أفكار وآراء

عودة الحرب على إيران لا تحقق نصرًا لأحد

ترجمة: بدر بن خميس الظّفري

لقد كان أول رد فعل لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب عقب انهيار محادثات إسلام آباد، الإعلان عن خطوة تصب في مصلحة إيران أكثر مما تُلحق بها الضرر، وهو ما ينسجم مع طريقته في إدارة الحرب.إن إعلانه عن حصار مضيق هرمز وتعهده بملاحقة ناقلات النفط التي عبرت المضيق، من شأنه أن يمنع الكويت والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من تصدير نفطها بشكل فوري.

مرّت ثلاث ناقلات نفط من هذه الدول عبر المضيق خلال فترة وقف إطلاق النار. ومن المتوقع أن تصل ناقلة نفط عملاقة، تحمل نفطًا خامًا مُحمّلًا من السعودية والإمارات العربية المتحدة في أوائل مارس، إلى ميناء ملقا الماليزي في 21 أبريل، وفقًا لبيانات الشحن.

كما عبّرت ناقلة أخرى، تُدعى «أوشن ثاندر»، محملة بالنفط الخام العراقي ومستأجرة من قِبل وحدة تابعة لشركة بتروناس الماليزية الحكومية للطاقة، المضيق الأسبوع الماضي.

ومع ذلك، أصدر ترامب تعليماته للبحرية الأمريكية باعتراض كل سفينة في المياه الدولية دفعت رسومًا جمركية لإيران، قائلاً: «لن يُسمح لأي سفينة تدفع رسومًا غير قانونية بالمرور الآمن في أعالي البحار».

حاولت القيادة المركزية الأمريكية إضفاء بعض النظام على أحدث توجيهات قائدها الأعلى، قائلةً إن البحرية الأمريكية «لن تعيق حرية الملاحة للسفن العابرة لمضيق هرمز من وإلى الموانئ غير الإيرانية».

لكن هذه السفن هي التي تدفع حاليًا الرسوم الجمركية لإيران. وقد أثار هذا التصرف غير المنطقي استياءً واسعًا بين خبراء سوق النفط.

ومنذ أن شنت الولايات المتحدة الحرب، سمحت إيران بمرور نحو 100 سفينة عبر مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، انتقل ترامب من سياسة رفع العقوبات عن النفط الإيراني لتخفيف ضغوط الإمدادات العالمية، إلى السعي لقطع الإمدادات عنه تمامًا.

قالت جينيفر كافانا، مديرة التحليل العسكري في مركز أبحاث «أولويات الدفاع» بواشنطن، لصحيفة «فايننشال تايمز»: «إن إغلاق المضيق بالكامل سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل أكبر مما كانت عليه سابقًا، وسيزيد الضغط على الولايات المتحدة من قبل المجتمع الدولي».وقال ولي نصر، المسؤول الأمريكي السابق والأستاذ بجامعة جونز هوبكنز: «هذا الأمر يروق للإيرانيين، فهو يطيل قبضتهم الخانقة على الاقتصاد العالمي... ويمكن للإيرانيين إغلاق مضيق باب المندب، وعندها ستضطر الولايات المتحدة للتعامل مع ذلك».

وقال حسن أحمديان، الأكاديمي والمعلق السياسي الإيراني، إن الحصار يفترض أن إيران لا تستطيع كسره بالقوة، وأن الولايات المتحدة لن تحتاج إلا لفترة قصيرة لكسر شوكة إيران والسيطرة على أسعار الطاقة، وكلا الافتراضين محفوف بالمخاطر. وبعد 39 يومًا من الحرب، أشار أحمديان إلى أن حاملات الطائرات الأمريكية ظلت على مسافة آمنة، وأضاف: «يكفي لإيران أن تصمد - حتى بدون حرب - لكي تشهد أسواق الطاقة ارتفاعًا كبيرًا».

لم يكن من المستغرب أن يكون رد الفعل الفوري على إعلان ترامب الأخير هو زيادة سعر برميل النفط بنسبة 8%، حيث ارتفع سعر خام برنت، المؤشر الدولي، من 70 دولارًا إلى 119 دولارًا خلال الحرب. وتُعدّ جولة التصعيد الأخيرة في مضيق هرمز ومحيطه أكثر غرابة، إذ صرّح كلٌّ من ترامب ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن المحادثات تسير على ما يرام.

وقال ترامب إنهم يحرزون تقدمًا كافيًا لمنع أي عمل عسكري إضافي. وكتب على موقع «تروث سوشيال»: «من نواحٍ عديدة، تُعدّ النقاط التي اتفقنا عليها أفضل من استمرارنا في عملياتنا العسكرية حتى النهاية، لكن كل هذه النقاط لا تُقارن بترك القوة النووية في أيدي أشخاص متقلبين، صعبين، وغير متوقعين».

