عُمان الاقتصادي

هل تكون هذه أخطر أزمة طاقة في العصر الحديث؟

 

جون كاسيدي / ترجمة: بدر بن خميس الظفري

أمضى إيمون فلاورز أكثر من أربعة عقود في العمل بقطاع الطاقة وتحليله. بعد دراسته الجيولوجيا في جامعة إدنبرة مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عمل لمدة عامين في آبار استكشافية في شرق البحر الأبيض المتوسط، ثم انضم إلى شركة وود ماكنزي، التي كانت آنذاك شركة وساطة مالية معروفة بأبحاثها في مجال الطاقة. عندما بدأ مسيرته المهنية، كانت أسعار النفط والبنزين في انخفاض بعد صدمتين كبيرتين في سبعينيات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، شهد فائضا كبيرا في المعروض أدى إلى انهيار الأسعار، وحربين سابقتين في الخليج أدت إلى اضطراب الإمدادات، بالإضافة إلى ارتفاعات حادة أخرى في الأسعار، بما في ذلك ارتفاع عام 2008 الذي نتج عن الطلب القوي وركود الإنتاج، وارتفاع آخر عام 2022 بعد غزو روسيا لأوكرانيا. والآن، بصفته رئيسا ومحللا رئيسيا في شركة وود ماكنزي، التي تطورت لتصبح شركة استشارات عالمية في مجال الطاقة، فإن فلاورز ليس غريبا على التقلبات الحادة وتقلبات السوق. لكن حتى هو فوجئ الأسبوع الماضي عندما قصفت صواريخ إيرانية مجمع رأس لفان الضخم للغاز الطبيعي المسال في قطر، والذي يحوّل الغاز المستخرج من الأرض إلى سائل يُمكن نقله بحرا لمسافات طويلة.

قال فلاورز، الذي لا يزال مقيما في إدنبرة، في مقابلة مصورة أجريت معه بعد يوم من الضربة الإيرانية، التي جاءت ردا على هجوم إسرائيلي على حقل غاز إيراني: «هذا يُغيّر الوضع تماما». وأشار، وهو ينظر إلى شاشة على مكتبه، إلى أن سعر الغاز الطبيعي المسال - وهو وقود يُستخدم على نطاق واسع في محطات توليد الطاقة وأنظمة التدفئة - قد ارتفع بنسبة ثلاثين بالمائة في يوم واحد.

إضافة إلى قصف رأس لفان، أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، قصفت الحكومة الإيرانية مواقع أخرى للبنية التحتية للطاقة في السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة. بعد هذا التصعيد، وصل سعر برميل خام برنت، المستخرج من بحر الشمال والذي يُعدّ معيارا عالميا في أسواق النفط، إلى ما يقارب مائة وعشرين دولارا. (قبل الحرب، كان سعره أقل من سبعين دولارا). وقال فلاورز: «إذا استمرت الهجمات التي شهدناها خلال الأيام الماضية، فمن المرجح أن يصل سعر برميل النفط إلى مائة وخمسين دولارا، وربما إلى مائتي دولار».

في اليوم الذي تحدثت فيه مع فلاورز، صرّح دونالد ترامب بأنه طلب من إسرائيل عدم تكرار ضربتها لحقول الغاز الإيرانية، وقال بنيامين نتنياهو: إن بلاده ستتوقف عن ذلك. لكنّ الهجمات الانتقامية كانت مؤشرا آخر على أن الحرب، وتداعياتها الاقتصادية، بدأت تخرج عن سيطرة ترامب. فكما فشل الرئيس، بشكل غير مفهوم، في توقع تحركات إيران لإغلاق مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي للنفط والغاز الطبيعي المسال، واستهداف البنية التحتية للطاقة في دول خليجية أخرى، يبدو أنه ومستشاريه قد أغفلوا النفوذ الدائم للشرق الأوسط في سلسلة إمداد الطاقة العالمية، وكيف يمكن أن يؤدي تعطيل هذه السلسلة إلى الإضرار بالاقتصاد الأمريكي.

