في انتخابات المجر كتبت الاسئلة : لماذا انقلب الناخبون على أوربان؟
تحليل
الأربعاء / 26 / شوال / 1447 هـ - 19:35 - الأربعاء 15 أبريل 2026 19:35
لندن'د. ب. أ': يثير جريجوار روس، مدير برنامج أوروبا وروسيا في معهد تشاتام هاوس (المعهد الملكى للشؤون الدولية) للأبحاث بلندن، سؤالا جوهريا في أعقاب الانتخابات التي شهدتها المجر يوم الأحد الماضي، والتي كتبت كلمة النهاية لحكم رئيس الوزراء 'المنتهية ولايته' فيكتور أوربان، والذي استمر 16 عاما.
وسؤال روس مفاده: لماذا انقلب الناخبون على أوربان؟ وفي محاولته الإجابه على هذا السؤال، قال روس إن في الوقت الذي ركزت فيه حملة أوربان على قضايا جيوسياسية - الحرب أو السلام، والاتحاد الأوروبي (بروكسل) أو السيادة، أوكرانيا أو استقرار المجر - كان الناخبون أكثر اهتماما بقضايا داخلية مثل الركود الاقتصادي والتضخم وتراجع مستويات المعيشة.
وأضاف المحلل روس أن أوربان ربما فقد لمسته الشعبوية، بعدما ابتعد عن هموم ناخبيه، كما تمثل هزيمته تحذيرا للشعبويين في أوروبا بأن حتى الأنظمة التي صممت من أجل الاستمرار يمكن إسقاطها عندما تطغى الأوضاع الاقتصادية على الخطابات الكبرى.
وفاز حزب 'تيسا' بقيادة بيتر ماجيار بنحو 70% من مقاعد البرلمان المجري، في انتصار كاسح لا يمثل فحسب مجرد تغيير في الحكومة، بل هو رفض تاريخي لأكثر الأنظمة السياسية الراسخة في الاتحاد الأوروبي. فقد بدا النموذج السياسي لأوربان وحزبه فيدس وطيدا، لأنه نجح في دمج السلطة السياسية مع السيطرة المؤسسية وسردية وطنية قوية.
والسؤال التالي :هل يستمر نموذج أوربان؟ ورغم أن من الواضح أن ناخبي المجر رفضوا فيكتور أوربان، فإن الأمر أقل وضوحا فيما يتعلق بنموذجه السياسي، أو ما يعرف بـ'الأوربانية'. فعلى مدار أكثر من عقد، أعاد أوربان تشكيل النظام السياسي في المجر على نحو عميق، إلا أن النظام الذي أقامه استند إلى توجهات سياسية أوسع وتفضيلات اجتماعية راسخة، مثل الدولة القوية، والتشكيك في القيود الخارجية، وسياسة الصفقات، واعتبار السيادة نهجا للحكم. وهذه السمات متجذرة بعمق في الثقافة السياسية المجرية، ولن تختفي بمجرد انتهاء الانتخابات.
وتزداد أهمية هذا الأمر لأن أوربان لن يغادر الحياة السياسية، بل سيواصل دوره من موقع المعارضة، وهو ما يعني أن بيتر ماجيار سوف يضطر إلى مواجهة خصم مهزوم وجريح، لكنه لا يزال شديد التنظيم. ولا يزال حزب فيدس متغلغل في الشبكات المحلية والمؤسسات والمنظومة الإعلامية، كما يعد أوربان أحد أكثر ساسة أوروبا مهارة.
كما أن هذه ليست أول هزيمة انتخابية لأوربان، فقد تنحى عن رئاسة الوزراء في عام 2002، ليعود أقوى في عام 2010 وبالتالي، فإن ما يحدث ليس قطيعة كاملة مع حقبة أوربان، بل بداية مرحلة جديدة قد تستمر فيها 'الأوربانية' في المعارضة كمصدر للمقاومة، والمناورة السياسية، وصراع السرديات.
