أعمدة

وهم الصلابة والدولة الهشة

الهشاشة هي النقيض المباشر للصلابة؛ فبقدر ما تعني الصلابة القوة والتماسك، فإن الهشاشة تعني الضعف وقابلية الانكشاف. وفي عالم السياسة، استُخدم هذا المصطلح لوصف الفارق بين الدول القوية وتلك التي تعاني من اختلالات عميقة في هياكلها؛ فالدولة الصلبة هي القادرة على الاستمرار والتماسك، بينما توصف الدولة الهشة بأنها تلك المعرضة للاضطراب أو القريبة من الانهيار نتيجة عوامل متعددة، سياسية واقتصادية واجتماعية.

غير أن الصلابة والهشاشة، في الواقع السياسي، لا تظهران دائما بصورتهما الواضحة للعيان، فقد تبدو بعض الدول، من الخارج بأنها مستقرة ومتماسكة ولا تعاني من أزمات ظاهرة، لكنها تفشل عند أول اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود فهي منهارة من الداخل. وعلى النقيض من ذلك، قد تبدو دول أخرى فقيرة أو مثقلة بالمشكلات، لكنها تظهر قدرة لافتة على التكيف ومواجهة الأزمات، بما يجعلها أكثر صلابة من غيرها.

ولهذا، فإن تحديد معنى الهشاشة أو وضع معايير دقيقة لقياسها ليس أمرا يسيرا على الأقل في الجانب السياسي والعسكري وإن كان يسهل توصيفها في الجوانب الأخرى الاقتصادية والاجتماعية. فالهشاشة ليست حالة واحدة يمكن اختزالها في مؤشر أو وصف، بل هي نتيجة تداخل مجموعة من العوامل؛ قد تتمثل في ضعف المؤسسات، أو غياب الثقة بين الدولة والمجتمع، أو اعتماد الاقتصاد على مورد واحد، أو وجود انقسامات داخلية كامنة. وغالبا ما تبقى هذه العوامل غير مرئية في بدايتها، لكنها تتراكم ببطء، حتى تصل إلى لحظة تنكشف فيها بشكل مفاجئ.

سمعت بمصطلح «الهشاشة» مؤخرا، بعد الأحداث التي عصفت بفنزويلا، والتي انتهت باقتياد رئيسها نيكولاس مادورا إلى الولايات المتحدة في مشهد صادم لكثيرين، وتعززت قناعاتي الكاملة بالفهم العميق لهذا المصطلح عقب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ولم تستطع حتى اللحظة من كسر شوكتها. ما بين المثالين يظهر جليا معنى الهشاشة والصلابة ففي الأولى وهي الحالة الفنزويلية بدأت الدولة هشة من الداخل سهل على الولايات المتحدة كسرها في ليلة واحدة مع الأخذ في الاعتبار عوامل عدة سبقت هذه الهشاشة، في حين أن الحالة الإيرانية اثبتت رغم الحالة الظاهرة من الخارج انها دولة هشة إلا أن الداخل الإيراني كان صلبا بكل بناه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، مما ساهم في صمود الدولة وشعبها في وجه العدوان المنفذ عليها.

أثارت هاتان الحالتان عدة تساؤلات لدي أولها كيف يمكن لدولة تبدو قائمة بمؤسساتها وجيشها ونظامها السياسي أن تصل إلى هذا الحد من الهشاشة؟ وكيف لدولة أخرى أن تكون قوية رغم ما كان يبدو عليه الغلاف الخارجي من أنها دولة هشة ويسهل التلاعب بها؟ وهل ما نراه من تماسك في بعض الدول وهشاشة في الأخرى هو حقيقة أم مجرد صورة خارجية؟

هذا التساؤل قادني إلى البحث في مفهوم «الدول الهشة»، لأكتشف أن الأمر لا يتعلق بانطباعات أو توصيفات عامة، بل أن هناك مؤشر عالمي لقياس هشاشة الدول وكثيرا ما كان يسمى هذا التوصيف بانه يقيس فشل الدول أو الدول الفاشلة أو المهددة بالفشل والانهيار، وهذا المؤشر يقوم بإصداره صندوق السلام بالتعاون مع مجلة فورين بوليسي الامريكية، ويصدر تقريرا سنويا تحت مسمى الدول الفاشلة.