وتشير وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» التي أصدرها البيت الأبيض في نوفمبر إلى أن إمدادات الطاقة «تنوعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة؛ حيث أصبحت الولايات المتحدة مرة أخرى مُصدِّرا صافيا للطاقة». وأضافت الوثيقة أنه مع «زيادة إنتاج الطاقة الأمريكي، سيتضاءل السبب التاريخي الذي دفع أمريكا للتركيز على الشرق الأوسط». ومع ذلك، يجد الأمريكيون العاديون، الذين شهدوا ارتفاع أسعار البنزين بنحو الثلث في غضون أسابيع قليلة، أنفسهم، مرة أخرى، رهائن للأحداث في الخليج. وتزداد حدة التحديات الاقتصادية التي تواجه العديد من حلفاء أمريكا في أوروبا وآسيا، والذين يعتمدون بشكل شبه كامل على واردات النفط والغاز.

إنّ الأمر الأساسي الذي تغفله استراتيجية الأمن القومي للإدارة هو أن سوق النفط موضوع عالمي، وليس شأنا محليا. فمع أن النمو الهائل لتقنية التكسير الهيدروليكي قد حوّل الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط في العالم، حتى أنها تفوقت على السعودية، إلا أن سعر النفط في الولايات المتحدة لا يزال يتحدد في الأسواق المالية العالمية؛ حيث تتكيف الأسعار لتحقيق التوازن بين العرض والطلب العالميين. ولا شك أن عملية التكيف هذه تعكس التطورات في الشرق الأوسط، حيث يقع نحو 50% من احتياطيات النفط العالمية ونحو 40% من احتياطيات الغاز الطبيعي. وعلى المدى البعيد، قد يؤدي ازدياد الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى تقليل أهمية منتجي الخليج بشكل كبير. ولكن مع تلبية الهيدروكربونات حاليا نحو 80% من احتياجات العالم من الطاقة، لم يحدث ذلك بعد.

عندما سألت فلاورز، بعد نصف قرن من صدمات أسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي، عن سبب استمرار اعتماد أسواق الطاقة على الخليج، كانت إجابته واضحة. قال: «يتزايد الطلب على النفط باستمرار، ولا بدّ من توفير الإمدادات من مكان ما، فهذا هو جوهر المسألة». العديد من الدول في أوروبا وآسيا لا تنتج النفط، وليس أمامها خيار سوى استيراده. يستورد مستوردو النفط مجتمعين حوالي أربعين مليون برميل يوميا، منها خمسة عشر مليون برميل على الأقل من الخليج. وإذا ما انقطع جزء كبير من هذه الإمدادات، كما حدث عندما أغلقت إيران مضيق السند مباشرة بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، فسيكون لذلك أثر كبير على الأسعار. وأشار فلاورز إلى أنه «لا يمكن أن نخسر خمسة عشر مليون برميل بين عشية وضحاها دون أن نشهد تداعيات خطيرة».

وأوضح المحلل أن تأثير الحرب على سلسلة إمداد النفط كان تدريجيا منذ بدايتها. وبمجرد إغلاق المضيق، رفضت شركات التأمين تغطية الشحنات المتجهة إلى هذا الممر الضيق. وقال: «لم تتمكن السفن من الإبحار، وتعطلت سلسلة الإمداد بأكملها». ومع وجود مئات ناقلات النفط المحملة بالكامل عالقة في البحر، كان هناك نقص في السفن الفارغة لنقل شحنات جديدة. لفترة وجيزة، استمرت الدول الأربع المنتجة الرئيسية للنفط، باستثناء إيران -السعودية والعراق والكويت والإمارات العربية المتحدة- في تشغيل آبارها وتركت النفط يتراكم في مرافق التخزين البرية. ولكن مع بداية الأسبوع الماضي، امتلأت معظم هذه المرافق. واضطر المنتجون إلى إيقاف عمليات الضخ في بعض الآبار، ما أدى إلى إغلاق النفط الموجود تحتها.