ويرى روس أنه بالنسبة للاتحاد الأوروبي، تعد نتيجة الانتخابات نبا سارا، فقد أصبحت المجر في عهد أوربان نقطة توتر مزمنة فيما يتعلق بفرض العقوبات، وبأوكرانيا، إضافة إلى الخلافات بشأن سيادة القانون. ومن المرجح أن تكون حكومة ماجيار أقل عرقلة، وأكثر قابلية للتنبؤ، وأكثر اهتماما بإصلاح العلاقات مع بروكسل. وقد يسهم ذلك في تسهيل اتخاذ القرارات بشأن أوكرانيا وتحسين الأجواء المتعلقة بالأموال الأوروبية المجمدة، أو المشروطة، رغم أن بروكسل لا تزال تنتظر رؤية إصلاحات من حكومة ماجيار قبل الإفراج عن هذه الأموال.
ومن المرجح أن تبقى المجر حذرة فيما يتعلق بملف الهجرة، وبتمسكها بالسيادة، كما ستتعامل بحذر مع مفهوم 'الفيدرالية البراجماتية' الذي طرحه ماريو دراجي (الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ورئيس وزراء إيطاليا السابق). ومع ذلك، فإن النتيجة إيجابية لحزب الشعب الأوروبي (يمين الوسط) في الاتحاد الأوروبي.
ورغم أن النتيجة لن تغير ميزان المقاعد في البرلمان الأوروبي بشكل فوري، فإنها تعزز موقع الحزب سياسيا، من خلال منحه فوزا وطنيا وتعزز ادعاءه بتمثيل يمين الوسط الحاكم في التكتل، وإضعاف أحد أبرز منافسيه غير الليبراليين.
ويقول روس إن ذلك كله يشير إلى احتمال تيسير التنسيق الأوروبي في المرحلة المقبلة، كما قد يسهم في تحسين الظروف لإعادة تقارب المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي.
أوكرانيا والدفاع الأوروبي وبالنسبة لأوكرانيا، تمثل نتيجة الانتخابات المجرية أهمية واسعة، وفورية، حيث كان أوربان أبقى على المجر، رسميا، ضمن المعسكر الغربي، لكنه استخدم موقعه في الوقت نفسه لإبطاء، أو تمييع، أو تسييس، الدعم المقدم لكييف، خاصة خلال الحملة الانتخابية.
ومن شأن فوز ماجيار أن يعكس موقفا مجريا أقل غموضا تجاه أوكرانيا، وعددا أقل من التعقيدات داخل الاتحاد الأوروبي. أما بالنسبة لموسكو، فإن هذه النتيجة تشكل انتكاسة واضحة، حيث كان أوربان، إن لم يكن حليفا، فعلى الأقل طرفا ناشزا مفيدا لروسيا، داخل الاتحاد. ورغم أن النتيجة لا تلغي الاعتماد الهيكلي للمجر، فإنها تقلل من فائدتها لروسيا كنقطة نفوذ داخل أوروبا.
وفي ما يتعلق بالدفاع، وهو ضمن أبرز المجالات الحيوية للاتحاد الأوروبي، فقد تشهد المرحلة المقبلة تغييرات ملموسة في ظل حكومة ماجيار، حيث تعهد حزب تيسا بزيادة الإنفاق الدفاعي ليصل إلى 5%من إجمالي الناتج المحلي، وفق معيار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بحلول عام.2035 ومع ذلك، سوف يتواصل نهج التوازن، إذ استبعد ماجيار إرسال قوات إلى أوكرانيا أو إعادة التجنيد الإجباري.
ولكن الخطط التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية بحلول 2035، ومراجعة مشروع محطة باكس النووية - التي جرى بناؤها وتمويلها إلى حد كبير من قبل روسيا - تشير إلى توجه مجري أقل عرقلة داخل الناتو والاتحاد الأوروبي، وأكثر إسهاما في تعزيز منظومة الأمن الأوروبية الأوسع نطاقا.
تحذير للشعبويين الأوروبيين ويؤكد المحلل روس أنه لا يمكن تجاهل الدلالات الأوروبية الأوسع لهذه التطورات.
