عُمان الاقتصادي

الموانئ العُمانية والنموذج التجاري المؤجل

 

عاصم الشيدي -

تمتلك الحروب قدرة فائقة على كشف ما تتركه أزمنة السلم مسكوتا عنه في الظل، تضع الدول والشركات أمام أسئلة كبرى حول لحظات الطمأنينة التي شكلها الهدوء والعادة. وحول ما إذا كانت مسارات تجارتنا تمر في الطريق الصحيح أم في مسارات كانت مألوفة فاستقرت مع الوقت؟ نحتاج أن نقف أمام هذه الأسئلة وغيرها حتى نستخلص الدروس مما جرى، ويجري من حروب في الخليج. وبالنسبة للاقتصاد العماني فإن هذه الأسئلة وغيرها تصنع الدلالة الحقيقية للصراع في الخليج. فالحرب لم تصنع فجأة أهمية الموانئ العُمانية، لكنها، على الأرجح، كشفت الثمن الذي يدفعه البلد الذي لا يستغل أصوله الجغرافية في بناء مسارات تجارته الوطنية.

وهذا الثمن أكبر مما يبدو للوهلة الأولى؛ فسلطنة عُمان تطل على بحار مفتوحة، وتمتلك موانئ ذات طاقة حقيقية، وموقع فعلي، وقيمة استراتيجية واضحة. ومع ذلك، لا يزال جزءا كبيرا من تجارتها يمر عبر موانئ وسيطة في المنطقة قبل أن يصل إلى السوق العُمانية. قبل عقود، بدا الأمر مفهوما؛ فلم تكن الموانئ العمانية تملك الإمكانيات التي توفرت لها اليوم. ولم تكن البنية اللوجستية بالمتانة التي هي عليه اليوم. تطور الأمر كثيرا، وأصبحت عُمان تملك موانئ ضخمة، وبنية لوجستية تضاهي مثيلاتها في المنطقة وربما تفوق بعضها بمراحل.

هناك ما تغير أيضا غير البنية الأساسية، لقد تغيرت فلسفة الاقتصاد نفسها. تسعى عُمان خلال العقد الأخير لتحويل اقتصادها من اقتصاد قائم على النفط إلى اقتصاد قائم على تشغيل جميع أصولها بما في ذلك الجغرافيا نفسها والاستقرار السياسي والقوة الناعمة التي شكلتها عبر العقود الطويلة الماضية. لكن مع هذا السعي، والمليارات التي أنفقت في توفير البنية الأساسية لا يمكن فهم استمرار الاعتماد على الموانئ الوسيطة التي تجعل السلع القادمة إلى عُمان تتجاوز موانئها إلى موانئ في حوض الخليج قبل أن تعود لاحقا لعُمان برا أو بحرا. هذا الدوران يطرح أسئلة تتجاوز كفاءة التسهيلات والخدمات اللوجستية إلى طبيعة النموذج التجاري نفسه.

لا تتعلق المسألة بالاعتزاز الوطني ولا بالرمزية البحرية. إنها تتعلق بالاقتصاد السياسي، لماذا يترك بلد يملك موانئ عاملة، وموقعا بحريا خارج أضيق نقاط الاختناق، وطموحا معلنا للتحول إلى مركز لوجستي، جزءا كبيرا من منطقه الاستيرادي معتمدا على عُقَد وسيطة خارج حدوده؟

الجواب التقليدي معروف: الموانئ الوسيطة أكثر كفاءة، وأسبق في الشبكات، وأقدر على خدمة الأسواق الصغيرة التي لا تجذب دائما عددا كافيا من الخطوط المباشرة. وفي هذا الجواب قدر من الصحة؛ فالتجارة مالت تاريخيا إلى التمركز، وخطوط الملاحة تفضل الحجم، والقدرة على التنبؤ، وعمق الشبكة. ولم يظهر نموذج المحور والأذرع مصادفة، بل لأنه حلّ مشكلات تجارية حقيقية.

غير أن هذا الجواب فقد كثيرا من صلاحيته اليوم. فالكفاءة ليست معطى ثابتا؛ إنها تتغير بتغير الكلفة، والزمن، واليقين، والبيئة الجيو-اقتصادية نفسها. والمنطقة لم تعد مستقرة كما كانت، بل دخلت طورا أعمق من الصراعات، وخرجت من كثير من اليقينيات التي حكمت العقود الماضية.

