لماذا لا تنجح التنمية في منع الحروب ؟
رابح أرزقي
الخميس / 27 / شوال / 1447 هـ - 20:16 - الخميس 16 أبريل 2026 20:16
في عام 1949، طرح الرئيس الأمريكي هاري س. ترومان رؤية جريئة من شأنها أن تشكل السياسة العالمية لأجيال قادمة، فقد زعم أن الفقر ليس مجرد قضية إنسانية، بل تهديد للسلام ذاته، وأن التنمية هي العلاج.
كان المنطق مقنعا في بساطته: برفع مستويات المعيشة، يتضاءل خطر الصراع، وعلى مر السنين أصبح النموذج الخطي الذي يصور التنمية على أنها الطريق إلى الاستقرار الأساس الفكري الذي تستند إليه المساعدات الدولية.
لكن العالم اليوم يبدو مختلفا تمام الاختلاف. فقد بلغت النزاعات العنيفة مستويات غير معهودة منذ الحرب العالمية الثانية، حتى مع انخفاض الفقر المدقع إلى أدنى مستوياته تاريخيا. تشير هذه الاتجاهات مجتمعة إلى أن الوقت قد حان لإعادة تقييم نموذج التنمية الخطي والمنطق الذي يستند إليه.
يرى المعتقد الشائع، كما ورد في خطة الأمم المتحدة لعام 2030، أن الصراع يقوض التنمية، في حين يعمل الفقر وفجوات التفاوت على تغذية الصراع. يشير هذا التأطير ضمنا إلى أن التقدم على إحدى الجبهتين يعزز الأخرى، بما يمكّن صُنّاع السياسات من تقديم مساعدات التنمية باعتبارها حتمية أخلاقية واستثمارا استراتيجيا يعزز دورة حميدة من الرخاء والسلام.
لكن هذا الرأي كان يستند دائما إلى افتراضات أكثر من استناده إلى أدلة. ففي حين وَثَّقَت مجموعة متنامية من البحوث التجريبية التأثيرات المدمرة التي يخلفها الصراع على الناتج الاقتصادي، ورأس المال البشري، والقدرة المؤسسية، فقد تبين أن إثبات الصلة بين التنمية والسلام أصعب كثيرا.
ما مدى قوة العلاقة السببية بين التنمية والاستقرار الجيوسياسي؟ تقدم أبحاثي الأخيرة إجابة واقعية وتكشف عن تباين صارخ. عندما يندلع الصراع، تكون تأثيراته على التنمية عميقة وبعيدة الأمد، ويبلغ الزمن الذي يستغرقه تضاؤل الضرر إلى النصف في المتوسط ــ ما يسميه الاقتصاديون «نصف العمر» ــ ما يقرب من ثماني سنوات.
على النقيض من ذلك، نجد أن التأثيرات المهدئة الناتجة عن التنمية سريعة الزوال. فعبر أبعاد متعددة، يبلغ نصف عمر تأثير نتائج التنمية المحسنة على الصراع نحو ثلاثة عشر شهرا. وفي غضون عامين، يختفي فعليا أي انخفاض قابل للقياس في حدة الصراع.
يعكس هذا التباين حجم الضرر الذي تسببه الصراعات المسلحة. فالحرب لا تعطل سبل العيش والخدمات العامة فحسب؛ بل تمحو الأصول التي استغرق بناؤها أجيالا: البنية الأساسية المادية، ورأس المال البشري، والمؤسسات العاملة، والثقة الاجتماعية الأساسية التي تجعل العمل الجماعي في حكم الممكن. تعمل تدخلات التنمية على نحو مختلف. فمن الممكن أن تعمل التحويلات النقدية، والعيادات، وأنظمة الري على تحسين الحياة وتخفيف المظالم، لكنها نادرا ما تغير الظروف السياسية الأساسية التي تغذي العنف، ناهيك عن قدرتها على إحداث ذات الأثر على نطاق عالمي.
الواقع أن التأثيرات المترتبة على السياسات بعيدة المدى. فإذا كانت التنمية لا تؤدي إلا إلى انخفاضات قصيرة الأمد في العنف، فإن الحجة لصالح مساعدات التنمية كأداة لمنع النزاعات تكون أضعف مما يُفترض غالبا. هذا استنتاج غير مريح للمؤسسات التي طالما بررت ميزانيات المساعدات لأسباب أمنية.
من المؤكد أن الحجة القائلة إن الاستثمار في التنمية اليوم يساعد على تجنب تكاليف الحرب الأعلى كثيرا غدا ليست خاطئة تماما. إذ تشير بعض أدلة إلى أن المساعدات المقدمة للمناطق المتضررة من النزاعات من الممكن أن تقلل من العنف، وإن كانت التأثيرات متواضعة غالبا وليست قوية إحصائيا دائما. ولكن في حين أن الإنفاق على التنمية له ما يبرره لأسباب إنسانية وأخلاقية، بصرف النظر عن تأثيراته الاستراتيجية، فإن الأدلة لا تدعم الادعاء بأن الاستثمار المستدام كفيل بمنع أو حل النزاعات المسلحة على نحو يمكن التعويل عليه.
ما تظهره الأدلة هو العكس: تعتمد التنمية المستدامة على السلام بدرجة أكبر كثيرا مما اعترف به نموذج عصر ترومان. إن منع النزاعات يحقق مكاسب تنموية هائلة، حيث إن كل عام يمر دون حرب يصون سنوات من التقدم التي كانت لتضيع لولا ذلك. والاستثمار في منع النزاعات ــ بما في ذلك التسويات السياسية، وترتيبات تقاسم السلطة، وعمليات السلام الجديرة بالثقة ــ ليست بديلا عن الإنفاق على التنمية، بل هي شروط مسبقة له.
وعلى هذا، يتعين علينا أن نعيد النظر في نظرية التغيير التي ترتكز عليها اقتصاديات التنمية حاليا. في البلدان النامية المبتلاة بانعدام الثقة، وسوء الخدمات، والعنف المتكرر، يجب أن يأتي الاستقرار السياسي وشرعية الدولة في المقام الأول. ولن يتسنى للإصلاح المؤسسي والإنفاق المستدام على التنمية تحقيق نتائج ملموسة إلا بعد إرساء هذا الأساس.
ليس المقصود من أي من هذا الإشارة إلى أن ترومان كان مخطئا عندما زعم أن الفقر يشكل تهديدا للسلام العالمي. لكن المسار السببي أكثر تعقيدا وتباينا وتبعية مما يفترضه النموذج الخطي السائد. ففي حين قد تساعد التنمية في إدامة السلام، فإنها أقل فعالية بدرجة كبيرة في إحلاله.
من الواضح أن إدراك هذا الفارق لا يعني التخلي عن السعي إلى تحقيق التنمية. بل إنه يدعو إلى تقييم صادق لحدود النموذج الحالي وإرساء الأساس لنهج أكثر واقعية وفعالية في إدارة سياسات التنمية.