وعلى مدار الأسابيع الأخيرة، تعرضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني لانتكاسة واضحة بعد فشل الاستفتاء على إصلاحات قضائية مقترحة، في حين أخفق حزب التجمع الوطني في فرنسا في ترجمة ثقله الوطني إلى السيطرة على المدن الكبرى في الانتخابات البلدية. أما المجر، فترسل الآن بإشارة أقوى: ليست مجرد حالة جمود، بل تحولا عكسيا صريحا.
والدرس هنا ليس أن الشعبوية قد انتهت، بل أن حتى الأنظمة الراسخة يمكن تغييرها عندما تفشل في تحقيق نتائج ملموسة، أو تصبح منغلقة أكثر من اللازم، أو مرهقة، أو تسعى لخدمة نفسها.
وفي المقابل، يظهر فوز ماجيار وجود مساحة قائمة لسياسة يمين الوسط، محافظة دون أن تكون غير ليبرالية، ومؤيدة لأوروبا دون أن تبدو ضعيفة أو باهتة سياسيا.
رهان وإخفاق واشنطن أما بالنسبة لواشنطن، فإن فوز ماجيار يمثل صفعة مدوية، فقد تابعت الإدارة الأمريكية الانتخابات عن كثب من المكتب البيضاوي، بل إن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس زار بودابست قبل أيام من التصويت لدعم فرص فوز أوربان، وانتقد ما وصفه بـ'تدخل' الاتحاد الأوروبي وأشاد بأوربان كحليف للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ولكن يبدو أن هذا التدخل قد أتى بنتائج عكسية. وعلى نحو أوسع، فإنه يقوض فكرة سادت في أوساط مقربة من ترامب مفادها أن تعزيز التيارات السيادية في أوروبا سوف يضعف الاتحاد الأوروبي من الداخل ويجعل القارة أكثر قابلية للتأثر. بل إن ما حدث في المجر يشير إلى العكس.
وقد بدأت بالفعل عدة أحزاب أوروبية يمينية متطرفة النأي بنفسها عن ترامب بسبب مواقفه المتقلبة في السياسة الخارجية، وقد تسرع نتيجة انتخابات المجر من الاتجاه نحو مزيد من الاستقلالية عن تيار 'لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى' (ماجا).
ويثير روس سؤالا مفاده: هل تعدل واشنطن أساليب تأثيرها في أوروبا أم ستواصل نفس النهج؟ تفويض ماجيار ليس بلا قيود ويقول روس إن بيتر ماجيار نال تفويضا قويا، ولكنه ليس مطلقا، فهو ليس وجها سياسيا جديدا بالكامل، بل شخصية من داخل النظام تحولت إلى منافس، وقد خاض حملته على أساس الإصلاح والترميم، وهو ما يحمل دلالات مهمة.
وقد بات لديه الآن هامش للتحرك في ملفات الفساد واستقلال القضاء والعلاقات مع بروكسل ونبرة السياسة الخارجية، خاصة تجاه كييف. ومع ذلك، فإن حتى أغلبية الثلثين لا تصنع من المجر صفحة بيضاء، فهناك قيود مثل الاعتماد على الطاقة، واستمرارية البيروقراطية، والمحافظة الاجتماعية، والإرث المؤسسي لحكم أوربان، وكلها ستحدد ما يمكن تحقيقه وسرعته. والأرجح أن المسار لن يكون قطيعة جذرية، بل تغييرا تدريجيا وانتقائيا وتراكميا، وهو ما قد يعد إنجازا كبيرا في السياق السياسي بالبلاد.
وفي ختام التحليل، يقول روس إنه بعيدا عن قضايا الفساد والتوتر مع بروكسل، يبدو أن الناخبين عاقبوا أوربان بسبب ضعف الأداء الاجتماعي والاقتصادي. لكن ما إذا كان ذلك يمثل أيضا رفضا لنموذجه السياسي يظل أمرا غير محسوم، وسيتضح مع الوقت من خلال ما سيغيره ماجيار وما سيبقيه على حاله. فهل ستظل المجر ترغب في 'الأوربانية' دون أوربان نفسه؟ .