وأظهرت تجربة بنجلاديش في جنوب آسيا أن الشحن المباشر بسفن أكبر بين شيتاغونغ وموانئ هندية يمكن أن يكون أسرع بكثير وأرخص بكثير من المرور عبر كولومبو. وأهمية هذا المثال تكمن في منطقه لا في جغرافيته؛ فالمسارات غير المباشرة هي ترتيبات تجارية قد تفقد منطقها حين تتوفر الشروط المؤسسية والتشغيلية الملائمة للمباشر، فلا معنى للتعامل معها على أنها قوانين قارة غير قابلة للتغيير. والفيصل في كل ذلك هو الكلفة الكاملة للمسار.

هذا الأمر مهم جدا في عُمان سواء في أوقات الاستقرار والهدوء أو في أوقات الحرب والاضطرابات السياسية. فتكلفة تمرير البضائع عبر ميناء وسيط لا تتعلق بفاتورة الشحن وحدها؛ بل هناك فاتورة المناولة والانتظار والتعاملات الإدارية وحسابات التأمين والأمن. وأكثر من ذلك تراجع مستويات اليقين مع تنامي الأوقات غير المستقرة في المنطقة -مع الأسف الشديد-. وهناك الثمن الخفي الذي يدفعه المستورد عندما يعمل في ظل رؤية أقل وضوحا للتوقيت والمخزون. في الظروف العادية لا تظهر كل هذه الاحتكاكات مرة واحدة، ولكن في حالة تحت الضغط، فإنها تنتقل من الهامش إلى المركز بالنسبة لحسابات التاجر.

والحرب تجعل هذه الحقيقة أكثر حدّة؛ فهي ترفع علاوات المخاطر، وتربك تخطيط المسارات، وتغيّر الطريقة التي تقيّم بها شركات الشحن والتأمين والتجارة معنى اليقين. وفي مثل هذه الظروف، يبدأ نموذج الاستيراد القائم على حلقات عبور إضافية في فقدان كفاءته، ويكشف عن مستوى هشاشته. ويصعب، في ظل هذه المعطيات، تبرير استمرار التعويل على الموانئ الوسيطة بينما تتوفر في عُمان الشروط الأساسية لنموذج أكثر مباشرة.

والحجة المؤيدة لتعديل هذا النموذج أوسع من ظرف الحرب القائم، لأنها تتصل ببنية الاقتصاد نفسه. فالتجارة عندما تدخل إلى الموانئ الوطنية تنتج قيمة لوجستية داخل البلد إضافة إلى ما تنتجه من حركة البضائع؛ فالمناولة والتخزين والوساطة والنقل البري، والخدمات المساندة، والمعرفة التشغيلية، كلها تتكثف حول نقطة الدخول. وحين تُمرَّر البضائع عبر موانئ أخرى قبل وصولها إلى عُمان، فإن جزءا من هذه القيمة يُنتَج هناك أيضا، وكذلك جزء من الخبرة، وجزء من التحكم.

من هنا تتجاوز أهمية الموانئ معناها النقلي المباشر؛ فهي أدوات اقتصادية، تحدد أين تتراكم القيمة، وأين تُجمع المعلومات. والدولة التي تجعل من موانئها بوابات رئيسية لتجارتها تمتلك معرفة عميقة بسلاسل الإمداد، وتطور بيئة لوجستية أكثر كثافة، وتمتلك قدرة أكبر على امتصاص الصدمات. وكل هذه مكاسب استراتيجية، حتى عندما لا تظهر فورا في المقاييس الضيقة لكلفة الشحن.

لقد أدركت عُمان منذ وقت طويل أهمية اللوجستيات على المستوى النظري، وخطاب التنويع الاقتصادي يكرر هذا مرارا. لكن ثمة فارقا متكررا بين استراتيجية البنية الأساسية وسلوك التجارة الفعلي. فقد تنشئ الدولة موانئ، وتسوّق اتصالها البحري، وتتحدث بلغة اللوجستيات، بينما يبقى جزء كبير من ممارستها التجارية معتمدا على عادات إقليمية موروثة. وفي لحظة ما، لا بد من مواجهة هذا الأمر. الجغرافيا وحدها لا تحوّل الموانئ إلى بوابات وطنية. هذا التحول تصنعه السياسة، والتنظيم، والحوافز التجارية، وكفاءة التشغيل.

