أفكار وآراء

قيم التراث الثقافي والطبيعي في زمن التحوّل بين الذاكرة واتخاذ القرار

يحمل التراث الثقافي والطبيعي في كل مكان في العالم قصصا وحِكما وقيما غائبة عن الكثير من أفراد المجتمع، فالتراث ليس فقط مجرد مخلفات تركها لنا الإنسان في الماضي بل هو سجل حي لهويتنا وتجارب أسلافنا في كل نواحي حياتهم، وإبراز لمدى تأقلم وتكيف الإنسان مع الطبيعة عبر الزمن. كما يمثل التراث أصولا معرفية، وثقافية، واقتصادية تشكّل الهوية الوطنية. ومن هنا يرتبط التراث الأثري بمجموعة من القيم الرمزية والروحية، والعلمية، والتعليمية، والمعلوماتية، والاقتصادية، والأهم هي القيم المرتبطة بالهوية.

هذه القيم ربما يجهلها الكثيرون الذين ينظرون إلى التراث من زاوية واحدة وهي أنه ماضي الأجداد، وتطرح الكثير من التساؤلات من غير المتخصصين حول أهمية التراث والمسوّغات وراء الحفاظ عليه، وما الفائدة المرجوة منه. ولعل من بين تلك التساؤلات: لماذا تخصص الحكومات ميزانيات ومبالغ باهظة لحفظ مخلفات الماضي؟ وهل يستحق التراث الأثري والقائمون عليه كل هذه المبالغ الكبيرة؟ وما العائد من كل ذلك؟ وعادة ما يربط الناس ذلك العائد بالفوائد الاقتصادية التي يمكن أن يجنيها مجتمع ما جرّاء حفظه لمواقعه الأثرية. إذ لا يدرك كثير من هؤلاء أن هناك قيما أخرى متأصلة في ذلك التراث الأثري، أبرزها القيمة الروحية/الرمزية التي تؤكد هويّة الإنسان، وتُرسخ قيمه، وتجسّد الأبعاد الثقافية التي كوّنته وكوّنها عبر الأزمنة.

من هنا من المهم لفت الانتباه إلى كل قيمة من قيم التراث على حدة، وتبيان لماذا من المهم التوقف عند كل قيمة، وفهم أثرها على مجتمعنا وهويتنا، وعلى القرارات والسياسات الوطنية المستقبلية. الهدف من ذلك هو رفع وعي أفراد المجتمع وصُنّاع القرار بأهمية التراث كأداة للتنمية المستدامة، والتعليم، والحفاظ على الهوية الوطنية، بدل تلك النظرة التقليدية التي تركز فقط على أنه أثر محفوظ، أو منظر رائع، أو ذكريات جميلة. لذا؛ من المهم إعادة النظر في التراث كأصل ومورد حي، يغذينا بالأفكار والمعرفة التي تساعدنا على فهم المجتمع وتطويره، ثم المساهمة في صنع قرارات واعية ومسؤولة تحافظ على هويتنا الوطنية، وتوظف قدراتنا ومفرداتنا البيئية والثقافية بطريقة مستدامة.

تحتوي سلطنة عمان على عدد كبير من المواقع الأثرية والتاريخية التي تمثل حياة المجتمعات التي استقرت فيها منذ العصور الحجرية مرورا بالعصر البرونزي، والعصر الحديدي، وفترات ما قبيل الإسلام، والفترات الإسلامية. وقد قدمت هذه المواقع أدلة أثرية وافرة ساعدت علماء الآثار على فهم التطورات الحضارية المختلفة التي حدثت خلال كل هذه العصور، وقدمت مؤشرات واضحة على تنظيم المجتمع، وبناء المدن، وتشكل السلطة.

وبالتالي ارتبطت هذه المواقع الأثرية والتاريخية بالسردية الوطنية والبنية الرمزية التي تتشكل حولها ذاكرة جماعية تعطي الناس إحساسا بالانتماء والاستمرارية، ولعبت أدوارا كبيرة في تعميق الشعور بالهويّة الوطنية، فالتراث ليس فقط ماضيا نتفاخر به، بل هو ذاكرة وطنية حيّة تُشكّل هذه الهوية، والمواقع الأثرية هي «وثيقة أو سجل لهذه الهوية»، وعندما يتم إبرازها والحفاظ عليها فهذه إشارة واضحة إلى أننا امتداد تاريخي عميق، ولسنا كيانا وليد اللحظة. وفي المقابل إذا لم يكن هذا التراث حاضرا ضمن الوعي العام فإن هذه الذاكرة الوطنية تتآكل وتضعف سرديتها التي تبني عليها الدولة بنيتها وتماسكها الرمزي والروحي.

