عُمان الاقتصادي

لماذا لا تقود صدمات الطاقة إلى انتقال فوري نحو الطاقة المتجددة؟

 

عبدالهادي الساعدي -

في الثامن والعشرين من فبراير مطلع هذا العام دوّت ضربات عسكرية أمريكية إسرائيلية مشتركة في عمق إيران، لتُفضي إلى واحدة من أعقد الاضطرابات في تاريخ أسواق الطاقة الحديثة، ولم يكن المشهد مجرد أزمة دبلوماسية أو مناورة عسكرية عابرة بل زلزال هزّ الشرايين التي يتنفس منها الاقتصاد العالمي، وخلال أيام قليلة بلغت أسعار النفط عتبة المائة دولار للبرميل، وتحوّل مضيق هرمز الذي تمر عبره ربع تجارة النفط البحرية ونحو خُمس صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى بؤرة أزمة وجودية، ووصف رئيس وكالة الطاقة الدولية ما جرى بأنه «أعظم تحدٍّ لأمن الطاقة العالمي في التاريخ» وهو توصيف لا مبالغة فيه حين تراجعت حركة الناقلات في المضيق إلى ما يقارب الصفر وهو ما يسبب خللا واضحا في ميزان الطاقة العالمي!

غير أن ما استوقف المحللين والاستراتيجيين لم يكن حجم الصدمة وحدها، بل كان السؤال الذي فرض نفسه في خضم الاضطراب: لماذا لم تُفرز هذه الأزمة الكبرى استجابة فورية نحو الطاقة المتجددة؟ أليست الأزمات تاريخيا هي المحرّض الأكبر للتحولات الطاقية؟ وهل ثمة تناقض حقيقي في سلوك الحكومات والأسواق، أم أن المشهد أعمق وأكثر تعقيدا مما يبدو على السطح؟

درس روسيا وأوكرانيا

بالعودة إلى أزمة 2022 في أوروبا، نجد أنها وفرت مختبرا استثنائيا لفهم أنماط الاستجابة. حين خفّضت روسيا إمدادات الغاز إلى أوروبا بنسبة ثمانين بالمائة في الأشهر التي أعقبت الغزو، لم تسقط أوروبا في الشلل الطاقي، بل انتهجت أربعة مسارات متوازية في وقت واحد: أولها التنويع الفوري عبر استيراد الغاز المسال من الولايات المتحدة وقطر والجزائر، ثم التقنين الإجباري في الاستهلاك الصناعي، ثم الإصلاح التشريعي المتسارع في هيئة مبادرة REPowerEU، وأخيرا العودة الانتقالية المؤلمة (المؤقتة) لبعض محطات الفحم التي كانت القارة تستعد لإغلاقها.

النمط الذي كشفته أوروبا واضح لمن يُريد أن يرى: أمن الطاقة لم يعد يُحكَم بالمنطق الاقتصادي البحت، بل أصبح يستلزم عدسة جيوسياسية في كل قرار يتعلق بسلاسل الإمداد وتنويعها، والفارق الجوهري اليوم هو أن التكاليف انخفضت أكثر، والحجة الاقتصادية لصالح الطاقة المتجددة باتت أقوى، مما يجعل الأزمة الراهنة أكثر صلاحية لإطلاق تحول كبير مقارنة بكل ما سبقها؛ ولكن أين الخلل؟ لماذا لم نرَ مبادرات في هذا الجانب؟

الحاجة للأمن الفوري

تعمل الحكومات في أوقات الأزمات وفق منطق يمكن تسميته «أُفق الناجي»؛ وهو منطق يضع تأمين حاجة اليوم فوق بناء الغد، ويُقدّم اليقين الراهن على الأمل المستقبلي. حين تنخفض حركة ناقلات النفط إلى الصفر في مضيق هرمز الاستراتيجي، لا تملك الدول المستوردة ترف انتظار سنوات ثلاث لإتمام حقل رياح على سواحلها، في هذا الوقت لا خيار أمامها سوى الاتجاه نحو احتياطياتها الاستراتيجية، أو البحث عن موردين بديلين في الأسواق الفورية.

وفي جانب آخر من المعادلة يجب الفهم أن الطاقة المتجددة تُنتج كهرباء، بينما الأزمة الراهنة في جوهرها أزمة وقود للنقل والصناعة الثقيلة. الطائرات التي تنقل الركاب، والناقلات البحرية التي تحمل البضائع عبر المحيطات، والمصافي التي تُشغّل الاقتصادات كل هذه لا تعمل بالطاقة الشمسية أو الرياح.

كذلك لا يمكن إغفال العامل الاقتصادي في فهم هذا التباطؤ.

