإنسانية؛ فالأب، بكل ما يمثّله من حضورٍ وأمانٍ في كيان الأسرة، لا ينفصل أبدًا عن تفكيرنا، سواء أكان حيًا أم ميتًا، حاضرًا بجسده أو مقيمًا في ذاكرتنا. فالأب سجلٌّ حافلٌ بالتضحيات والفداء وإنكار الذات، وتاريخٌ طويل من الصبر الصامت والعمل الذي لا يُرى. أليس يكفينا تأملًا في هذا القول: 'ربما لم يقدم لك والدك كل ما تريده في الحياة، لكنه قدم لك كل ما يملك'، بل وربما أخفى عنك تعبه كي لا يثقل قلبك.


في مراحل متفرقة من حياتي، كنت أرى وأسمع أن فقد الآباء والأمهات أمرٌ بالغ الصعوبة، وقسوةٌ لا بد أن تأتي بها الأقدار، مهما طال بنا الأمل في تأجيلها. وقد صوّره البعض على أنه حدثٌ جلل لا يطيق تحمّله إلا من آتاه الله قوة الصبر على الأوجاع ساعة وقوعها، لا قبلها، لأن الألم حينها يكون طازجًا، حادًا، لا يقبل المساومة.
ومع تقدّم العمر، أيقنت صدق ما كنت أسمعه؛ فما إن أغمض أبي عينيه عن الدنيا وما فيها، وحان موعد الفراق الأبدي بيننا وبينه وبين من أحبّوه في حياته، حتى أدركت من جديد أن مرارة الفقد التي تحدّث عنها الناس هي أشدّ الأزمات التي قد يمر بها الأبناء في حياتهم، وأكثرها التصاقًا بالروح، وأطولها بقاءً في الذاكرة.


في لحظات الفراق، شعرت بعجزٍ مطلق عن التعبير عن حجم الوجع الذي يفيض به داخلي، وعجزت عن استيعاب المشهد بكل ما فيه من قسوة وحدّة. كل الأشياء تزحزحت من أماكنها، حتى المعاني نفسها لم تعد ثابتة، ولم تعد الدنيا كما كانت قبل لحظات قليلة، وكأن شيئًا انكسر في عمقها لا يُرى ولكنه يُحس.


تمنّيت، كغيري من الناس، ألّا أعيش مثل هذه اللحظات الحزينة، وألّا أفقد الأشياء الأثمن في حياتي، وألّا أُختبر بهذا النوع من الفقد الذي لا يُعوَّض. وكل ما كنت أراه أو أسمعه في تلك اللحظات العصيبة كان يبدو لي كأنه جزء من حلمٍ مخيف، سينتهي مع بزوغ الشمس وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الزمن سيعود خطوة إلى الوراء ليعيد لي ما فقدت.
وتمنّيت أيضًا أن أبي، الذي كنت أودّعه بنظراتٍ مثقلة بالحزن والألم، لن يرحل ويتركنا في مواجهة حزنٍ قاتمٍ يظلّل حياتنا، وإحساسٍ بالفقد قد يلازمنا طويلًا، حتى نظن أننا لن نستطيع يومًا أن ننفض غبار الحزن عن وجوهنا وقلوبنا، وأن هذا الثقل سيبقى معنا أينما ذهبنا.


في لحظات الوداع، يعجز البشر أحيانًا عن التعبير عمّا يعتريهم؛ فكل مشاعرهم التي رافقتهم لسنوات تتبعثر كغربالٍ تتساقط منه قطراتٌ من ألمٍ لا يتوقف، وكأن القلب فقد قدرته على الاحتواء. ومع كل عوامل الشدة والبأس، علينا أن نعي حقيقةً قد تغيب عن أذهاننا: أن الآباء لا يريدون لنا الحزن أو الألم بعد رحيلهم، بل يتمنون لنا الطمأنينة، ولكنها إرادة الله فوق كل شيء؛ فله ما أعطى، وله ما أخذ، وكل شيءٍ عنده بمقدار، وكل لحظةٍ مكتوبة بحكمةٍ لا ندركها كاملة.


يقول أحد الشعراء راثيًا من يحب:
غابوا عن العينِ والأيامُ تشغلهمُ
أما عن القلبِ... لا والله ما غابوا
نعم، تمادوا ببعدٍ بات يحرقني،
لكنهم، رغم هذا البعد، أحبابُ
إن فقدان الأب—وإن طال الحديث عن ألمه—لا يمكن أن يعوّضه شيء، ولا يمكن للكلمات أن تحيط به إحاطةً كاملة. فرحيل الأب كسرٌ موجع، لا يجبره الزمن بسهولة، وجرحٌ قد يظل ينزف طويلًا دون أن يلتئم، بل يبقى غصّةً في القلب لا تشفى منها القلوب، مهما حاولت التماسك أو التناسي.


الذكريات القديمة قد تشكّل علينا ضغطًا روحيًا آخر؛ ففي كل ركنٍ وزاويةٍ يختبئ طيفُ أب، أو صوتٌ خافتٌ ينبعث دون استئذان، أو موقفٌ صغير يعيدنا إلى حضوره. خيالاتٌ تأتي وتذهب، لكنها تترك خلفها شعورًا عميقًا بالفقد، وتجعلنا نعيش بين ما كان وما لم يعد.


في وقت المحنة، تعلّمت الكثير من الدروس القاسية، منها أن الحياة قد تفقد بريقها مع غياب الأمان الأبوي، وأن الشعور بالاتكاء على سندٍ كبير لا يُعوَّض بسهولة. وإن ظننا يومًا أن هذا الوجع سيزول، فنحن نُوهم أنفسنا؛ ففقد الأب يلازمنا ما حيينا، في تفاصيلنا الصغيرة قبل الكبيرة؛ لأن مكانه لا يملؤه أحد، ولا يشبهه أحد.


إن موت الأب كسرٌ حقيقيّ لمعانٍ كثيرة عرفناها في الحياة؛ فلا فراق يكسر القلب كما يفعل فقده، ولا غياب يترك هذا الفراغ الممتد في الروح. وبعد سنواتٍ من رحيله، نكتشف أن الحزن لم ينتهِ كما كنا نظن، وربما—في لحظاتٍ صامتة—نحسّ أنه لم يبدأ بعد، وأن ما عشناه لم يكن إلا بداية طريقٍ طويل من الحنين.