القطاع اللوجستي في سلطنة عُمان ركيزة ومحرك رئيسي للتنويع الاقتصادي ونمو سوق العمل
الثلاثاء / 25 / شوال / 1447 هـ - 14:54 - الثلاثاء 14 أبريل 2026 14:54
يمثل القطاع اللوجستي إحدى الركائز الأساسية التي تعول عليها سلطنة عُمان لتعزيز التنويع الاقتصادي وترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية، في ظل ما تتمتع به من موقع جغرافي استراتيجي يربط بين قارات العالم، وما شهدته من استثمارات متسارعة في تطوير الموانئ والمطارات وشبكات النقل الحديثة، الأمر الذي أسهم في تعزيز قدرتها على استقطاب حركة التجارة الدولية، وفتح آفاق واسعة أمام القطاع الخاص للمساهمة في تنمية هذا القطاع الحيوي، إلى جانب دوره في توليد فرص عمل متنوعة واستيعاب الكفاءات الوطنية في مجالات تخصصية متنامية، وتعزيز حضور الكوادر الوطنية في سوق العمل من خلال توفير وظائف مباشرة وغير مباشرة في مختلف الأنشطة اللوجستية.
وفي هذا السياق، يتحدث سعادة محمد بن حسن العنسي عضو مجلس الشورى ممثل ولاية صلالة ورئيس لجنة سوق العمل بغرفة تجارة وصناعة عُمان حول أهمية القطاع اللوجستي ودوره في دعم النمو الاقتصادي، مؤكدا أن هذا القطاع يمثل أحد الممكنات الرئيسية لتحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان، كما يشكل فرصا واعدة لجذب الاستثمارات وتعزيز دور القطاع الخاص، إلى جانب إسهامه في تنشيط سوق العمل وخلق فرص وظيفية مستدامة، بما يسهم في ترسيخ مكانة سلطنة عُمان كمركز لوجستي إقليمي يخدم حركة التجارة بين الأسواق العالمية.
تعزيز النمو الاقتصادي
قال سعادة محمد العنسي: بات القطاع اللوجستي اليوم أحد القطاعات الحيوية التي تعتمد عليها الاقتصادات الحديثة في تعزيز النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، وفي سلطنة عُمان تزداد أهمية هذا القطاع نظرا للموقع الجغرافي المميز الذي تتمتع به السلطنة على خطوط الملاحة الدولية التي تربط بين القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، مع إشراف سلطنة عُمان على بحار مفتوحة تضم خطوط الشحن الدولية ليتكامل ذلك مع شبكة طرق برية حديثة ومطارات تجعل منها معبرا مهما وبوابة عبور بضائع للمنطقة.
وأضاف سعادته أنه خلال السنوات الماضية شهدت سلطنة عُمان استثمارات كبيرة في تطوير البنية الأساسية المرتبطة بالقطاع اللوجستي، سواء من خلال تطوير الموانئ البحرية أو إنشاء مناطق اقتصادية خاصة وحرة مرتبطة بها، إضافة إلى تطوير شبكات الطرق والنقل، وأسهمت هذه الاستثمارات في تعزيز قدرة سلطنة عُمان على استقطاب حركة التجارة الدولية، وأوجدت بيئة مناسبة لنمو الأنشطة اللوجستية المرتبطة بالتخزين وإعادة التصدير وإدارة سلاسل الإمداد.
وبيّن سعادته أنه من هذا المنطلق يمكن القول إن القطاع اللوجستي يمثل أحد الممكنات الرئيسية لتحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي عبر كل الخطط الخمسية للتنمية الاقتصادية، كما أنه يشكل فرصة مهمة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز دور القطاع الخاص في مختلف الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالتجارة الدولية.
القطاع الخاص محركا للقطاع اللوجستي
وأكد سعادة محمد بن حسن العنسي أن المرحلة المقبلة تتطلب دورا أكبر وأكثر فاعلية من القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيس لنمو القطاع اللوجستي في سلطنة عُمان. مشيرا إلى أن المقومات التي تمتلكها سلطنة عُمان تؤهلها لتكون مركزا لوجستيا إقليميا يخدم حركة التجارة بين الشرق والغرب.