ووفقا لحسابات وود ماكنزي، فقد أغلق حوالي تسعة ملايين برميل من النفط يوميا في هذه الدول الأربع، أي ما يزيد عن ثمانية بالمائة من إجمالي ما كان عليه قبل الحرب.

تُعدّ الصدمة النفطية غير مسبوقة، فهي أكبر من حيث النسبة المئوية من صدمات السبعينيات، ولكنها، على الأقل حتى الأسبوع الماضي، سارت على نحوٍ مشابه لما توقعه فلاورز وزملاؤه بعد بدء الحرب. إلا أنهم لم يأخذوا في الحسبان احتمال اتساع نطاق الصراع ليشمل هجمات واسعة النطاق على البنية التحتية للطاقة. صرّح الرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة المملوكة للدولة بأن الضربات الصاروخية الإيرانية أدت إلى تعطيل نحو سدس منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها، وأن إصلاحها سيستغرق مدة تصل إلى خمس سنوات. وفي الوقت نفسه تقريبا، أكد البنتاغون أن الطائرات الحربية والمروحيات الأمريكية تحلق فوق المضيق في محاولة لقصف الزوارق السريعة الإيرانية وإسقاط الطائرات المسيّرة الهجومية الإيرانية. قال فلاورز: «في الأسبوعين الأولين، كان من الممكن الاعتقاد بأن الحرب ستكون قصيرة نسبيا، وأن إنتاج النفط سيُستأنف بسرعة بعد انتهائها. لكن هذا الاحتمال يتضاءل يوما بعد يوم».

ومع تصاعد حدة الأعمال العدائية، يرفع محللو النفط تقديراتهم للأضرار المتوقعة. في عام 2008، وفي ظلّ بيئةٍ اتسمت بالطلب القويّ والإنتاج الراكد، وصل سعر خام برنت إلى ما يقارب مائة وأربعين دولارا للبرميل. وفي الأسبوع الماضي، صرّح بنك جولدمان ساكس بأنّ السعر من المتوقع أن يتجاوز أعلى مستوى له على الإطلاق إذا استمرّ خطر حدوث اضطرابٍ طويل الأمد.

بالنسبة للعديد من الأمريكيين، فإنّ التأثير الأبرز والأكثر مباشرة لصدمة أسعار النفط هو ارتفاع أسعار البنزين. يبلغ متوسط سعر البنزين في جميع أنحاء البلاد الآن ما يقارب أربعة دولارات، مقارنة بأقل من ثلاثة دولارات قبل بدء الحرب. وإذا استمرّ سعر النفط في الارتفاع، فقد يصل سعر البنزين إلى خمسة دولارات. ولكن مع مرور الوقت، يؤدي ارتفاع أسعار النفط أيضا إلى زيادة تكلفة العديد من السلع والخدمات الأخرى، بما في ذلك تذاكر الطيران والبلاستيك والأسمدة. كما يمكن أن تُثير صدمات أسعار النفط قلق المستثمرين - فقد انخفض مؤشر داو جونز لأربعة أسابيع متتالية - وفي السنوات الأخيرة، شكّلت أسعار الأصول المرتفعة دافعا رئيسيا للإنفاق الاستهلاكي. على الرغم من هذه المؤشرات التحذيرية، يعتقد العديد من الاقتصاديين أنّ الاقتصاد سيتجاوز هذا العام بصعوبة دون حدوث ركود - فبنك جولدمان ساكس، على سبيل المثال، يُقدّر احتمال حدوث ركود بنسبة 25٪ فقط. لكن هذا مجرد تخمين. وكما قال جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأسبوع الماضي، فإن الارتفاع الحاد في أسعار النفط يمثل «صدمة طاقة ذات حجم ومدة كبيرين»، مما خلق قدرا كبيرا من عدم اليقين لدرجة أننا «لا نعرف» ما سيحدث.