لو كان ترامب يُشير إلى إسرائيل، التي تمتلك 90 سلاحًا نوويًا وليست طرفًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لكان معظم العالم قد وافق على ذلك بشدة. لكنه لم يكن كذلك. كان يشير إلى دولة ليس لديها برنامج أسلحة، وفقًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا تزال عضوًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، على الرغم من أنه إذا استؤنفت هذه الحرب، فربما لن تستمر لفترة طويلة.

وقد أشار ترامب إلى عرض إيران بتخفيف نسبة تخصيب اليورانيوم لديها البالغة 60%، والاستمرار في التخصيب منخفض الدرجة فقط تحت إشراف دولي. من جهته، كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على موقع إكس: «عندما كنا على بُعد خطوات من ‹مذكرة تفاهم إسلام آباد›، واجهنا تشدداً، وتغييراً مستمراً للشروط، وحصاراً».

لا أملك دليلاً على ذلك، لكن ادعاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماع مجلس الوزراء هو أن نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، يرفع تقاريره إليه، كما تفعل الإدارة يومياً. يدعم هذا رأيي بأن ترامب كان على اتصال بنتنياهو طوال فترة المحادثات. لم تتقبل إسرائيل استبعادها من مفاوضات إسلام آباد التي أفضت إلى محادثات مباشرة، وكانت ستبذل قصارى جهدها للعودة إلى العملية بتخريبها. والنتيجة النهائية هي أن ترامب تراجع عن جميع النقاط العشر التي قدمتها إيران، والتي كان قد وافق عليها كأساس للتفاوض.

ومع إدراكه التام أن إيران لن تتخلى أبدًا عن تخصيب اليورانيوم، أو تسلم السيطرة على أهم أصولها، مضيق هرمز، أو تقطع التمويل عن حزب الله وحماس في لبنان، وأنصار الله (الحوثيين) في اليمن، اتخذ ترامب موقفًا يطالب باستسلام إيران على الجبهات الثلاث. لقد كان هناك بالفعل خلل جوهري في مفاوضات إسلام آباد. فقد أرسل الجانب الإيراني أكثر من 70 خبيرًا مع فريق المفاوضين، وكان مستعدًا للتفاوض، بينما انسحب الجانب الأمريكي، الذي كان قد نكث بتعهده بوقف الحرب في لبنان، بعد 21 ساعة فقط.

أكد روب مالي، رئيس فريق التفاوض الأمريكي مع إيران في عهد الرئيس السابق جو بايدن، هذه النقطة بقوة، حيث كتب: «كانت 21 ساعة مدة طويلة جدًا إذا كان الهدف هو إعادة التأكيد على مطلب رفضته إيران بالفعل. وكانت ساعات قليلة جدًا إذا كان الهدف هو التفاوض».

ها نحن الآن على أعتاب تصعيد خطير آخر في هذا الصراع. فقد حذر الحرس الثوري الإسلامي من أنه سيطلق النار على أي سفينة عسكرية تقترب من المضيق. ويبدو أن ترامب مستعد تمامًا لمساعدة الحرس الثوري على توسيع نطاق هذا الصراع، فقد هدد الصين بفرض تعريفة جمركية بنسبة 50% إذا وجدت الولايات المتحدة أدلة على أن بكين تقدم مساعدات عسكرية لإيران.

وصرح لقناة فوكس نيوز: «أنه لن يسمح لإيران بجني المال من بيع النفط لمن تحب». ويُفترض أن هذا التهديد الأخير بالتعريفة الجمركية هو تمهيد للقمة مع الرئيس شي جين بينغ الشهر المقبل. وتباهى ترامب قائلًا: «بإمكاني القضاء على إيران في يوم واحد... كان بإمكاني تدمير طاقتها بالكامل، كل شيء، كل محطاتها، محطات توليد الكهرباء، وهذا أمر جلل»، مُصرًا على اعتقاده بأن إيران قد هُزمت.

وبعيدًا عن فقاعة الخيال التي يعيش فيها ترامب، يتفق معظم المحللين على أن إيران باتت في موقف أقوى لمواجهة الولايات المتحدة مما كانت عليه في بداية هذه الحرب.

فقد أثبتت سيطرتها على مضيق هرمز. وتشير تقييمات الاستخبارات الأمريكية إلى أن إيران تمتلك نصف منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتحتفظ بآلاف الصواريخ التي يمكنها إطلاقها من منصات مدفونة تحت الأرض. وبعد 13 ألف غارة جوية أمريكية وإسرائيلية، أثبتت إيران قدرتها على التعافي.

وتحظى طهران بدعم متزايد من الصين وروسيا، وهذا الدعم، وفقًا للاستخبارات الأمريكية، يتجاوز مجرد الدعم اللفظي. وتستعد الصين لشحن أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران. وقد تسببت في أكبر صدمة في إمدادات الطاقة منذ عقود، حيث خفضت إنتاج النفط العالمي بما يصل إلى تسعة ملايين برميل يوميًا، وخُمس إمدادات الغاز في العالم. وهذا ما جعل الحوثيين على أهبة الاستعداد للانضمام إلى الحرب. ويخوض حزب الله معركة شرسة ضد التوغل الإسرائيلي.

