أفكار وآراء

بابا الفاتيكان واستخدام الدين في الحرب على إيران

لاهوتيات الأديان والمذاهب المندرجة تحتها تدور اجتماعيًا من حيث الآخر المختلف وفق ثلاث دوائر: دائرة الأنا والآخر من خلال الانتماء الأضيق، بمعنى حدية الحق والباطل، الكفر والإيمان، الولاء والبراء، النجاة والهلاك، حتى داخل الدين ذاته، بل داخل الانتماء المذهبي في كثير من الأحيان؛ فلكل دين مذاهب تندرج تحته، ثم تيارات فكرية تتكون تحت دائرة المذهب، هذه الدائرة لا تتقبل الآخر المختلف ولو انتسب إلى دائرتها مذهبيا، هذه الدائرة لا إشكالية حولها إذا كانت بالقدر الإيماني والشعائري الخاص، أي أن تبقى في دائرة خصوصيتها دون أن تخرج إلى المجتمع الأكبر، وتتبناها النظم السياسية، حيث ستقود المجتمع كان باسم الدولة أو النظام العام إلى الصراع والكراهية وارتفاع العدالة الاجتماعية والتمييز المجتمعي.

الدائرة الثانية تدور أيضا وفق دائرة الأنا والآخر ولكن تتسع لكونها تنطلق من الدين لا من المذهب، أي تتعايش مع الانتماءات المذهبية داخل الدين الواحد، لكنها قد تمارس حدية وإقصاء اجتماعيا لمن يمايزها من الأديان والتوجهات الأخرى، وهذه تحقق تعايشا لمن يماثلها، ولكن إذا خرجت من إطارها الديني الخصوصي إلى الدولة والنظم السياسية؛ تدخل المجتمع أيضا في صراعات وتمايز اجتماعي، خصوصا في الدول متعددة الأديان والمذاهب والتوجهات، أو في التحالفات الدولية الأوسع.

الدائرة الثالثة تنظر إلى الآخر بمنظورين: منظور العدل الإلهي الأوسع، والذات الإنسانية الواحدة، بمعنى أن التشكل الديني والمذهبي تشكل انتمائي نتيجة الولادة والأرض غالبا، بينما الذات الإنسانية واحدة، وارتباطها بالآخر تشترك معه في الرحمة والعدل الإلهي، هذه الدائرة مع حفاظها على انتماءاتها لكنها متعايشة مع الآخر بشكل طبيعي، ولا تجد تعارضًا بين هذا التعايش وبين الخصوصيات الانتمائية، وعادة تشكل هذا قديما مع الاتجاهات الدينية الغنوصية أكثر من الاتجاهات التقليدية والكلاسيكية.

الذي يهمني هنا بابا الفاتيكان، وهو أعلى رمزية عند المذهب المسيحي الكاثوليكي، فهو خليفة الرسول بطرس (ت: 64م)، وارتبطت بروما، وروما من الكنائس الخمس في العالم بعد القدس والإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية، وقد شهدت الكاثوليكية أربعة تحولات كبرى في تأريخها، التحول البولسي الأول (بولس الرسول ت: 64م) بعد مجمع أورشليم 51م، والتحول الخلقيدوني 451م في قضية طبيعة المسيح، والانقسام الكبير 1054م إلى كنائس غربية يمثلها الفاتيكان، وكنائس شرقية، وحدوث تحالفات دينية وسياسية بينهما، ثم التحول الأخير بعد عصر الأنوار والانقسام البروتستانتي عنها في القرن السادس عشر وحتى اليوم.

الكنيسة الكاثوليكية في هذه التحولات الأربعة مرت بالدوائر الثلاث، بالدائرة المغلقة دينيًا والتي مارست العنف تجاه المختلف عنها دينيًا مع الأديان الأخرى كالمسلمين واليهود والبوذية وأديان أمريكا اللاتينية كما في الحروب الصليبية والحركات الاستعمارية (البرتغالية والإسبانية مثلا).

والدائرة المغلقة مذهبيا كما في محاكم التفتيش وصراعها لاحقا مع البروتستانت (حرب الثلاثين عاما مثلا)، إلى الدائرة الإنسانية الأوسع، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما نراه يتشكل اليوم، وقد كتبت شيئا عنه في مقالتي في جريدة عُمان: «البابا فرنسيس ورسالة طوبى لصانعي السلام»، وكما نراه اليوم مع البابا ليو الرابع عشر، وهو البابا رقم 267 في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، ورؤيته للحرب الأخيرة، والتي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران.

