التكاليف الاقتصادية الممتدة والباهظة للحرب
الأربعاء / 26 / شوال / 1447 هـ - 10:01 - الأربعاء 15 أبريل 2026 10:01
«عمان»: عادت الحرب لتحدد شكل المشهد العالمي من جديد بعد عقود من الهدوء النسبي الذي أعقب الحرب الباردة؛ حيث تصاعد عدد الصراعات النشطة في السنوات الأخيرة وبلغ مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي الوقت نفسه، فإن التوترات الجغرافية والسياسية المتزايدة والمخاوف الأمنية المتصاعدة تحض كثير من الحكومات على إعادة تقييم أولوياتها وزيادة الإنفاق على الدفاع.
ومن خلال فصلين تحليليين من تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» ألقى صندوق النقد الدولي الضوء على الضرر الاقتصادي العميق والمُطَوَّل الذي تفضي إليه الحرب، والتي أثرت بصفة خاصة على إفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا والشرق الأوسط.
خسائر اقتصادية
بالنسبة للبلدان التي تدور فيها الحروب يقول خبراء الصندوق أن النشاط الاقتصادي يهبط هبوطا حادا، وفي المتوسط ينخفض الناتج في البلدان التي تشهد الحروب بنحو 3% في البداية ويواصل الانخفاض لعدة سنوات، وتصل الخسائر التراكمية إلى 7% في غضون خمس سنوات، وعادة ما تتجاوز خسائر الناتج الناجمة عن الصراعات تلك المرتبطة بالأزمات المالية أو الكوارث الطبيعية الشديدة وتستمر كذلك الندوب الاقتصادية حتى بعد عقد من الزمن.
كما تسفر الحروب كذلك عن آثار تداعيات جسيمة عابرة للحدود، فالبلدان المنخرطة في صراعات خارجية قد تتجنب وقوع خسائر اقتصادية فادحة -وهو ما يرجع أحد أسبابه إلى عدم حدوث تدمير مادي على أرضها- ومع هذا، فالاقتصادات المجاورة أو أهم البلدان الشريكة في التجارة مع البلد الذي تدور فيه الحرب ستشعر بوطأة الصدمة، وفي السنوات الأولى من الصراع، غالبا ما تشهد هذه البلدان انخفاضات محدودة في الناتج.
وقد تواجه هذه البلدان أيضا ضغوطا على أرصدتها الخارجية ومع تقلص الواردات تقلصا حادا بسبب انخفاض الطلب، فإن الصادرات تنخفض أكثر منها بكثير، مما يسفر عن اتساع مؤقت في العجز التجاري ويؤدي ارتفاع عدم اليقين إلى خروج التدفقات الرأسمالية، وينخفض كل من الاستثمار الأجنبي المباشر وتدفقات الحوافظ، مما يجبر الحكومات في أوقات الحروب على الاعتماد بشكل أكبر على المعونة، وفي بعض الحالات على تحويلات المواطنين العاملين في الخارج لتمويل العجز التجاري.
مفاضلات الإنفاق
وقد دفعت الصراعات الأكثر تكرارا والتوترات الجغرافية-السياسية المتزايدة بلدان عديدة أيضا إلى إعادة تقييم أولوياتها الأمنية وزيادة الإنفاق الدفاعي، ويطرح هذا الموقف سؤالا حاسما على صناع السياسات حول المفاضلات في ظل هذه الزيادة في الإنفاق.
وقد تناول تحليل صندوق النقد الدولي فترات شهدت تعزيزات هائلة للإنفاق الدفاعي في 164 بلدا منذ الحرب العالمية الثانية، وخلُص إلى أن هذه الطفرات عادة ما تستمر حوالي ثلاث سنوات وتزيد الإنفاق على الدفاع بمقدار 2.7 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي، وذلك شبيه إلى حد كبير بما يحتاج إليه أعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) للوصول إلى هدف الإنفاق على الدفاع وهو 5% من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2035.
ويشكل تكثيف الإنفاق الدفاعي أساسا صدمة طلب موجبة؛ إذ يعطي دفعة للاستثمار والاستهلاك في القطاع الخاص، ولا سيما في القطاعات المرتبطة بالدفاع، ويمكن أن يرفع ذلك الناتج الاقتصادي والأسعار على المدى القصير، مما يتطلب تنسيقا عن كثب مع السياسة النقدية لتهدئة الضغوط التضخمية.
وإجمالا، من المرجح أن تكون الآثار المجمعة لزيادة الإنفاق الدفاعي على الناتج محدودة، وعادة ما تُترجم الزيادات في الإنفاق الدفاعي بنفس القدر إلى ناتج اقتصادي أعلى، بدلا من أن يكون لها أثر مُضاعِف أكبر على النشاط. ومع ذلك، تختلف الآثار المُضاعِفة أو التتابعية لهذا الإنفاق اختلافا كبيرا حسب أسلوب استمرار المصروفات وتمويلها وتخصيصها، وحجم المعدات التي يجري استيرادها.
سياسات التعافي
ويفيد تحليل خبراء الصندوق إلى أن حالات التعافي الاقتصادي من الحرب غالبا ما تكون بطيئة ومتفاوتة وتعتمد إلى حد كبير على إدامة السلام، وعندما يكون السلام مستداما يتعافى الناتج ولكنه غالبا ما يظل محدودا مقارنة بخسائر أوقات الحرب. وفي المقابل، كثيرا ما يتوقف التعافي في الاقتصادات الهشة التي تندلع فيها الصراعات مجددا، وحالات التعافي المحدود هذه مدفوعة أساسا بالعمالة، نظرا لإعادة توزيع العاملين من الأنشطة العسكرية إلى المدنية وعودة اللاجئين تدريجيا، في الوقت الذي يستمر فيه ضعف رصيد رأس المال والإنتاجية.
ويتطلب التعافي الفعال اللاحق للحرب وفقًا للتقرير حزم سياسات شاملة وجيدة التنسيق، وهذا المنهج أكثر فعالية بكثير من التدابير المتدرجة ويمكن للسياسات التي تحد عدم اليقين وتعيد في الوقت نفسه بناء رصيد رأس المال أن تعزز التوقعات وتشجع التدفقات الرأسمالية الداخلة وتيسر عودة النازحين، وفي نهاية المطاف يُرسي التعافي الناجح في مرحلة ما بعد الحرب الأساس اللازم للاستقرار، ويجدد الأمل ويحسن سبل عيش المجتمعات المتأثرة بالصراع.