هذه هي إسرائيل الكبرى كما يفهمها نتنياهو
ترجمة: أحمد شافعي
الأربعاء / 26 / شوال / 1447 هـ - 22:31 - الأربعاء 15 أبريل 2026 22:31
ثمة أمور كثيرة لا تزال مبهمة فيما يتعلق بأهمية واستمرارية هدنة الأسبوعين في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. ولكنّ من جوانب هذا الصراع جانبا يبقى واضحا اليوم مثل وضوحه قبل ستة أسابيع؛ وهو أن دونالد ترامب يفتقر إلى خطة، خلافا لبنيامين نتنياهو.
كانت أهداف إسرائيل من الحرب هي التقليل إلى أقصى حد ممكن من قدرة الدولة الإيرانية، وعدم الاكتفاء بتغيير النظام، بل مجاوزة ذلك إلى تحقيق انفجار الدولة داخليا. وبرغم وقف إطلاق النار، أكد نتنياهو أن هذه «ليست نهاية الحملة» وأن إسرائيل «تضع إصبعها على الزناد» استعدادا لاستئناف القتال. وبوصفه مخضرما في الاستراتيجية فقد قضى نتنياهو ما مضى من الولاية الثانية لإدارة ترامب وهو ينتهز فرصة السيولة الجيوسياسية لتحقيق هدفه النهائي؛ إسرائيل الكبرى.
وحينما يذكر اليمين الإسرائيلي «إسرائيل الكبرى» فإن المفهوم غالبا ما يعني على وجه التحديد أمرا متعلقا بالأرض: هو السعي إلى زيادة حجم الأرض التي تزعم إسرائيل أنها أرضها. وهذا بالقطع جزء لا يتجزأ من المعنى. فإسرائيل في نهاية المطاف بلد توسعي انتهج تشريد الفلسطينيين ونزع ممتلكاتهم منذ نشأته، وهذا ما تسارع في الوقت الراهن تسارعا ملحوظا.
على مدار فترة العامين ونصف العام الماضية، سوّت إسرائيل غزة بالأرض وأعادت غزوها، فقتلت في ثنايا ذلك عشرات آلاف البشر وقضت على البنية الأساسية المدنية، وحاصرت أهلها في ما لا يتجاوز ـ بحسب أحد تقديرات العام الماضي ـ 12% من مساحة الأرض الضئيلة أصلا.
وفي الضفة الغربية، لا تزال إسرائيل مستمرة في حملة تدمير وتشريد تستهدف الشعب والأرض الفلسطينيين على نحو لا نظير له منذ حرب الأيام الستة في عام 1967، موسعة بذلك نطاق السيطرة والاستيطان.
بعد سقوط الرئيس بشار الأسد في عام 2024، استولت إسرائيل على أرض في سوريا (خارج مرتفعات الجولان التي سبق أن ضمتها ضما غير مشروع) وهي في حاليا معرض إعادة فرض منطقة احتلال في جنوب لبنان. ويحرض وزراء الحكومة المنتمون إلى حزبي (الصهيونية الدينية) و(القوة اليهودية) وأعضاء برلمان منتمون إلى الليكود، تحريضا علنيا على فرض السيادة الإسرائيلية والاستيطان في لبنان. بل دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إسرائيل إلى «التوسع حتى دمشق»، وزعم نتنياهو نفسه أنه يشعر «باتصال وثيق» برؤية الأرض كما يوجزها مفهوم «إسرائيل الكبرى».
غير أنه يجب النظر إلى «إسرائيل الكبرى» بوصفه مفهوما جيوسياسيا واستراتيجيا بقدر ما هو مفهوم متعلق بالأرض. فالاستحواذ على الأرض والسيطرة عليها هو من أوجه كثيرة الشق الواضح اليسير. في حين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى إلى شيء أشد طموحا وتعقيدا من محض السيطرة على الأرض، إذ يسعى إلى مشروع سيطرة قوامه تحالفات جديدة مدعومة بتبعية للقوة. ومن أجل أن نفهم هذا، ينبغي أن نرجع إلى الوراء بضع سنين؛ فبعد السابع من أكتوبر، وبعد اتضاح جسامة وقسوة الرد الإسرائيلي في غزة، أخذت مساعي إسرائيل للتكامل الإقليمي ـ بتطبيع العلاقات مع الجيران العرب ـ في التجمد على نحو متزايد. وصار نتانياهو أمام اختيار بين استئناف جهود التطبيع الإقليمي عبر نهج أكثر مرونة تجاه الفلسطينيين أو التشدد في الإنكار القاطع لأي مستقبل فلسطيني. وبلجوئه للخيار الثاني كان على نتنياهو أن يزيح إيران من ميزان القوى الإقليمية، وهو ما استوجب تدخلا عسكريا أمريكيا هائلا ومباشرا بجانب إسرائيل. في الأيام السابقة على حرب إيران، لاحظ اثنان من الشخصيات الأمنية المهمة السابقة في ما كتباه لمعهد القدس للاستراتيجية والأمن أن الإطاحة بالنظام الإيراني أو إضعافه إضعافا كبيرا من شأنه ـ في نظر الدول الكبيرة في المنطقة ـ أن يحقق لإسرائيل مكانة «القوة الإقليمية المهيمنة».