فمشاريع الطاقة المتجددة تتطلب رأسمال ضخما مقدّما وعوائد ممتدة لعقود، وهذا ما يجعلها أولى ضحايا بيئات المخاطر المرتفعة؛ حيث تتقلص شهية الاستثمار. وقد رصدت دراسة KPMG أن نحو ثلاثة أرباع المديرين التنفيذيين يواصلون الاستثمار في الوقود الأحفوري بالتوازي مع استثماراتهم في الطاقة النظيفة، وهو ما يعكس استراتيجية تحوّط مزدوجة. ثم تأتي القيود التقنية لتُكمل الصورة؛ فرغم أن الطاقة الشمسية أضافت أكثر من نصف الطاقة الجديدة عالميا في 2025، تواجه شبكات الكهرباء عجزا في بنيتها التحتية يُقدَّر بثلاثمائة مليار دولار سنويا، مما يجعل الإنتاج يسبق القدرة على التوزيع والتخزين.

هل فقدت الطاقة المتجددة بريقها؟

كشفت وكالة الطاقة الدولية أن إجمالي تدفقات رأس المال في قطاع الطاقة بلغ 3.3 تريليون دولار، يذهب منها ٢٢٠٠ مليار نحو الطاقة النظيفة والشبكات والتخزين، مقابل ١١ مليار فقط للنفط والغاز والفحم مجتمعة، وفي عام 2025 وصل الاستثمار العالمي في التحول الطاقي إلى مستوى قياسي؛ حيث بلغ 2.3 تريليون دولار، بزيادة ثمانية بالمائة عن العام السابق.

وفي مؤشر لافت، انخفضت التكلفة المستوية للكهرباء الشمسية بنسبة واحد وعشرين بالمائة إضافية في عام 2025 وحده، مما جعل محطات الفحم الجديدة غير مجدية ماليا في الغالبية الساحقة من الأسواق.

ما نشهده إذن ليس تراجعا بنيويا في مسيرة الطاقة المتجددة، بل هو فجوة مؤقتة في الاستجابة الحكومية الطارئة التي تتحرك دائما بمنطق اللحظة لا بمنطق الأفق البعيد. الخلط بين بطء ردّ الفعل الحكومي الآني وبين مسار الاستثمار العالمي في مجمله يُفضي إلى قراءة مشوّهة للواقع.

متى تعود الطاقة المتجددة

إلى الواجهة؟

ثمة مسارات يرسمها المنطق التاريخي بوضوح. في السيناريو الأول، تحوّل الأزمة نفسها إلى محرّك قسري للتغيير؛ فكلما امتدّ إغلاق مضيق هرمز وتراكمت التداعيات، اشتدّت الضغوط على الحكومات لتسريع مشاريع الطاقة المتجددة بموارد طارئة غير مسبوقة. أما في السيناريو الثاني، وحين تتراجع حدة الأزمة نسبيا، فإن مسار الاستثمار العالمي سيستمر وفق اتجاهاته الراسخة، لكن بوتيرة قد لا تُواكب الطوارئ المناخية.

والشروط اللازمة لكي تُعيد الطاقة المتجددة تصدّر المشهد الاستراتيجي تتمحور حول ثلاثة محاور لا يمكن الاستغناء عن أحدها: توحيد خطاب أمن الطاقة مع خطاب التحول الطاقي حتى لا تُعامَل الطاقة النظيفة كترف بيئي بل كضرورة أمنية، وسدّ الهوّة الكبيرة في بنية الشبكات الكهربائية التي باتت الاختناق الحقيقي في وجه التوسع، وبناء سلاسل إمداد إقليمية لمكوّنات الطاقة المتجددة تُقلّص الاعتماد على موردٍ واحدٍ، تحديدا في ظل هيمنة الصين على ما يزيد على ثمانين بالمائة من سلاسل تصنيع الألواح الشمسية عالميا.

الأزمات نفسها تُعجّل التحول؛ لأنها تُثبت بشكل مؤلم ثمن الاعتماد على إمدادات يتحكم فيها آخرون. والدليل ليس نظريا: يُشير محللو غولدمان ساكس إلى أن السوق تُضيف حاليا نحو أربعة عشر دولارا لكل برميل كعلاوة مخاطر جيوسياسية، والتاريخ يُعلّمنا أن كل أزمة طاقة كبرى أفرزت في نهاية المطاف دفعة نحو التنويع. صدمة النفط عام 1973 أفضت إلى برامج الطاقة النووية والشمسية المبكرة. وأزمة 2022 ولّدت REPowerEU الذي غيّر وجه الطاقة الأوروبية. وأزمة هرمز 2026، رغم قسوتها، لن تكون استثناء من هذه القاعدة التاريخية.

السؤال الحقيقي إذن لا يتعلق بما إذا كانت الطاقة المتجددة ستعود إلى الواجهة فهذا شبه محسوم. السؤال الأجدر بالتأمل هو: كم من الألم تحتاجه الحكومات كي تُسرّع قرارات كان ينبغي اتخاذها منذ أمد؟ وكيف يمكن للمنطقة ولعُمان تحديدا -وهي تبني نموذجها الطاقي المتجدد بثبات وبصيرة- أن تحوّل لحظة الاضطراب العالمي هذه من تهديد إلى فرصة استراتيجية نادرة؟

عبدالهادي الساعدي مؤســس شــركة حلول الهيدروجني الأخضر