في الموقع الرسمي للفاتيكان Vatican News، نشر ليندا بوردوني وناثان مورلي تقريرا بعنوان: «البابا يدعو إلى وقف إطلاق النار والحوار في حرب الشرق الأوسط»، ومما جاء فيه نقلا عن البابا ليو الرابع عشر: «باسم مسيحيي الشرق الأوسط وكل النساء والرجال ذوي الإرادة الطيبة: أوقفوا إطلاق النار، ودعوا طرق الحوار تُفتح من جديد»، وقال أيضا: «إن العنف لا يمكن أن يؤدي أبدًا إلى العدالة أو الاستقرار أو السلام الذي تنتظره الشعوب»، وجاء فيه: «وبعد تلاوة صلاة التبشير الملائكي Angelus ذكر البابا المؤمنين بأن: شعوب الشرق الأوسط تعاني منذ أسبوعين من العنف الوحشي للحرب، وأضاف: لقد قُتل آلاف الأبرياء، وأُجبر كثيرون آخرون على مغادرة منازلهم، وأجدد قربـي وصلاتي لكل من فقدوا أحباءهم في الهجمات التي استهدفت المدارس والمستشفيات والمناطق السكنية، كما أعرب البابا عن قلقه الشديد إزاء الوضع في لبنان، وقال: آمل أن تُفتح مسارات للحوار يمكن أن تساعد سلطات البلاد على إيجاد حلول دائمة للأزمة الخطيرة الجارية، من أجل الخير العام لجميع الشعب اللبناني».

ونشرت الصحفية البريطانية مارينا دنبار في صحيفة الغارديان تحليلا سياسيًا حول موقف بابا الفاتيكان الأخير بسبب الحرب على إيران، جاء في مقدمة مقالها التحليلي: «قدم البابا ليو الرابع عشر يوم الجمعة « أي 10 أبريل 2026م » انتقادا جديدا للحرب، وذلك في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي لم يذكر فيه أسماء، لكنه بدا وكأنه يلمح إلى قيادة إدارة ترامب التي تستخدم النزعة القومية المسيحية لتمجيد الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران»، «وقال ليو في حسابه الرسمي على منصة إكس: «الله لا يبارك أي صراع، وكل من كان تلميذا للمسيح، أمير السلام، لا يقف أبدا إلى جانب أولئك الذين كانوا في الماضي يرفعون السيف، واليوم يلقون القنابل»، وأضاف: «العمل العسكري لن يخلق مساحة للحرية، ولا أوقاتا للسلام؛ لأن السلام لا يأتي إلا من خلال التعزيز الصبور للتعايش والحوار بين الشعوب»، وفي يوم الجمعة كتب البابا أيضا: «إن العنف العبثي وغير الإنساني ينتشر بشراسة في الأماكن المقدسة في الشرق المسيحي، التي دُنِست بتجديف الحرب ووحشية المصالح التجارية، دون أي اعتبار لحياة الناس، التي يُنظر إليها في أحسن الأحوال على أنها أضرار جانبية لمصالح ذاتية، وتابع: لا يمكن لأي مكسب أن يساوي حياة الأضعف، أو الأطفال، أو العائلات، ولا يمكن لأي قضية أن تبرر سفك دماء الأبرياء»، «وقال البابا ليو إن الله لا يستجيب لصلوات القادة الذين يسعون إلى الحرب، وتكون أيديهم مملوءة بالدماء».

وتوضح الكاتبة غضب البابا يعود إلى إدخال القومية المسيحية واسم يسوع والدين عموما في حرب يصنعها البشر، ولا علاقة لله أو الدين بها، من ذلك «ما قام وزير الدفاع بيت هيغسيث على وجه الخصوص حيث قدم الصراع بعبارات دينية، واصفا إياه بأنه حرب مقدسة تُخاض باسم يسوع المسيح، وهيغسيث، الذي تربطه علاقة طويلة بالقومية المسيحية، شبَه عملية إنقاذ فرد الطاقم الثاني من طائرة مقاتلة من طراز F-15E ... والذي صادف عطلة عيد الفصح بقيامة يسوع المسيح»، كما «قال الرئيس الأمريكي للصحفيين الأسبوع الماضي إنه يعتقد أن الله يدعم الإجراءات الأمريكية في إيران».

خطابات البابا ليو الرابع عشر هي ما نحتاج إليه اليوم ليس على مستوى المسيحية الكاثوليكية فحسب، بل على مستوى جميع الأديان الأخرى، فالحروب لا يمكن عزلها عن الأبعاد الإنسانية، والمتضرر منها هو الإنسان ذاته، والذي يصنعها هو الإنسان، ولي مقالة نشرت قريبا حول هذا «عندما يدخل الغيب في الحروب»، لا أريد تكرار ما كتبت، يعنيني هنا أن نبتعد في الحروب عن الأثنيات المغلقة كالإيمان والكفر، فهذا يخدم من يشعل الحروب، ويجد تبريرا لها في قتل الأبرياء، والفساد في الأرض. على جميع المؤسسات الدينية والثقافية في العالم أن تنظر إليها بالبعد الإنساني الأوسع، والذي يقف ضد التمييز بين البشر لأسباب لاهوتية أو ثقافية أو جغرافية أو عرقية.