وقال: إن الوقت قد حان لانتقال القطاع الخاص من دور الشريك الداعم إلى دور القائد في تطوير الأنشطة اللوجستية، عبر الاستثمار في خدمات النقل والتخزين، وسلاسل الإمداد، والتقنيات الحديثة المرتبطة بإدارة العمليات اللوجستية، بما يسهم في تعظيم القيمة المضافة لهذا القطاع الحيوي.
وأضاف سعادته أن تعزيز حضور القطاع الخاص في القطاع اللوجستي يتماشى مع مستهدفات 'رؤية عُمان 2040'، التي تضع اللوجستيات ضمن القطاعات الاقتصادية الواعدة القادرة على دعم التنويع الاقتصادي وخلق فرص عمل مستدامة. مؤكدا أن تطوير الكفاءات الوطنية وتوفير بيئة أعمال محفزة للاستثمار يمثلان عنصرين أساسيين لتمكين الشركات العُمانية من قيادة هذا التحول.
التكامل بين القطاعين العام والخاص
وأكد سعادة محمد العنسي أن تعزيز التكامل بين القطاعين العام والخاص يعد ركيزة أساسية لتطوير قطاع الخدمات اللوجستية، وجذب الاستثمارات، ورفع تنافسية سلطنة عُمان بوصفها مركزا لوجستيا إقليميا قادرا على تلبية احتياجات الأسواق الإقليمية والدولية. قائلا: تمتلك سلطنة عُمان مجموعة من المقومات التي تمنحها ميزة تنافسية واضحة في هذا المجال، في مقدمة هذه المقومات الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يطل مباشرة على خطوط التجارة العالمية خارج مضيق هرمز، وهو ما يمنح الموانئ العُمانية ميزة إضافية من حيث سهولة الوصول والأمان الملاحي.
وأضاف: كما تمتلك السلطنة منظومة متطورة من الموانئ البحرية العميقة مثل ميناء صلالة وميناء صحار وميناء الدقم، وهي موانئ قادرة على استقبال السفن العملاقة التي تعبر خطوط التجارة العالمية، وتقدم خدمات متقدمة في مجالات الشحن والتفريغ والتخزين وإعادة التصدير. وأيضاً فإن ارتباط هذه الموانئ بالمناطق الاقتصادية والحرة يعزز من قدرتها على تقديم خدمات لوجستية متكاملة تشمل الصناعات المرتبطة بالتجارة والخدمات البحرية والتخزين وإدارة سلاسل الإمداد، وهو ما يجعل سلطنة عُمان قادرة على أداء دور محوري في حركة التجارة الإقليمية والدولية.
وأوضح سعادته أن المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم تعد مركزا لوجستيا إقليميا متناميا، يخدم حركة الواردات وإعادة التصدير، ويؤدي دورا محوريا كمركز لتجميع البضائع وتوزيعها نحو الأسواق الإقليمية والدولية، كما يعد موقع ميناء صلالة محوريا في خدمة حركة الترانزيت العالمية، نظرا لقربه من خطوط الملاحة الدولية وقدرته على استقبال السفن العملاقة، وإعادة توزيع البضائع إلى موانئ إقليمية، كما أن معبر الربع الخالي يشكل رافدا مهما لتعزيز الربط البري بين سلطنة عُمان ودول مجلس التعاون الخليجي، بما يسهم في تنشيط حركة الترانزيت للبضائع. وأكد سعادته، قائلا: في هذا الإطار، تعد سلطة الموانئ اليوم مطلبا مهما لتعزيز كفاءة إدارة الموانئ وتوحيد الجهات المشرفة عليها، بما يسهم في تسريع الإجراءات، ورفع كفاءة التشغيل، وتوسيع حجم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموانئ، وتعظيم مساهمة القطاع اللوجستي في الاقتصاد الوطني.
