خبراء أمريكيون يؤكدون "صحة توقعاتهم "بنتائج العدوان على إيران
بين ضعف السياسات وضرورة إعادة النظر في تقييم فرضيات الحرب
الخميس / 27 / شوال / 1447 هـ - 19:48 - الخميس 16 أبريل 2026 19:48
نيويورك'د. ب. أ': أكدت الحرب على إيران صحة الكثير مما توقعه المحللون الأمريكيون، وكشفت عن محدودية تأثير تلك التحليلات على القرارات التي أدت إلى الحملة العسكرية الأمريكية. ومن المهم الآن إعادة النظر في تلك الافتراضات قبل أي تقييم جاد لما سيحدث لاحقا.
وقالت المحللتان إليسا إيورز، وهي زميلة أولى في دراسات الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي وآريان طبطبائي، نائبة رئيس قسم الأبحاث والأمن والدفاع، وزميلة أولى في شؤون الشرق الأوسط بمجلس شيكاغو للشؤون العالمية، في تحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية، إنه منذ خطابه في الأول من أبريل الجاري، تردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين التهديد بإنهاء الحضارة الإيرانية والسعي للحفاظ على وقف إطلاق نار هش وفرض حصار على مضيق هرمز والتفاوض مع النظام الإيراني.
غياب التفكير الرصين وارتكاب الاخطاء وفي الواقع، تغيرت أهداف ترامب وافتراضاته الأساسية من أسبوع لأسبوع منذ إطلاقه هذه الحملة العسكرية. وتركز الاهتمام على التناقض الظاهر في السياسة الأمريكية منذ بداية الصراع، وعلى تحديد أوجه القصور في عملية التخطيط التي قامت بها الإدارة، إلا أن اعتبار أن التخطيط الأمريكي المسبق لهذا الصراع قد فشل هو في الواقع تشخيص خاطئ. فمعظم ما حدث خلال الشهر الماضي كان متوقعا في سيناريوهات خضعت للاختبار أكثر من مرة على مدى عقود.
وأشارت إيورز وطبطبائي إلى أن السؤال المطروح حاليا هو ما إذا كان الرئيس قد أخذ هو والمقربون منه هذه النتائج على محمل الجد؟ وفي غياب هذا التفكير الرصين، شهدت عملية تنفيذ الحرب أخطاء كان من الممكن السيطرة عليها، مثل قصف مدرسة ابتدائية أسفر عن مقتل 170 شخصا، معظمهم من الطالبات الصغيرات والفشل في إجلاء الأمريكيين من المنطقة بسرعة وعدم الاستعداد لإغلاق إيران لمضيق هرمز. كما أن خفض القوى العاملة الاتحادية والاستخفاف بتحليلات 'الخبراء' وعدم التشاور مع الحلفاء والكونجرس، إلى جانب مجموعة من التحديات الأخرى، تساعد في تفسير النقص الواضح في الأهداف السياسية الواضحة لهذا الصراع.
وقد بحث رؤساء الولايات المتحدة السابقون، من كلا الحزبين، فكرة إضعاف قدرات إيران من خلال عمل عسكري، ووضع هؤلاء القادة بعض الافتراضات عند إدارة السياسة تجاه إيران لتقليل المخاطر التي تتعرض لها الولايات المتحدة. وقد تغيرت الآن بعض هذه الافتراضات، حتى تلك التي وضعها محللون مخضرمون.
وقالت إيورز وطبطبائي إن الحرب الدائرة تشكل اختبارا لمدى صمود هذه الأحكام في الواقع، فبينما ثبتت صحة بعضها، تبين خطأ البعض الآخر أو ضرورة إعادة النظر فيه. ونظرا للتأثير المتسلسل للصراع، ينبغي مراجعة هذه المعتقدات وتحديثها لضمان ألا تصبح سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران قديمة مع المضي قدما.
السؤال الاهم: ما الخطأ الذي ارتكبته الولايات المتحدة؟ وترى المحللتان أن قضاء إسرائيل على وكلاء إيران وإضعافهم التدريجي قد ألغى أحد الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها السياسة تجاه إيران، وهي أن هذه الجماعات ستكون أكثر استجابة لأوامر النظام وستهدد الخصوم نيابة عنه إذا واجهت إيران صراعا مباشرا. كان من المفترض أن يكون الوكلاء وسيلة ترفع بها طهران تكلفة الحرب، بصواريخ تستهدف ليس فقط إسرائيل، بل القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة. لكن هذا لم يحدث بالحجم الذي توقعه الخبراء الأمريكيون. وبالطبع، تراجعت قوة حماس بشدة في غزة. ودخلت بعض الجماعات المسلحة العراقية المعركة، ولكن بقوة أقل. أما جماعة انصار الله، فقد ظلوا إلى حد كبير خارج الحرب، ولم يشنوا أول هجوم إلا بعد مرور شهر من اندلاعها.
