عمان اليوم

"إعادة التدوير" .. بين التحديات السلوكية والجدوى الاقتصادية

 


تسعى هيئة البيئة في سلطنة عُمان إلى تعزيز ثقافة إعادة التدوير بوصفها أحد الأعمدة الرئيسة لتحقيق الاستدامة البيئية، وذلك من خلال وضع خطط شاملة ومتكاملة تستهدف تطوير التشريعات البيئية، ورفع كفاءة عمليات الفرز من المصدر، وتوسيع نطاق المبادرات المجتمعية التي تعزز مشاركة الأفراد والمؤسسات في إدارة النفايات بشكل مسؤول وفاعل. وتأتي هذه الجهود في إطار رؤية وطنية طموحة تهدف إلى بناء منظومة بيئية مستدامة تتماشى مع مستهدفات التنمية الشاملة في سلطنة عُمان.
وفي هذا السياق، تواجه هذه الجهود مجموعة من التحديات التي ترتبط بطبيعة السلوك الاستهلاكي لدى الأفراد، والحاجة إلى تغييره تدريجيًا نحو أنماط أكثر وعيًا واستدامة، إضافة إلى ضمان الجدوى الاقتصادية لمشاريع إعادة التدوير بما يجعلها قطاعًا جاذبًا للاستثمار. ورغم هذه التحديات، فإن الهيئة تعمل على تجاوزها عبر برامج توعوية مستمرة، وحملات تثقيفية موجهة لمختلف شرائح المجتمع، بهدف ترسيخ مفهوم أن إدارة النفايات ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية جماعية تشاركية.
وقد أثبت قرار حظر الأكياس البلاستيكية فعاليته بشكل واضح في تقليل التلوث البيئي والحد من الاعتماد على المواد أحادية الاستخدام، وهو ما أكدته الدراسات والتقارير المحلية والدولية، التي رصدت تحسنًا تدريجيًا في المؤشرات البيئية. كما تسعى الهيئة إلى توسيع نطاق إعادة التدوير ليشمل مواد أخرى مثل الورق والمعادن، مع التركيز على تطوير سلاسل قيمة متكاملة تبدأ من جمع النفايات وفرزها، مرورًا بعمليات المعالجة، وانتهاءً بإعادة التصنيع، بما يضمن استدامة هذه المشاريع وتحقيق عوائد بيئية واقتصادية في آن واحد.
وتعتمد الهيئة بشكل أساسي على التعاون مع القطاع الخاص بوصفه شريكًا استراتيجيًا في إنجاح برامج إعادة التدوير، حيث إن إشراكه يسهم في تسريع وتيرة التطوير ورفع كفاءة التشغيل. كما تؤكد الهيئة أن التفاعل المجتمعي بدأ يزداد بشكل ملحوظ عقب تطبيق قانون حظر الأكياس البلاستيكية، في وقت تلعب فيه الحملات التوعوية دورًا محوريًا في نشر ثقافة الاستدامة وترسيخ السلوك البيئي الإيجابي بين مختلف شرائح المجتمع.


وقالت أزهار بنت جمعة الهنائي المكلفة بأعمال مدير دائرة إدارة المواد الكيميائية والنفايات: إن هيئة البيئة تعمل ضمن إطار وطني متكامل لإدارة النفايات يعتمد على مبادئ الاقتصاد الدائري، حيث يُنظر إلى النفايات ليس عبئا بيئيا، بل مورد اقتصادي يمكن إعادة توظيفه واستثماره بشكل فعال، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وأضافت أزهار الهنائي أن الهيئة تركز على مزيج متكامل من الأدوات التنظيمية والتوعوية والتنفيذية، بما يشمل تطوير السياسات والتشريعات المنظمة لإدارة النفايات، ورفع كفاءة منظومة الجمع والفرز، إلى جانب توسيع المبادرات المجتمعية التي تعزز ممارسات الفرز من المصدر، وهو ما يسهم في رفع جودة المواد القابلة لإعادة التدوير. كما يتم دمج مفاهيم الاستدامة في المناهج التعليمية، وبناء شراكات استراتيجية مع الجهات ذات العلاقة لإنشاء منظومة وطنية متكاملة لإعادة التدوير.