الخبر السار هو أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال تعتمد على الوقود الأحفوري، إلا أن اقتصادها أقل استهلاكا للطاقة بكثير مما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي وأوائل ثمانينياته، عندما شهدت ركودين عميقين مرتبطين بصدمات أسعار النفط من قبل منظمة أوبك. فمقابل كل دولار من الناتج المحلي الإجمالي الذي تنتجه الولايات المتحدة اليوم، فإنها تستهلك نصف كمية الطاقة التي كانت تستهلكها في عام 1980. ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد في عام 2022، بعد غزو روسيا لأوكرانيا، ومع ذلك تمكن الاقتصاد من تحقيق نمو متواضع لمدة عام. لكن هناك حجج مضادة: فنمو الوظائف أضعف بكثير الآن مما كان عليه قبل أربع سنوات، ويتذكر مراقبون مخضرمون في صناعة النفط كيف أعقبت الارتفاعات الحادة في الأسعار في عامي 1990 و2008 فترات ركود. وعلق فلاورز على هذا الارتفاع قائلا: «إنه أمر مقلق للغاية». إذا بلغ متوسط سعر خام برنت مائة دولار للبرميل هذا العام، فقد يدفع ذلك النمو العالمي إلى ما دون اثنين بالمائة، وقد نشهد بسهولة انزلاق دول غربية كبرى، بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا، إلى الركود في النصف الثاني من العام.

أما السيناريو المتفائل، فيتمثل في إعلان ترامب النصر وإلغاء الحرب قبل إلحاق المزيد من الضرر بالبنية التحتية للطاقة، ما قد يسمح بانخفاض أسعار النفط بسرعة ويحول دون حدوث أضرار اقتصادية طويلة الأمد. (فالارتفاعات المفاجئة في الأسعار أقل ضررا بكثير من الارتفاعات الطويلة). وأوضح فلاورز أنه من الناحية اللوجستية، سيستغرق الأمر شهرين أو ثلاثة أشهر حتى يستأنف منتجو النفط في الخليج معظم الإنتاج الذي أوقفوه. لكنه أضاف أن هذا لن يكون التحدي الوحيد: «يمكن للإدارة الأمريكية أن تعلن النصر بأي شروط تراها مناسبة، لكن شركات التأمين ستطالب بضمانات بأن السلام حقيقي ودائم». إذا لم يحصلوا على ضمانات مُرضية من الأطراف الثلاثة المتحاربة -الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران- فبإمكانهم رفض تغطية السفن والبضائع العابرة للمضيق، ما يُؤخر أي عودة إلى الوضع الطبيعي، أو شبه الطبيعي.

مع ترامب، بالطبع، كل شيء وارد. ففي يوم الجمعة، صرّح بأنه يُفكّر في «إنهاء» الحرب. وفي يوم السبت، قال إن الولايات المتحدة «ستضرب وتُدمّر» محطات الطاقة الإيرانية إذا لم تفتح المضيق خلال 48 ساعة. من جانبه، لم يكن فلاورز متفائلا قبل عطلة نهاية الأسبوع. وبمقارنة صدمة النفط الإيرانية بصدمات سابقة مرّ بها، قال لي فلاورز في رسالة بريد إلكتروني: «قد يكون هذا تمهيدا لأكبر أزمة... من وجهة نظر الطاقة. ذلك لأن أسوأ سيناريو هو أن تُثبت الحرب صعوبة إيقافها، ما يُؤدي إلى نقص في مصادر النفط والمنتجات الخام (بما في ذلك مواد التغذية للأسمدة) والغاز الطبيعي المسال في الاقتصاد العالمي لفترة طويلة». إذا تحققت هذه النتيجة، فإن جميع التوقعات الاقتصادية ستكون غير مؤكدة.

جون كاسيدي هو كاتب في مجلة ذَ نيويوركر منذ عام 1995. وهو كاتب «الصفحة المالية»، وهو عمود يتناول الاقتصاد والسياسة.

الترجمة عن مجلة ذَ نيويوركر.