كما أن حزب الله اللبناني، قد أصبح مشلولا بدرجة كبيرة. وبسبب الاعتبارات الداخلية اللبنانية والضرر الذي لحق به جراء الهجمات الإسرائيلية، أصبح حزب الله ظلا لما كان عليه في السابق. وبدأ الحزب باستهداف إسرائيل بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب ضد إيران، ولكن على نطاق أضيق وبكثافة أقل مما توقعه الكثيرون قبل السابع من أكتوبر 2023 وقد تسببت مشاركة حزب الله في جر لبنان بأكمله إلى الحرب، الأمر الذي تسبب في عواقب وخيمة على شعبه.
وترى إيورز وطبطبائي أن الافتراض الثاني الذي اتضح أنه افتراض خاطئ خلال الصراع الأخير، هو أن إيران ستكون انتقائية في استهدافها لدول الخليج العربية عند ردها على أي هجوم مباشر على أراضيها. وبناء على هذا الافتراض، كان النظام سيستهدف القوات الأمريكية في الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة لكنه سيمتنع عن استهداف الدول التي يعتبرها غير مشاركة في الصراع.
ولكن في الواقع، شنت طهران هجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة على جميع دول الخليج الست في اليوم الأول من الحرب الإيرانية. وقد تحرك النظام إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث استهدف العراق والأردن، فضلا عن أهداف أكثر خطورة مثل قبرص وتركيا (العضو بحلف شمال الأطلسي'الناتو'). ولم تقتصر هذه الضربات على المنشآت الأمريكية، لكنها شملت أيضا بنية تحتية حيوية وأهدافا مدنية.
وكما أشار ترامب بحق، لم يتوقع أحد سرعة وشدة هذه الهجمات. وقد رأت طهران أن أفضل طريقة لرفع تكاليف الحرب هي استهداف النموذج الاقتصادي البديل في الخليج للضغط على واشنطن، وقد فشلت، ولكن النظام تجاوز الآن خطا أحمر سيظل عنصرا حاسما لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب.
والسؤال الاخر:ما الذي تغير؟ على الرغم من الدهشة الظاهرة على الإدارة الأمريكية، كانت الأحداث الجارية في مضيق هرمز متوقعة. فقد تضمنت خطط التعامل مع حالات الطوارئ مع إيران دائما سيناريو إغلاق المضيق، الذي يمنع مرور 20% من إمدادات الطاقة العالمية، ويخلق أزمة اقتصادية محتملة لإجبار الولايات المتحدة على التراجع. وقد حدث هذا بالفعل، ولكن ليس تماما كما كان متوقعا.
وقالت إيورز وطبطبائي إنهما حذرتا في عام 2020 من أن طهران كانت تستعد لتقليل اعتمادها على المضيق لضمان قدرتها على الصمود في وجه إغلاقه، مع إلحاق أقصى ضرر ممكن بالاقتصادات الأمريكية والحليفة. ومع ذلك، كان الرأي السائد هو أنه إذا أغلقت إيران المضيق، فسيكون ذلك كحل أخير. فهي لن ترغب في الإضرار بقدرتها على نقل النفط والمخاطرة بعزلة شركاء مقربين مثل الصين.
حان وقت إعادة التقييم وربما افترضت إدارة ترامب أن القوة المشتركة الهائلة للعمليات الأمريكية الإسرائيلية هذا الربيع ستؤدي إلى نتيجة مماثلة لحرب الأيام الـ12 في يونيو 2025 أو ربما افترض الرئيس أنها ستقابل بنفس رد الفعل الصامت مثل رد الفعل على اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، خلال ولاية ترامب الأولى. لكن هذا الافتراض تجاهل فهما أعمق لعقيدة النظام، التي خضعت لتحليل مكثف على مدى عقود من جانب محللين وباحثين من الحكومة الأمريكية ومنظمات غير حكومية.
واختتمت إيورز وطبطبائي تحليلهما بالقول إن الصراع الدائر اليوم سيضع أسس رؤية إيران المستقبلية للعالم. ولن تغير هذه الرؤية للعالم التهديدات التي تواجه المصالح الاستراتيجية الأمريكية فحسب، بل ستؤثر أيضا على أمن وازدهار الشركاء في المنطقة، فضلا عن الحلفاء على مستوى العالم. ويتعين على المحللين وصناع السياسات إعادة تقييم افتراضاتهم بينما تستعد واشنطن- والعالم- لمرحلة ما بعد الحرب.