وتحقيق هذا لا يستوجب انهيار إيران وحسب، بل يستوجب بالتزامن إضعاف مجلس التعاون الخليجي وجعل دوله معتمدة على إسرائيل في الأمن ومسارات صادرات الطاقة. بعبارة أخرى، كان امتداد الحرب بحيث تتعرض دول مجلس التعاون الخليجي لضربات المسيرات والصواريخ الإيرانية يعد بالنسبة لإسرائيل أمرا مقصودا وليس أثرا جانبيا مؤسفا. ووفقا للتوقعات، حينما أطلقت إسرائيل والولايات المتحدة هذه الحرب، تأثرت بشدة قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على الوصول إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز. وبتصعيد إسرائيل من خلال استهداف بنية الطاقة الأساسية الإيرانية، نفذت إيران تهديدها بالرد بالمثل في الخليج. انتهز نتنياهو الفرصة للدعوة إلى «مسارات بديلة لنقاط الاختناق في مضيقي هرمز وباب المندب» متنبئا بخطوط أنابيب للنفط، وخطوط أنابيب للغاز تمضي غربا عبر شبه جزيرة العرب نحو إسرائيل ومنها إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط.
وفي تصريحاته العلنية ربط نتنياهو بين بعض نقاط مشروعه لهيمنة إسرائيل الكبرى. فقبل أيام من بداية الحرب، وخلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل، عرض نتنياهو رؤيته الخاصة بـ«إنشاء نظام كامل، هو في جوهره أشبه بتحالف سداسي حول الشرق الأوسط وفيه» يضم «الهند، وبلادا عربية، وبلادا إفريقية، وبلادا متوسطية (اليونان وقبرص) وبلادا في آسيا». وتكون إسرائيل نقطة التقاء هذا التحالف.
وقد جاءت مقالة منشورة حديثا بالعبرية بقلم اثنين من كبار الشخصيات في معهد الاستراتيجية الرسمي التابع للجيش الإسرائيلي، لتملأ بعض الفراغات. إذ ذهب كاتبا المقال إلى أن الجيش الإسرائيلي لن يكتفي بالغزو المباشر للأرض بل إنه سوف يحقق أيضا «سيطرة عملياتية حتى في مناطق بعيدة عن الحدود الإسرائيلية، دونما احتلال للأرض أو استيلاء عليها»، لتحظى إسرائيل «بمكانة عليا بوصفها ملكة الغابة» (وليس من النادر أن نسمع بقية الشرق الأوسط توصف بـ «الغابة» في الخطاب السياسي الإسرائيلي) مقيمة «نظاما إقليميا يزيد من تعزيز أهداف إسرائيل».
وفي خطابات حديثة، بدأ نتنياهو يشير إلى إسرائيل لا باعتبارها «قوة عظمى إقليمية» وحسب، بل بوصفها «قوة عظمى عالمية من بعض الأوجه»؛ فإسرائيل تتطلع إلى وضع نفسها في مركز تحالف إقليمي يمكن أن يبقى حتى في حال تراجع قوة الولايات المتحدة. ولم تتحرج إسرائيل من تحديد «الخطر القادم» الذي تنبغي معالجته: وهو تركيا. قد يعد الحديث عن سيطرة (إسرائيل الكبرى) إحدى المبالغات المعهودة في أوقات الحروب. ولكن السياسة التي تتبعها إسرائيل في الآونة الأخيرة تبين أن هذا خطأ فادح. فالتوجه الدائم إلى الحرب عميق في الطبقة السياسية الإسرائيلية، سواء في الحكومة أم في المعارضة، أم في المؤسسة الأمنية، أم في نخبة اليمين الجديدة والإعلام. غير أن في هذا التفكير احتمالا هائلا للتجاوز والانتكاس، وهو يمثل خطرا على إسرائيل نفسها، فضلا عن كونه أمرا لن تتقبله المنطقة.
فلعل من أهم البنود في قائمة تحديات ما بعد الحرب، وهي قائمة طويلة، بندا يتعلق بردع مشروع هيمنة إسرائيل الكبرى هذا واحتوائه.
دانيال ليفي معلق سياسي ورئيس مشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط. سبق له العمل كمفاوض سلام في محادثات أوسلو 2.
الترجمة عن ذي جارديان