عُمان الاقتصادي

سلاح الموارد الحيوية وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي

 

أحمد القرملاوي -

حَلَّ شتاء 2022 على أوروبا كضيف ثقيل قارس البرودة كعادته، إلا أنه بدا متجهمَ الوجه أكثر من أي وقت مضى، فقد وجدت أوروبا نفسها في مواجهة صدمة غير مسبوقة تتعلَّق بنقص الطاقة، ليست ناتجة عن تقلُّبات السوق المعتادة، بل عن تحولُّات شديدة الوطأة في المشهد الجيوسياسي. قبلها بشهور، كان الدب الروسي قد بدأ في شنِّ حرب ضروس على الجار الأوكراني، حرب بدا وكأنها ستمتدُّ أطول كثيرا من موسم الشتاء، وستمارِس ضغطا هائلا على أوروبا بسبب توقُّف إمدادات الغاز الروسي إلى الجيران الأوروبيين الذين اصطفُّوا خلف أوكرانيا، كرَدِّ فعل على العقوبات التي تم توقيعها على الدب الروسي والضغوط السياسية والاقتصادية التي مورِسَت عليه، فما كان منه إلا أن استخدم إمدادات الغاز التي يضُخُّها إلى القارة الباردة العجوز، كأداةِ ضغط كشفت عن هشاشة بنية الطاقة التي اعتمد عليها الاتحاد الأوروبي لعقود طويلة. وبعد أن كانت تدفُّقات الطاقة مستقرة نسبيّا وبالإمكان أن يُعوَّل عليها في دعم الصناعة والحياة اليومية، بدأت تتقلَّص ثم تتوقف تماما وِفق مجريات الصراع العسكري وتصاعد حِدَّته.

توالت التداعيات سريعا جالِبة معها كُلفَة باهظة، فقد قفزت أسعار الطاقة لمستويات غير مسبوقة. وفي ذروة الأزمة، وصلت أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية إلى أكثر من عشرة أضعاف متوسطها التاريخي. كما تضاعفت أسعار الكهرباء خلال أشهر قليلة، ما اضطر الحكومة الفرنسية لوضع سقف لأسعار الكهرباء حماية للمستهلكين، الإجراء الذي كلَّف ما يتجاوز الـ40 مليار يورو. وكنتيجة حتمية، جرَّت هذه التحولات صدمات أخرى، منها موجات التضخم الحادة التي ضربت البلدان الأوروبية فأضافت عبئا ثقيلا على كاهل الموازنات العامة، وضغطت على الشركات والأفراد على حدّ السواء. في ألمانيا على سبيل المثال، خفَّضت بعض الشركات الصناعية الكبرى إنتاجها بمعدلات بلغت 20-30% في بعض القطاعات.

وأمام هذه التداعيات، وجدت الحكومات الأوروبية نفسها مجبرة على تخصيص حِزَمِ دعم اقتصادي تخطَّت النصف تريليون يورو -700 مليار يورو في بعض التقديرات- وذلك لتخفيف الآثار الناجمة عن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة على مستوى بلدان الاتحاد الأوروبي. كما سارعت الحكومات إلى البحث عن بدائل لتأمين الإمدادات. في حين وجد المواطنون أنفسهم في مواجهة أعباء معيشية متزايدة، تتمثل في فواتير غاز وكهرباء بقِيَم مضاعفة، وقدرة شرائية متآكلة وقلق اقتصادي ينسحب على استقرار الحياة اليومية.

تكشف هذه التداعيات بوضوح عن مدى الترابط بين وَفرة الطاقة، والاستقرار الاقتصادي، وتماسُك المجتمعات إزاء أزمات الطاقة الناتجة عن الحروب الجيوسياسية. وبالنظر إلى مثال الحرب الروسية-الأوكرانية، وتداعياتها على القارة الأوروبية التي بلغت ذروتها خلال شتاء 2022، يمكننا استخلاص الآليات والاستراتيجيات التي يتم توظيفها في حروب الطاقة، كأنْ تتحوَّل خطوط الإمداد إلى أدوات ضغط على الخصوم، والموارد الطبيعية لأداة تُستَخدم في إعادة تشكيل موازين القوة.

وعليه، يُمكِن تعريف ما تعنيه حروب الطاقة على النحو التالي: إنها الصراعات المباشرة وغير المباشرة، التي تهدف إلى السيطرة على مصادر الطاقة وطُرُق نقلها وظروف تسعيرها، ضمن إطار أشمل من الصراع الجيوسياسي. وقد تجلَّى هذا النوع من الصراع بكل وضوح في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ حيث تسبب في اضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة العالمية. يكفي معرفة أن روسيا كانت توفِّر حوالي 40% من واردات الغاز إلى أوروبا. وعند حدوث الأزمة، تحوَّل هذا الاعتماد على الغاز الروسي إلى نقطة ضعف استراتيجية، كان لها أبلغ تأثير على موازين القوى بين أطراف الصراع.