تسير عُمان في هذا الاتجاه منذ سنوات، وقد أنجزت فيه شوطا معتبرا، لكن الإيقاع لا يزال أبطأ من أن يبدل النموذج التجاري القائم. وتظهر هذه الفجوة بوضوح في الأزمات؛ حين يتبين أن تأخر بعض البضائع لا يعود إلى الحرب وحدها، بل إلى ارتباط مساراتها بعقد خارجية كان يمكن تقليص الاعتماد عليها.

من السهل القول إن الموانئ العُمانية يجب أن تحمل نصيبا أكبر من التجارة العُمانية. لكن الأصعب هو إيجاد الشروط التي تدفع المستوردين فعليا إلى التصرف وفق هذا المنطق. لا يكفي أن يكون هذا التوجه صحيحا استراتيجيا؛ فترجمته إلى واقع تتوقف على أن يصبح المسار المحلي أسرع، وأقل تعقيدا، وأدنى كلفة بمعناه الكامل، وأكثر قابلية للتنبؤ.

لكن الأمر لا يتعلق بالبيروقراطية وحدها. فالمسألة أوسع من ذلك بكثير؛ لأنها تمس النموذج التجاري نفسه. هناك نموذج يبقي الموانئ الوسيطة في القلب، ويتعامل مع الموانئ الوطنية بوصفها أصولا قيمة لكنها أقل استخداما مما ينبغي داخل شبكة أوسع. وهناك نموذج آخر يجعل الموانئ العُمانية البوابات الافتراضية لحصة أكبر من السوق الوطنية، ويستخدم السياسة الاقتصادية لتقليص الفجوة بين الإمكان الجغرافي والواقع التشغيلي.

ويبدو النموذج الثاني أكثر إقناعا اليوم. فهو أصلح لعصر تحيط به الصراعات والحروب، والتنافس الاستراتيجي، واضطراب المسلمات القديمة بشأن سلاسل الإمداد. وهو لا يقتضي الانسحاب من الشبكات التجارية الإقليمية، ولا يتطلب نزعة حمائية، ولا يقوم على وهم اختفاء الموانئ الوسيطة. إنه يطلب إعادة ترتيب للأولويات. يمكن للوسيط أن يبقى جزءا من المنظومة؛ حيث يضيف قيمة فعلية، لكنه لا ينبغي أن يظل القاعدة المريحة، بينما تبقى البوابة الوطنية في المرتبة الثانية داخل اقتصادها نفسه.

والموانئ جزء من القاعدة المادية للسيادة، تؤثر في كيفية امتصاص البلد للصدمات، وكيف يؤمن تدفقاته الأساسية. وهذا أمر جوهري خاصة في منطقة مثل منطقة الشرق الأوسط المحكومة بالصراعات عبر التاريخ.

منحت الجغرافيا عُمان ميزة خاصة، ولا أحد يجادل في وجود هذه الميزة ومكانتها. لكن السؤال الذي كان يطرح على الدوام هو: إلى أي مدى نستطيع الاستفادة من ميزة الجغرافيا؟ وهل لدينا استعداد لتنظيم كافٍ من حياتنا الاقتصادية حولها؟ وقد كشفت اختبارات سابقة بعض أبعاد هذا السؤال، ثم جاءت الحرب الأخيرة لتجعله أكثر إلحاحا. فقد ظهر بوضوح أن ترك الموانئ الوطنية دون استثمار كامل لصالح موانئ وسيطة يفرض كلفة اقتصادية في اللحظات التي ينبغي أن تكون فيها الموانئ العُمانية هي المركز لا الهامش.

الخلاصة أن عُمان تحتاج إلى تصحيح في سياسة التجارة وحوكمة اللوجستيات، يزيل ما يدفع التجار إلى تفضيل الموانئ الوسيطة على الموانئ الوطنية. والغاية جعل الموانئ العُمانية البوابات الرئيسية لحصة أكبر من الواردات، كلما أمكن جعل هذا الخيار أكثر تنافسية من الناحية الاقتصادية.

لا يفاضل هذا الطرح بين الانفتاح والانغلاق، بل بين شكلين من الانفتاح: أحدهما يترك البلد أكثر اعتمادا على عقد خارجية مما تقتضيه الحاجة، والآخر يبقي عُمان متصلة بالعالم مع احتفاظها بقدر أكبر من القيمة، والرؤية، والمرونة داخل حدودها. وبعد هذه الحرب، يبدو المسار الثاني أقل شبها بالطموح منه بتصحيح متأخر كان ينبغي أن يبدأ منذ وقت طويل.

عاصم الشيدي كاتب وصحفي عماني