وأضافت أن الهيئة تواجه تحديات هيكلية معقدة، تتمثل في تغيير السلوك الاستهلاكي على نطاق واسع، ورفع الجدوى الاقتصادية لقطاع إعادة التدوير في ظل تقلبات أسعار المواد الخام عالميًا، إضافة إلى التباين في جاهزية البنية التحتية بين المحافظات. وأكدت في الوقت ذاته ضرورة تطوير سوق محلي مستدام للمواد المعاد تدويرها، بما يضمن استمرارية هذا القطاع الحيوي ويعزز قدرته على النمو.
وأشارت إلى أن قرار حظر الأكياس البلاستيكية في سلطنة عُمان، الذي صدر بموجب القرار الوزاري رقم (8/ 2024)، يُعد من أبرز التدخلات التنظيمية المؤثرة، حيث نص على الحظر التدريجي لكافة أنواع الأكياس البلاستيكية حتى عام 2027. وقد ساهم هذا القرار في تقليل الاعتماد على الأكياس أحادية الاستخدام، وأحدث تحولًا ملموسًا في أنماط الاستهلاك، وخفض الضغوط البيئية، حيث أظهرت المؤشرات انخفاضًا واضحًا في كثافة المخلفات البلاستيكية، خصوصًا في البيئات الساحلية والحضرية التي كانت الأكثر تأثرًا.
وأكدت المكلفة بأعمال مدير دائرة إدارة المواد الكيميائية والنفايات أن هذه الإجراءات تحمي البيئة من أخطر أنواع النفايات البلاستيكية التي قد تستغرق ما بين 10 إلى 500 سنة للتحلل، وتشكل تهديدًا مباشرًا للتنوع الأحيائي، لا سيما في البيئة البحرية العُمانية التي تُعد من البيئات الغنية والحساسة بيئيًا.
وأوضحت أن الهيئة تعتمد في تقييم نتائج برامجها على منهجيات رصد علمية دقيقة تشمل تحليل بيانات الاستهلاك، وإجراء مسوحات ميدانية دورية، وتحليل التغير في مستويات التلوث، إضافة إلى مقارنات زمنية قبل وبعد تطبيق قرار الحظر. وقد أظهرت التقارير الميدانية تحسنًا تدريجيًا في الحد من انتشار المخلفات البلاستيكية، خصوصًا مع المراحل المتتالية للتطبيق، مع تعزيز الالتزام من خلال فرض غرامات مالية تتراوح بين 50 ريالًا و1000 ريال عماني على المخالفين، بما يعكس جدية الإجراءات التنظيمية. ويُعد هذا القرار جزءًا من حزمة سياسات وطنية متكاملة تهدف إلى الحد من التلوث البلاستيكي وتعزيز التحول نحو بدائل مستدامة.
وأضافت أن الهيئة تعمل على تحفيز الاستثمار في التقنيات المتقدمة لإعادة التدوير، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص لإنشاء مرافق متخصصة، إلى جانب دراسة تطبيق أدوات اقتصادية مثل الحوافز والرسوم البيئية لتشجيع الإنتاج والاستهلاك المستدام. كما أن تطوير الأسواق المحلية للمواد المعاد تدويرها يُعد عاملًا أساسيًا لضمان استدامة هذه المبادرات وتحقيق مردود اقتصادي بيئي متوازن.
وفي هذا السياق، أصدرت الهيئة قرارات تنظيمية لتنظيم تصدير المخلفات، بدءًا من القرار رقم (15/2021)، ليشمل المخلفات البلاستيكية، الورق والكرتون، خردة النحاس والألمنيوم والحديد، زيوت الطبخ المستعملة، الإطارات المستعملة، والنفايات الإلكترونية والأجهزة الكهربائية. ويهدف القرار إلى الحد من تصدير المواد القابلة لإعادة التدوير التي يمكن استغلالها محليًا، بما يدعم الصناعات الوطنية القائمة على إعادة التدوير ويزيد قيمتها الاقتصادية داخل سلطنة عُمان. وأظهرت البيانات الأخيرة أن مؤشر إعادة تدوير هذه النفايات بلغ 38٪ من إجمالي النفايات المنتجة، وهو مؤشر يعكس تقدمًا تدريجيًا في هذا القطاع.
وأكدت أزهار الهنائي أن هذه الجهود تمثل جزءًا من استراتيجية وطنية شاملة لتعزيز ثقافة الاستدامة، وتطوير منظومة متكاملة لإدارة النفايات، بما يسهم في حماية البيئة ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة في سلطنة عُمان. كما أشارت إلى أن الهيئة تعمل على تطوير سلاسل قيمة متكاملة لكل نوع من المواد القابلة لإعادة الاستخدام، بدءًا من الجمع والفرز وصولًا إلى المعالجة وإعادة التصنيع، بما يعزز كفاءة النظام البيئي والاقتصادي في آن واحد.