واقترح سعادة محمد العنسي أن يتم وضع الموانئ والمناطق الاقتصادية والحرة تحت مظلة واحدة، وتوحيد الجهات المشرفة عليها ضمن إطار مؤسسي متكامل يسهم في تعزيز كفاءة التنسيق، وتسريع الإجراءات، ورفع مستوى التكامل بين مختلف مكونات القطاع اللوجستي. كما أشار إلى أهمية تبسيط الإجراءات التنظيمية، وتطوير التشريعات الداعمة، وتبني الحلول الرقمية الحديثة، بما يسهم في تحسين بيئة الأعمال، وزيادة جاذبية الاستثمار، وتمكين سلطنة عُمان من تعظيم الاستفادة من موقعها الاستراتيجي وترسيخ مكانتها كمركز لوجستي إقليمي منافس.
ربط الموانئ مع المطارات
وبين سعادة محمد العنسي أن ربط الموانئ مع المطارات عبر خدمات 'Sea–Air' يعد من أهم النماذج الحديثة في قطاع اللوجستيات، ويمكن أن يشكل محورا استراتيجيا قويا لسلطنة عُمان، خصوصا مع وجود موانئ مثل ميناء صلالة والدقم وصحار ومطارات قريبة منها، حيث تتجه العديد من دول العالم اليوم نحو البحث عن خدمات سريعة تسهم في تقليل الوقت والتكلفة، وتبرز موانئ سلطنة عُمان بموقعها الاستراتيجي الذي يربط بين الشرق والغرب، مما يعزز من قدرتها على تقديم حلول لوجستية متكاملة وتنافسية على المستوى الإقليمي والدولي.
الموانئ والمنافذ البرية
وأشار سعادته إلى أن الوقت حال للانتقال من نموذج تقديم الخدمات اللوجستية المعتمد على النقل والشحن إلى نموذج أكثر تقدما يقوم على بناء مركز إقليمي متكامل لإعادة التصدير، مدعوم بمنظومات تخزين حديثة وخدمات متطورة لسلاسل الإمداد، وبما يعزز الترابط الفعّال بين الموانئ والمنافذ البرية. وقال: إن إعادة صياغة هذه الاستراتيجية لم تعد خيارا، بل أصبحت ضرورة حتمية لرفع القدرة التنافسية لسلطنة عُمان، وتعظيم الاستفادة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وفتح آفاق أوسع تدعم مسيرة النمو الاقتصادي وتعمل على جلب الاستثمارات الأجنبية.
موانئ خدمية صغيرة
وأضاف سعادة محمد العنسي أن السوق الإفريقي يعد من الأسواق الواعدة ذات الأهمية الاستراتيجية لسلطنة عُمان، نظرا لقربه الجغرافي وتنامي الطلب فيه على العديد من المنتجات، ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء موانئ خدمية صغيرة مخصصة لاستقبال السفن الخشبية سيسهم بشكل فاعل في تعزيز الربط التجاري مع دول القرن الإفريقي، وفتح قنوات تصدير مرنة ومنخفضة التكلفة، كما سيعمل ذلك على دعم انتشار المنتج العُماني في هذه الأسواق، وزيادة حجم الصادرات، وتحفيز النشاط التجاري، بما يعزز من دور سلطنة عُمان كمركز لوجستي إقليمي يخدم حركة التجارة مع القارة الإفريقية.
قطاع النقل الثقيل
وبين أن قطاع النقل الثقيل 'التريلات' بحاجة ملحة إلى تنظيم شامل وإعادة هيكلة واضحة تواكب حجم النمو في القطاع اللوجستي، حيث تشكل ظاهرة التجارة المستترة أحد أبرز التحديات التي تؤثر على تنافسيته واستدامته، وإن استمرار هذه الممارسات ينعكس سلبا على جودة الخدمات، ويضعف فرص تمكين المؤسسات الوطنية، ويحد من خلق فرص عمل حقيقية للمواطنين، ومن هنا تبرز أهمية وضع أطر تنظيمية واضحة، وتعزيز الرقابة، وتمكين المستثمر العُماني، بما يسهم في بناء قطاع نقل أكثر كفاءة وتنظيما يدعم الاقتصاد الوطني ويواكب مستهدفات 'رؤية عُمان 2040'.