في المقابل، حققت الدول المصدِّرة للطاقة مثل: المملكة العربية السعودية والنرويج وقطر مكاسب ضخمة. على سبيل المثال، تجاوزت عائدات النفط السعودية 300 مليار دولار في 2022، وهو من أعلى المستويات في تاريخها. كما حققت إكوينور النرويجية أرباحا قياسية تجاوزت 70 مليار دولار، مستفيدة من ارتفاع أسعار الغاز. هذه المكاسب عززت الفوائض المالية لهذه الدول ومكَّنتها من الاستثمار في مشاريع طويلة الأجل. إلا أن الأسواق شهدت في فترات لاحقة تراجعا ملحوظا في الأسعار، ما يؤكد أن الاعتماد على الطاقة كمصدر دخل رئيسي هو أمر محفوف بالمخاطر.

ولحروب الطاقة تأثير بالغ على التجارة العالمية. ففي عام 2022، ارتفعت تكاليف الشحن البحري واللوجستيات بشكل ملحوظ نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، ما ترتَّب عليه زيادة في تكلفة نقل الحاويات بنسبٍ تتراوح بين 20% و50% في بعض الخطوط. وبطبيعة الحال، انعكست هذه الزيادة مباشرة على أسعار السلع المستوردة. في جمهورية مصر العربية على سبيل المثال، ساهمت زيادة أسعار الطاقة عالميّا في ارتفاع تكاليف استيراد المواد الغذائية والسلع الأساسية. كما تأثَّرت سلاسل الإمداد الصناعية؛ حيث أدى ارتفاع تكاليف الطاقة إلى تراجع الإنتاج في بعض الدول، ما تسبب في نقص بعض المواد الخام وارتفاع أسعارها.

بانتقالنا إلى المشهد الملتهب في محيط الخليج العربي، يزداد الأمر تعقيدا وتأثيرا على خريطة الطاقة العالمية؛ نظرا لتحوُّل أداة الضغط من التحكُّم في الإمدادات إلى تهديد الممرات التي تعبر الطاقة من خلالها. الصراع هنا يدور حول مضيق هرمز، الممر البحري الضيق الذي يعبر منه قرابة خُمس إمدادات النفط العالمية بصفة يومية (18-20 مليون برميل). ومع تصاعد التوتر، لم يعُد الخطر مقتصرا على تقليص الإمدادات، بل صار مرتبطا باحتمالية توقُّفها بشكل مفاجئ عبر هذا الممر الحيوي. انعكس ذلك بحدة على أسعار النفط؛ حيث شهدت ارتفاعا سريعا مدفوعا بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية»، التي لا تعكس نقص الإمدادات بقدر ما تعكس الخوف من انقطاعها. كما صارت الناقلات التي تعبُر الخليج تواجه مخاطر أمنية متزايدة يترتب عليها تكاليف شحن وتأمين إضافية تُضاف رأسا لأسعار النفط، ما تسبَّب في موجة تضخم جديدة على المستوى العالمي.

لم تتوقف التداعيات عند حدود الأسعار، بل امتدت إلى إعادة تشكيل خريطة تدفقات الطاقة عالميّا. فالدول المستوردة بدأت في البحث عن بدائل لتقليص اعتمادها على النفط المارِّ عبر مضيق هرمز، في حين سعت الدول المنتجة إلى فتح مسارات تصدير بديلة، مثل خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق. لكن هذه البدائل تظل محدودة التأثير إذا ما قورِنت بحجم التدفقات التي تمر عبر هذا الشريان الحساس، ما يجعل العالم رهين استقراره.

عبر استقراء هذه الأزمة، يُمكننا تفكيك مصطلح «أمن الطاقة»، إذ لا يتعلَّق فقط بتأمين مصادر الإنتاج أو الاستيراد، بل يشتمل أيضا على تأمين طرق النقل وصولا إلى المستورِد، ما يُضيف عنصرا جديدا إلى المعادلة الاقتصادية. ففي دول مثل مصر، التي تستورد حصة كبيرة من احتياجاتها البترولية، تُمثِّل هذه التداعيات ضغطا إضافيّا على العملة المحلية، وزيادة في فاتورة الدعم، وارتفاعا في أسعار الوقود والسلع، ما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة تسعى للموازنة بين حماية المستهلك والحفاظ على استقرار المالية العامة.

