منذ نشأة المشروع الصهيوني في الشرق الأوسط لم تتوقف الحروب في المنطقة. بدأ هذا المشروع في الأصل باعتباره مشروعا سياسيا يهدف إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ولم يكن هرتزل نفسه يصر على الأراضي المقدسة موطنا بعينه لإنشاء هذا الوطن، بل لم يكن يتخذ أية مرجعية دينية لمشروعه قائلا في «يومياته»: «إنني لا أخضع لأي وازع ديني»؛ ولكن سرعان ما تحالفت القوى الاستعمارية بزعامة بريطانيا على اختيار الأراضي المقدسة في فلسطين لإضفاء طابع ديني على المشروع بدعوى عودة اليهود إلى أرض الميعاد.
وهذا ما يدعونا إلى التساؤل: هل الحرب الجارية الآن في الشرق الأوسط هي حرب أو صراع سياسي على النفوذ والمصالح أم هي حرب باسم الدين لا تختلف كثيرا عن الحروب الصليبية فيما مضى؟ هذا السؤال مثار خلاف بين من يتداولون النقاش حول مبررات الحروب الجارية في المنطقة التي يشنها المعسكر الصهيوني الأمريكي.
والواقع أنه ليس هناك تناقض بين الموقفين: ذلك أنه لا توجد حروب دينية خالصة، وإنما تستخدم الحروب الدين كمبرر لشرعنة الحرب والصراعات من أجل السيطرة والنفوذ السياسي والاقتصادي؛ وهكذا يتم إضفاء طابع مقدس على الحرب. وبذلك النحو يمكن فهم الطابع المقدس الذي أضفته الصهيونية السياسية على جبل صهيون في الأراضي المقدسة، وهو جبل ليست له أية قداسة في الأصل، واكتسب قداسته من روايات وأساطير تم إقحامها على نصوص الأنبياء. وعلى النحو نفسه، فإن «الوعد الأبوي» في التوراة لم يكن في الأصل سوى «وعد بدوي»، أي وعد إلهي لقبيلة من البدو الرُحل بأن يجدوا مكانا ما صالحا للسكنى يستقرون فيه، وبعد ذلك تجمعت قبائل عديدة سميت شعب إسرائيل.
وعلى هذا لم يكن الهدف من هذا الوعد الأبوي هو غزو بلد أو منطقة ما سياسيا أو عسكريا؛ وبذلك فقد استخدمت الصهيونية السياسية تأويلا مزيفا للدين لإضفاء شرعية وقداسة على مسلكها في العدوان والحرب (انظر تفصيل ذلك في الترجمة العربية لكتاب روجيه جارودي، الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، ص 44، وما بعدها). وعلى هذا، يمكننا القول إن الكيان الصهيوني ليس مشروعا دينيا بقدر ما هو مشروع سياسي قومي استيطاني.
ولقد أصبح المشروع الصهيوني مدعوما بقوة من خلال «الصهيونية المسيحية» في الولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص؛ وهذا هو أحد الأسباب القوية التي تجعلنا نصف هذا المشروع في صورته الراهنة بأنه «صهيو-أمريكي».
ولكن اللافت للنظر هو أن هذا البعد الديني أصبح معلنا صراحة وبفجاجة في الخطاب الصهيوني الأمريكي، ويكفي أن نذكر في هذا الصدد ما أعلنه نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل (بالصوت والصورة) منذ بضعة شهور، حينما ذهب إلى القول بأن حُلمه هو تحقيق نبوءة التوراة بإسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات! كما أننا لا ينبغي أن ننسى أيضا موقف الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية جو بايدن الذي قام بزيارة إسرائيل مباشرة بعد هجوم حماس عليها في السابع من أكتوبر سنة 2023، إذ قال محتضنا نتنياهو فور نزوله من الطائرة: إن المرء ليس بحاجة لأن يكون يهوديا لكي يكون صهيونيا! وتلك تصريحات تاريخية كاشفة عن توظيف الدين بشكل صريح كمبرر شرعي لاستخدام أعتى الأسلحة من أجل إبادة شعب يقاوم احتلال أراضيه المغتصبة.
ويحضرني في هذا الصدد أيضا تصريحات ترامب نفسه التي يحاول من خلالها إضفاء طابع القداسة على عدوانه الأخير على إيران في 28 فبراير 2026، ومن ذلك- على سبيل المثال- أنه دأب على توظيف الدين لتبرير حروبه حتى أنه شبه رسالته برسالة السيد المسيح عليه السلام! وفي أثناء احتفال بالبيت الأبيض بمناسبة عيد الفصح، حضره الإنجيليون القوميون الصهاينة في إدارته، خاطب بعض هؤلاء ترامب بكلمات مفادها بأنه رسول إلهي، وأنه جندي الرب في حربه على أعداء الله، باعتبارها حرب هَرمِجدون الموعودة للقضاء في نهاية العالم على الشيطان وعلى يأجوج ومأجوج في هذا العصر، وهذا أمر يستدعي الدهشة والسخرية معا؛ لأننا لا يمكننا تصور حدوثه في دولة أخرى في عصرنا الراهن، فما بالك أنه يحدث في الدولة الكبرى في العالم التي تتباهى بالتحضر والمدنية والمؤسسات الدستورية.
وعلى هذا كله، فإنني لا أرى فارقا حقيقيا بين توظيف المعسكر الصهيو-أمريكي للدين في الحرب والعدوان والقتل، وبين مسلك الجماعات المتأسلمة في القتل باسم الدين، وذلك من قبيل: طالبان والقاعدة وداعش وبوكو حرام؛ وكل ما في الأمر أن هذا التوظيف يكون أكثر احترافية وقدرة على التأثير في حالة المعسكر الصهيو-أمريكي الذي يشكل قوة عسكرية كبرى، لها نفوذها الإعلامي، وتأثيرها في الأوساط السياسية عبر العالم.
فالأمر المشترك في كل هذه التوجهات -على اختلافها الشديد- هو أنها جميعا تجعل من الديني أو المقدس أداة للدنيوي في أحط صوره؛ كالتسلط على الآخرين باعتبارهم أعداء، ونهب ثرواتهم، بل قتلهم والتهديد بإبادتهم، كما صرح بذلك ترامب نفسه بقوله إنه قادر على محو الحضارة الفارسية (في نوع من الهذيان العدواني المحموم بأن الحضارات يمكن محوها)!.
ولذلك أرى أن السياسة الصهيو-أمريكية الراهنة على يد ترامب هي إرهاص بأفول الحضارة الأمريكية غير الأصيلة وغير المتجذرة في عمق التاريخ. وأنا لا أقول ذلك من باب التفكير بالتمني، بل من باب استقراء وقائع التاريخ؛ لأن كل حضارة لا تبلغ ذروة تألقها سوى قرون قليلة، ولكنها تضعف بعد ذلك بالتدرج، فما بالك إن كانت تلك الحضارة هشة وغير أصيلة أو متجذرة. ولذلك فإن هذا الأفول سوف يحدث تدريجيا في العقود التالية لمصلحة حضارات أخرى متجذرة في الصين وروسيا وتركيا وربما إيران، على سبيل المثال، والأيام دول.