تسهيل الإجراءات الجمركية
وأشاد سعادته بالدور الحيوي الذي تقوم به الإدارة العامة للجمارك في سلطنة عُمان في تسهيل الإجراءات الجمركية وتعزيز كفاءة العمل في المنافذ البرية والبحرية والجوية، بما يسهم في دعم تنافسية القطاع اللوجستي وتسريع حركة انسياب البضائع. وأكد أن ما تشهده الجمارك من تطور في تبني التقنيات الحديثة والأنظمة الإلكترونية المتقدمة، إلى جانب الربط الإلكتروني مع مختلف الجهات ذات العلاقة، أسهم بشكل كبير في تبسيط الإجراءات وتقليل زمن التخليص الجمركي، الأمر الذي يعزز من بيئة الأعمال ويزيد من جاذبية سلطنة عُمان للاستثمارات. وأضاف سعادته أن هذا التطور المتسارع في المنظومة الجمركية يمثل أحد العوامل الداعمة لتحقيق مستهدفات التحول إلى مركز لوجستي إقليمي متكامل قادر على تقديم خدمات تنافسية وفق أفضل الممارسات العالمية.
احتياجات سوق العمل
وبين سعادة محمد العنسي أن تعزيز مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل يمثل أحد التحديات المهمة التي ينبغي العمل عليها خلال المرحلة المقبلة، ومن المهم في هذا الإطار تعزيز الشراكة بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص من أجل تطوير برامج أكاديمية وتدريبية متخصصة في مجالات إدارة الموانئ وسلاسل الإمداد والنقل الدولي، كما أن التدريب العملي والتأهيل المهني يمثلان عنصرين أساسيين في إعداد كوادر وطنية قادرة على العمل في هذا القطاع بكفاءة عالية، ولذلك فإن توفير برامج تدريبية بالتعاون مع الشركات العاملة في القطاع اللوجستي يمكن أن يسهم بشكل كبير في إعداد الشباب العُماني للانخراط في هذه المهن.
توليد فرص العمل
وأكد سعادته أن القطاع اللوجستي يعد أيضا من القطاعات الاقتصادية التي تمتلك قدرة كبيرة على توليد فرص العمل، ليس فقط من خلال الوظائف المباشرة المرتبطة بالموانئ والنقل والشحن، بل أيضا من خلال الوظائف غير المباشرة المرتبطة بالخدمات المساندة. وقال: عندما تتوسع الأنشطة اللوجستية تنشط معها قطاعات اقتصادية أخرى مثل الصناعات التحويلية والتجارة والخدمات البحرية والتأمين والخدمات المالية، وكل هذه القطاعات تسهم في خلق فرص وظيفية إضافية، كما أن نمو هذا القطاع يسهم في تنشيط الاقتصاد في مختلف المحافظات، خصوصا في المناطق التي تحتضن الموانئ والمناطق الاقتصادية، وهو ما يفتح المجال أمام توفير فرص عمل للشباب في مجالات متنوعة.
وأضاف سعادته أن القطاع اللوجستي يوفر مجموعة واسعة من الوظائف التي تتنوع بين الوظائف التشغيلية والفنية والإدارية؛ فهناك وظائف مرتبطة مباشرة بعمليات النقل والشحن وتشغيل الموانئ وإدارة المستودعات، إضافة إلى وظائف فنية في مجالات الصيانة والخدمات البحرية. وقال: في السنوات الأخيرة برزت أيضا وظائف جديدة مرتبطة بالتحول الرقمي في القطاع اللوجستي، مثل إدارة الأنظمة الذكية للموانئ، وتحليل البيانات اللوجستية، وإدارة سلاسل الإمداد باستخدام التقنيات الحديثة، وهذه الوظائف تتطلب مهارات متخصصة وتوفر في الوقت نفسه فرصا كبيرة للشباب العُماني لاكتساب خبرات مهنية في قطاع يعد من أسرع القطاعات نموا في الاقتصاد العالمي.