أعمدة

«هرمز»... الطريق إلى المضيق

حين سمعت باسم (مضيق هرمز) للمرّة الأولى، تداعى إلى ذهني اسم (هرمز) قائد جيش الفرس في عصر الدولة الساسانية، الذي قتله خالد بن الوليد في معركة (ذات السلاسل ) سنة 12 هـ /633م، كما قرأنا في مادة التاريخ الإسلامي التي درسناها في المرحلة الابتدائية، وكانت تلك المعركة بوابة واسعة لدخول جنود المسلمين العراق وبداية الفتوحات، وقرأنا أيضا: أن المعركة بدأت بعد أن خيّر ابن الوليد (هرمز) بين دخول الإسلام أو القتال، فاختار الثاني القتال، وجرت المعركة في منطقة ( كاظمة) التي هي جزء من الكويت اليوم، وعرفنا أنّ المعركة بدأت بالصراع على الماء، فالقائد خالد بن الوليد كان يعرف أنّ من يسيطر عليه يضمن كسب المعركة، فقال لجنوده «جالدوهم على الماء فلعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين»، وها هو الماء يدخل اليوم بقوّة في معادلة الصراع الدائر بين إيران وأمريكا وحليفتها إسرائيل،

فمن يسيطر على هذا الممر البحري الدولي (مضيق هرمز) يكسب الكثير، كما يرى المحلّلون السياسيّون، لكن اسم (مضيق هرمز) لا علاقة له بذلك القائد المهزوم، فاسم المضيق جاء نسبة إلى جزيرة هرمز الإيرانية، ويعني اسمها (مصب) باللغة الفارسية، ويقال إن المضيق استقى اسمه من (مملكة هرمز) وهي من الممالك القديمة التي عرفت بين القرنين 13-16 م، وقد أسّستها قبائل عربية من عُمان، قبل سقوطها بيد البرتغاليين، عام 1507م بقيادة (أفونسو دي ألبوكيرك) بعد أن شنّ هجوما بحريا، وكان هدف البرتغاليين هو قطع الطريق على التجارة في منطقة الخليج العربي، ولن يتحقّق لهم ذلك إلّا بالسيطرة على هذه المنطقة، التي مثّلت مركزا تجاريا واقتصاديا دوليا، وممرّا بحريا حيويا سارت به السفن التي تنقل اللؤلؤ والحرير والتوابل، وهذا يعني أن هذا المضيق الذي يُعدّ اليوم، أهمّ نقطة ملاحة بحرية دولية، ويحتل موقعا استراتيجيا فريدا في العالم، كان منذ القدم محل أطماع، وبؤرة صراع.

وقد أتيحت لي فرصة زيارة المضيق خلال مشاركتي في إحدى دورات الملتقى الأدبي، عضوا في لجنة تحكيم الشعر الفصيح، قبل أكثر من خمس عشرة سنة، حين نظّمت الجهة الداعية رحلة بحريّة للمشاركين، وكم شعرنا بالسعادة حين وجدنا أنفسنا على متن إحدى سفن البحرية السلطانية العمانية، وهي تشقّ الأمواج !، مستمتعين بمنظر رقص الدلافين، على جانبيها، وخلال الرحلة مررنا بالعديد من الجزر، وكلّ جزيرة لها حكاياتها، وتاريخها، فجزيرة التلغراف شهدت عام 1865م أول اتصال بين بريطانيا ومستعمراتها في شبه القارة الهندية، أما جزيرة (أمّ الغنم)، فهي ثرية بحكايات رعاة الأغنام، في هذه الجزيرة المعزولة التي تشاطرها العزلة جزيرة (سلّامة وبناتها) ومع العزلة تنشأ المخاوف وتُنسج الحكايات الخرافيّة، ومن بينها حكاية (سلامة) التي تخطف البحّارة، لتزويجهم من بناتها، ومن نجى من فخاخ (سلامة) فلن يفلت من (بابا دريا) أو (أبو البحر) الذي يخرج لهم في عرض البحر، لاختطافهم،

وقد اعتاد البحّارة، أن يحتاطوا لذلك الخطر الداهم، حسب الحكايات المتداولة، فيربطون حبالا غليظة، حول خصورهم، وهذا يشبه ما قام به (أوديسيوس) في طريق عودته لـ(إيثاكا) مع حوريات البحر أو( السايرينات) في ملحمة (الأوديسة) وهي كائنات خرافية نصفها نساء ونصفها الآخر طيور، وكن يسحرن البحارة بغنائهن، فيلقون بأنفسهم في البحر، لكنّ(أوديسوس)، كما تقول ملحمة (هوميروس)، تمكّن من إنقاذ أفراد طاقمه من سحر الغناء فسدّ آذانهم بشمع العسل الذي أهدته له (سيرس) لكي لا يسمعوا الغناء، فيما فضّل أن يستمتع بالغناء ولكي يقاومه ولا يرمي جسده في البحر ويتحوّل إلى وجبة شهية للكائنات المتوحشة التي تعيش في قاع البحر، ربط جسده بصارية السفينة باستخدام حبال قوية، فنجحت خطته، وعبر البحر، وصار رمزا لقوة الإرادة، ووصل إلى (إيثاكا) سالما، مثلما وصلنا المضيق وكانت لحظة لا تُنسى، وقبل ذلك، ظننت أننا سنبلغ مكانا ضيقا، كما يوحي الاسم، لكن هذا الشعور تلاشى حين رأيت مكانا ساحرا، وسط الأمواج الصافية، ومشاهد صخور الجبال، والسماء الزرقاء، فاتّسعت الرؤى، بدلا من أن تضيق، وحرّكت هذه المفارقة الحادّة شيئا في خاطري، لذا دوّنت في دفتر ملحوظاتي:

زهرة الرؤيا التي روّيتُها

من عروقي

مطرَ الضوءِ الوريقْ كيف جفّتْ وذوتْ وانقبضتْ

زمنًا، واتّسعتْ

عند (المضيق)؟

وبقي السؤال مفتوحا، وحين عدت بعد سنوات إلى (مسندم) لحضور افتتاح معرض تشكيلي أقامه فرع النادي الثقافي في مسندم حمل عنوان «إبداع المكان والإنسان» ، لاحظت أنّ الأعمال المشاركة ركّزت على جماليات البيئة، والجبال والبحار وعوامل الزمن التي نحتت على الصخور لوحات طبيعية يرجع تأريخها إلى «حوالي ألف وثمانمائة وخمسين مليون سنة»، كما يؤكد الباحثون، وحين يستند المكان على تاريخ بهذا العمق، وفرادة جغرافيّة لها خصوصيتها، فمن الطبيعي أن يشكّل محور صراع في كلّ العصور، كما نرى اليوم.