وأوضحت أن استيراد النفايات يتم وفق ضوابط صارمة تضمن عدم تحويل سلطنة عُمان إلى وجهة للنفايات، وفي الوقت ذاته تتيح الاستفادة الصناعية من أنواع محددة، بما يضمن استدامة تشغيل المصانع القائمة التي بلغ عددها حوالي 85 مصنعًا بنهاية عام 2024. وأضافت أن التشريعات الحالية تتكامل مع جهود الهيئة بالتنسيق مع الجهات المعنية لتطوير سلاسل القيمة، من خلال تحفيز الاستثمار في مرافق إعادة التدوير، وتوسيع نطاق نقاط التجميع والفرز، وتطبيق أدوات اقتصادية داعمة لتعزيز كفاءة السوق، بما يحقق توازنًا بين الجوانب البيئية والاقتصادية.
وأوضحت أن الهيئة تعتمد على نموذج حوكمة تشاركي يرتكز على تكامل الأدوار بين القطاعين العام والخاص، حيث يُنظر إلى القطاع الخاص كشريك استراتيجي في تطوير وتشغيل منظومة إعادة التدوير. ويشمل ذلك إعداد خطط تمكّن الشركات من الاستثمار في البنية التحتية لإدارة النفايات، وتبني حلول مبتكرة في مجالات الجمع والمعالجة وإعادة التدوير، إضافة إلى تعزيز دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل القيمة، والتعاون مع الجهات الحكومية والتعليمية لضمان اتساق السياسات والبرامج.
وتابعت أزهار الهنائي أن التحول نحو مجتمع مستدام لا يقتصر على السياسات والتشريعات، بل يتطلب شراكة مجتمعية حقيقية، حيث يمثل سلوك الفرد نقطة الانطلاق لأي تغيير فعلي. ودعت إلى تبني أنماط استهلاك مسؤولة تقوم على التقليل وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير، مؤكدة أن كل مساهمة فردية، مهما بدت بسيطة، تُشكل جزءًا مهمًا من الجهد الوطني لحماية البيئة العُمانية وضمان استدامتها للأجيال القادمة.
وأوضحت أن تطبيق القرار الوزاري رقم (8/2024) بشأن حظر الأكياس البلاستيكية يتم بشكل تدريجي وفق خطة زمنية تمتد حتى عام 2027، مع إدخال قطاعات جديدة كل ستة أشهر، بما يضمن انتقالًا سلسًا نحو البدائل المستدامة. وأشارت إلى أن المراحل المختلفة، بما فيها المرحلة الثالثة في عام 2025، أسهمت في توسيع نطاق الالتزام ليشمل محلات المواد الغذائية والمخابز، فيما أصبح استخدام البدائل المستدامة أكثر شيوعًا، مما يعكس قابلية المجتمع للتكيف مع السياسات البيئية عند توفير التوعية والبدائل المناسبة.
ورغم التقدم الملحوظ، لا تزال بعض التحديات قائمة، حيث تشير التقارير إلى أن بعض الأنشطة التجارية ما زالت الأقل التزامًا، ما يستدعي استمرار الجهود الرقابية والتوعوية بشكل أكثر كثافة وفاعلية. وتقوم هيئة البيئة بدور محوري في هذا الجانب من خلال تنفيذ حملات توعوية مكثفة تستند إلى بيانات علمية دقيقة، وتوفير البدائل المستدامة، وفرض غرامات مالية تصل إلى 1000 ريال عماني على المخالفين، بما يسهم في تعزيز الالتزام وتحقيق الأهداف البيئية المرجوة.
وفي هذا السياق، تلعب الهيئة دورًا محوريًا في قيادة التحول نحو مجتمع مستدام، من خلال تنفيذ حملات توعوية مستمرة، والتعاون مع القطاع الخاص لتوفير البدائل الصديقة للبيئة، واستثمار أدوات الاتصال الحديثة للوصول إلى مختلف شرائح المجتمع. كما تركز الجهود على بناء وعي طويل المدى، لضمان ترسيخ هذه الممارسات ضمن الثقافة المجتمعية لتصبح جزءًا من أسلوب الحياة اليومي، بما يعزز استدامة الموارد للأجيال القادمة.