إضافةً إلى ذلك، تمتلك إيران ورقةً أخرى رابحة، ألا وهي إغلاق مضيق باب المندب، وهو ممر مائي حيوي آخر في التجارة العالمية، ما سيؤدي إلى قطع حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وقد استهدفت إيران بالفعل محطة ضخ لخط أنابيب يمتد من الشرق إلى الغرب، وينقل النفط السعودي إلى البحر الأحمر. وأي محاولة من جانب الولايات المتحدة للقيام بعمل عسكري لعكس أي من هذه المكاسب ستكون معركةً شرسةً ودموية.

وكما كتب براندون كار وتريتا بارسي، فإن السيطرة الفعلية على مضيق هرمز تتطلب من القوات الأمريكية الاستيلاء على ثلاث جزر في الخليج العربي، وهي: أبو موسى، ولارك، وخارك، وأن الصعوبة الرئيسية لا تكمن في إنزال قوات المارينز على هذه الجزر أو الاستيلاء عليها، بل في الحفاظ عليها بعد وصول القوات الأمريكية إليها. وأضاف أنّه «بدون تحصينات مُجهزة ومُحصّنة لتوفير غطاء، حتى مع الدعم الجوي من الأصول البحرية القريبة، ستكون حماية القوات تحديًا هائلًا. من المرجح أن تتكبد قوات المارينز خسائر فادحة جراء الصواريخ الباليستية الإيرانية والطائرات المسيّرة التي تستهدف أيًا من الجزيرتين بلا هوادة، سواء من الجزر المجاورة، بما فيها جزيرة قشم، أو من الساحل الإيراني نفسه، مما يحدّ بشدة من قدرتها على بسط نفوذها في المضيق. وسيكون توفير الدعم اللوجستي أمرًا بالغ الصعوبة.

تستطيع وحدات المارينز الاستكشافية عادةً الاكتفاء الذاتي لمدة 15 يومًا، لكنها تحتاج إلى إعادة التموين بعد ذلك. وأي محاولة لإعادة التموين، بحسب التهديد المتبقي الذي تُشكّله إيران في المضيق آنذاك، ستتعرض لنيران كثيفة. بغض النظر عن ساحة المعركة هذه، يصعب تصديق أن إيران لن تَقصف جميع موانئ النفط الأخرى في الخليج إذا ما هوجم ميناءها الرئيسي في جزيرة خارك».

قد يكون ثمن تحرير الجزر في وحول مضيق هرمز دمارًا هائلًا على امتداد الخليج، مما سيؤدي إلى توقف صادرات النفط والغاز في المستقبل المنظور، وحتى لو تمكنت قوة أمريكية ساحقة من السيطرة على مضيق هرمز، فقد لا يتبقى أي نفط مُكرر لشحنه عبره.

فيما يتعلق بإيران، يجد ترامب نفسه الآن في موقف مشابه لما وجد نتنياهو نفسه فيه بعد حرب غزة. فقد أثار رفض غزة رفع الراية البيضاء غضب نتنياهو وأضعفه في الوقت نفسه. وبمجرد توقف الحرب، وجد نتنياهو نفسه غارقًا في انتقادات داخلية مفادها أن أهداف الحرب لم تتحقق. ويحدث الشيء نفسه داخل حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» (ماجا) بشأن الحرب على إيران، والرد الوحيد الذي يمكن لنتنياهو وترامب تقديمه على هذا الاحتجاج هو مواصلة الحرب.

والأسوأ من ذلك، أن أصواتًا أخرى تصل إلى مسامع ترامب، مثل صديقه مارك ليفين، الذي يُجري باستمرار مقارنة بين استسلام اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. قال ليفين: «لإجبار اليابانيين على الاستسلام، أسقطنا قنبلتين ذريتين». قال: «أعتقد أنه من المفيد جدًا العودة إلى شروط استسلام اليابانيين... لأن اليابانيين كانوا متحصنين، حتى بعد إلقاء قنبلتين ذريتين، واحتاج الأمر إلى ضغط هائل - حتى بعد ذلك - لإجبارهم على الاستسلام».

إن حالة من الجنون تلوح في الأفق، وتتحول إلى مشكلة عالمية. أوروبا خارج اللعبة، والصين تراقب من بعيد. في غضون ذلك، تتزايد الدعوات لعزل ترامب لأنه ببساطة غير مؤهل عقليًا لتولي المنصب. لم تعد تصرفات ترامب مثيرة للسخرية، بل أصبحت سببًا رئيسيًا لعدم الاستقرار العالمي.