ولا يقتصر التراث على الثقافي منه بل يمتد ليشمل التراث الطبيعي الذي هو الآخر يشارك بشكل متكامل في تشكيل هوية «مكانية» لا تقلّ عمقا وأهمية عن الهوية «الأثرية والتاريخية»، فالعلاقة بالنظم البيئية من صحراء وجبال وأودية وسهول وسواحل هي ليست ارتباطا جغرافيا محايد أو عوامل طبيعية جامدة، ولكنها سجل تفاعلي وخبرة حياة شكلت أنماط القيم الاجتماعية والثقافية التي تبلورت مع حياة المجموعات البشرية من التعاون والتحالف في البيئات القاسية، إلى فكر التحدي والتطويع والاكتفاء والتكيّف مع الشح والعوز.

إن التراث الطبيعي مرتبط بشكل كبير بالتراث الثقافي، فالإنسان في عصور ما قبل التاريخ كي يتأقلم ويتكيف فإنه تحدى الطبيعة وطوعها وخلق بينه وبينها وسيط عُرِف بأنه ثقافة المجتمع المادية والمعنوية، وهو ما ينعكس من خلال المكتشفات الأثرية التي يتم الكشف عنها. من هنا فإن العمل على حماية المشاهد الطبيعية ليس أمرا بيئيا في حد ذاته، بل هو حفاظ على «الهوية البصرية والثقافية» للمكان، أي الدولة.

وعلى الرغم من أهميتها إلا أن المفارقة تكمن في أن هذه القيم الثقافية والهوية غالبا ما تهمش في خطط التنمية والسياسات العامة لبعض الدول، وينظر إليها كشأن ثقافي ثانوي، وليس باعتبارها عاملا من عوامل التماسك الاجتماعي والأمن الثقافي، فالمواقع الأثرية والمباني التاريخية يتم الحفاظ عليها بحكم القانون فقط، في حين تبقى معانيها وقصصها خارج أسوار التعليم، والإعلام، والخطط التنموية.

هذا التهميش والنظرة تؤدي إلى تلاشي تدريجي للذاكرة المشتركة، وهنا يصبح التهميش «مغامرة سياسية ناعمة»، أي تلاشي تدريجي للهوية الجماعية بسبب ضعف الرابط الرمزي بين المواطن ومحيطه العام، مما يؤدي إلى أن يصبح المجتمع أكثر عرضة لعدم الاستقرار الثقافي أو فقدان الانتماء والهوية.

لذلك من ناحية السياسات العامة فإنه لا يجب أن ينظر للتراث من ناحية الحماية القانونية فقط بل يجب أن يتعدى ذلك ليشمل عمليات دمج هذا التراث في المنظومة الثقافية اليومية من خلال مجالات التعليم من حيث العمل على تدريس التراث بشكل أكبر في المدارس والجامعات، والإعلام من خلال توظيفه وإبرازه في البرامج الثقافية والإعلامية المختلفة، والساحات والميادين العامة، والمناسبات العامة، والاحتفالات الوطنية، والخطاب السردي الرسمي، وإدراجه في منظومة التخطيط العمراني والسياحي بطريقة لا تفقده سياق الهوية التي يمثلها.

ولم تغفل سلطنة عُمان عن هذا الجانب لذلك جاءت «رؤية عُمان 2040» لتركز في محور الإنسان والمجتمع على المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية حيث إن التوجه الاستراتيجي هو مجتمع معتز بهويته وثقافته وملتزم بمواطنته، وذلك من أجل تعزيز الهوية العُمانية، والحفاظ على التراث والثقافة.

كما جاءت الخطة الخمسية العاشرة (2021-2025) متوائمة مع هذا التوجه من ناحية أهدافها ومرتكزاتها وبرامجها الاستراتيجية وخاصة في المحور الأول المرتبط بالإنسان والمجتمع.

فعندما تتم إدارة التراث بالطريقة الصحيحة فإنه يتحول من كونه مجرد ماضٍ يتم الحفاظ عليه إلى عنصر استراتيجي طويل الأمد للهوية الوطنية والسياسات العامة للدولة، ويصبح التراث عنصرا من عناصر الاستقرار الثقافي للمواطن والدولة.

إن المواطن بكافة شرائحه، وخاصة فئة الشباب، ليسوا بحاجة فقط إلى معرفة أن هذا الموقع أو المبنى قديم، ولكنهم بحاجة إلى أن يفهموا كيف استطاع التراث أن يشكل وعيهم بهويتهم الوطنية، وما الذي يمكن للدولة اليوم أن تعلمه عن نفسها وعن رؤيتها المستقبلية.

وبهذا المفهوم فإن التراث يغذي وعي المواطن، ويعطي الدولة أدوات قوة ناعمة تستطيع من خلالها النهوض بحاضرها ومستقبلها بطريقة متماسكة وقوية. ومن هنا يشكل التراث لغة سياسية ناعمة تعمل على تفسير الهوية، وتحولها إلى وعي مشترك وسياسات مستدامة.