يقوم هذا المؤشر على اثني عشر معيارا تغطي جوانب متعددة من حياة الدولة، من الضغوط الاجتماعية والهجرة، إلى الأداء الاقتصادي، وصولا إلى فعالية المؤسسات ومستوى الاستقرار السياسي والأمني. وما لفتني في هذا المؤشر أنه لا يقيس ما يظهر فقط، بل يحاول قراءة ما يحدث في العمق؛ حيث تتشكل الهشاشة بعيدا عن الأضواء، قبل أن تظهر فجأة إلى السطح.

وحال هذا المؤشر كحال كثير من المؤشرات الدولية، لا يخلو من ملاحظات تتعلق بطريقة التصنيف وزاوية النظر التي ينطلق منها. ففي الغالب، تتصدر الدول الغنية والمستقرة اقتصاديا قائمة الدول الأكثر تماسكا، بينما تظهر الدول الفقيرة أو التي تعاني من أزمات في مراتب متقدمة ضمن قائمة الهشاشة والفشل. وقد يبدو هذا التصنيف منطقيا في ظاهره، إذا ما قورن بمؤشرات أخرى تقيس التنمية أو جودة الحياة، إلا أنه يطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذه المؤشرات على التقاط الصورة الكاملة، خصوصا في ظل اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية بين الدول.

ليست كل دولة غنية بالضرورة دولة صلبة، كما أن الفقر وحده لا يعني بالضرورة الهشاشة المطلقة. هناك دول تمتلك موارد كبيرة، واقتصادات قوية، وأعدادا سكانية ضخمة، لكنها تعاني في داخلها من اختلالات عميقة، مثل: ضعف التماسك الاجتماعي، أو غياب التوازن بين مكوناتها، أو وجود توترات كامنة يمكن أن تتحول إلى أزمات في أي لحظة.

قد لا يعني فهمنا للهشاشة والصلابة أننا نستطيع تقسيم العالم إلى دولٍ صلبة وأخرى هشة بشكلٍ حاد ومباشر. فبين هاتين الحالتين مساحة واسعة من المراحل المتداخلة، تمر بها الدول عبر مسيرتها. فالدول لا تصل إلى مرحلة الهشاشة فجأة، بل غالبا ما تكون قد مرت في وقتٍ سابق بمراحل من القوة أو اقتربت منها.

ويؤكد التاريخ ذلك بوضوح؛ إذ إن كثيرا من الإمبراطوريات والدول التي انتهت أو تراجعت بفعل هشاشتها، كانت في يوم من الأيام نماذج للقوة والصلابة، إلى درجة أن دولا أخرى كانت تنظر إليها بإعجاب أو حتى بحسد. غير أن هذه القوة، حين تتحول إلى قناعة مطلقة، تبدأ في إنتاج ما يمكن تسميته بـ«وهم الصلابة»؛ حيث تظن الدولة أنها بلغت مرحلة لا يمكن كسرها أو التغلب عليها.

عند هذه اللحظة تحديدا، يبدأ مسار مختلف في التشكل؛ مسار قد لا يكون ظاهرا في بداياته، لكنه يحمل في داخله بذور التراجع. فتبدأ عملية الانهيار التدريجي، التي قد تمتد لسنوات، دون أن تبدو مؤشراتها واضحة، بسبب الصورة الظاهرية للقوة التي لا تزال قائمة. وهنا تكمن المفارقة من أن أخطر مراحل الهشاشة ليست حين تظهر، بل حين تكون مغطاة بوهم الصلابة.