وفي المقابل، تستفيد الدول المنتجة للنفط من هذه الارتفاعات، لكن بحذر أكبر في هذه المرة. فالتجارب السابقة أظهرت أن طفرات الأسعار الناجمة عن الأزمات الجيوسياسية غالبا ما تكون قصيرة الأجل، وسرعان ما تتبعها موجاتُ تصحيحٍ حادة. لهذا، تميل بعض الدول المنتجة إلى استثمار الفوائض الناتجة عن طفرات الأسعار في تعزيز احتياطياتها، أو تسريع برامج التنويع الاقتصادي التي تتبناها، بدلا من الاعتماد عليها كمصدر دخل طويل الأجل.

وإذا كان ثمة خيط مشترك يربط أزمة الطاقة في أوروبا مع تلك الناجمة عن قلاقل الخليج، فهو أن الحالتين تكشفان عن حقيقة واحدة، هي أن النظام العالمي المسؤول عن توزيع الطاقة لا يزال رهينَ نقاط اختناقٍ محددة، سواء تمثلت في خطوط الأنابيب أو الممرات البحرية. هذه «المحابس الرئيسة» هي ما يجعل الاقتصاد العالمي عرضة لصدمات فجائية، وهي أيضا ما يحوِّل أي توتر جيوسياسي إلى أزمة اقتصادية واسعة التأثير. وبناء عليه، فإن التحول نحو الطاقة المتجددة لم يَعُد خيارا بيئيّا إيجابيّا فحسب، بل ضرورة استراتيجية. فكلما تراجع الاعتماد على النفط والغاز المرتبطين بجغرافيا سياسية معقدة، زادت قدرة الدول على تحقيق قدر من الاستقلالية والاستقرار. غير أن هذا التحول كما تقول التجارب يستلزم زمنا طويلا واستثمارات ضخمة، ولا يستطيع تعويض الدور المركزي للنفط في الاقتصاد العالمي على المدى القريب، خاصة في قطاعات النقل والصناعة الثقيلة.

وإلى أن يتم هذا التحوُّل البطيء والمكلِّف، فإن حروب الطاقة التي يشهدها العالم بين الحين والآخَر ستظل تكشف عن الضغوط الناجمة عن محدودية الموارد، وحرج الممرات، ووطأة الصراعات المفتوحة. وإذا كانت أوروبا قد اكتشفت هشاشتها عبر توقُّف إمدادات الغاز الروسي، فإن العالم يختبر اليوم قِلة حيلته أمام الحاجة الماسَّة إلى النفط الخليجي. وفي الحالتين، يبقى الدرس المستفاد أن الطاقة ليست مجرد وقودٍ يُغذِّي الصناعة ويُلبِّي حاجات المجتمع، بل هي إحدى أدوات الصراع وساحاته المفتوحة باتساع العالم.

ومهما بدا التحوُّل نحو الطاقة المتجددة باهظَ التكلفة، متطلبا في الوقت اللازم لتحقيقه، فثمة مؤشرات إيجابية في هذا الاتجاه نتجت عن أزمات الطاقة. ففي عام 2023، سجلت الاستثمارات العالمية في مجال الطاقة النظيفة رقما قياسيّا تجاوز 1.7 تريليون دولار، وشهِد إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح زيادة ملحوظة. كما نجحت الصين في تسجيل رقم قياسي عالمي بإضافة أكثر من 100 جيجاوات من الطاقة الشمسية في غضون عام واحد. كما أعلنت بعض الدول الأوروبية خططا لتقليل اعتمادها على الغاز المستورد بنسبة تصل إلى 50% خلال عقد واحد.

الخلاصة أن حروب الطاقة لا تقتصر على الصراع على موارد حيوية، بل هي أحد أشكال الصراع الهادف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي على مختلف المستويات، بتأثيره على أسعار السلع، ومعدلات التضخم والنمو، وحركة التجارة العالمية. والسؤال ليس ما إذا كانت حروب الطاقة ستستمر، إذ يبدو استمرارها أمرا حتميّا لا يمكن تفاديه، لكن حول الكيفية التي يمكن بها التكيُّف مع حروب الطاقة، والحفاظ على الأمن القومي والاستقرار المجتمعي، من خلال المسارات التي تُشير إليها التجارب الحديثة، مثل تنويع مصادر الطاقة، وبناء الاحتياطيات الاستراتيجية، والاستثمار في البدائل الأكثر الكفاءة، وتسريع التحوُّل نحو الطاقة المتجددة.

أحمد القرملاوي، مهندس وروائي ومترجم مصري، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والتمويل. شارك في تأسيس دار ديوان للنشر وإطلاق بودكاست عن الاقتصاد الإبداعي والصناعات الإبداعية.