نحن الآن في حقبة جديدة من الحرب العالمية
ترجمة: أحمد شافعي
الاثنين / 24 / شوال / 1447 هـ - 20:58 - الاثنين 13 أبريل 2026 20:58
بحلول الوقت الذي بدأت فيه حرب إيران في الثامن والعشرين من فبراير كان العالم في حرب بالفعل؛ فقد جاءت السنتان الماضيتان بحروب -سواء في ما بين البلاد أو داخلها- أكثر مما جاءت به العقود المنصرمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ أي أن واقعا جديدا قد حل، وقوامه ازدياد الصراع.
الآن فيما تستمر الحرب في أوكرانيا وتتوقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بموجب وقف هش لإطلاق النار نشهد رجوع ظاهرة كريهة إلى المسرح العالمي مرة أخرى هي ظاهرة الحرب العالمية؛ ذلك أن صراعين كبيرين في قارتين مختلفتين باتا مسرحين لتنافس استراتيجي بين قوى كبرى. وللديناميكيات في كل حرب منهما أثر مباشر على الأخرى، وكلاهما اجتذب دولا إضافية إلى الصراع. وفي حين أن نطاق وشدة كلا الصراعين مجتمعين يقصر كثيرا عن الحربين العالميتين المدمرتين اللتين شهدهما القرن الماضي فإن الصراعين الأخيرين نجما عن رد فعل خطير يماثل رد الفعل الذي نجمت عنه الحربان العالميتان، وهو لجوء الدول المتنافسة إلى القوة العسكرية بوصفها الوسيلة الأولى والأساسية لفرض السلطة.
لقد دخلت روسيا والولايات المتحدة الحرب لأسباب مختلفة؛ فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان يسعى إلى توسيع نفوذه الإقليمي، واستعادة أرض تنتمي في نظره إلى المجال الروسي. وتباينت أهداف الولايات المتحدة المعلنة لخوض الحرب ضد إيران، لكن الرئيس ترامب قال مرارا: إنه لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. (وتشاركه إسرائيل -شريكة أمريكا في الحرب- في هذا الهدف، ولكن لها أهدافا سياسية تخصها، وهذا واقع قد يقوض وقف إطلاق النار بالكلية).
ومع ذلك فقد رأى كل من الرئيسين بوتين وترامب أن النجاح سيكون يسير المنال، وأن هدف كل منهما يبرر تقريبا أي مستوى من العنف، حتى لو انتهك قيود القانون الدولي.
وفي غضون أسابيع قليلة أصبح الصراعان في أوكرانيا وإيران تعبيرين عن تنافس قائم بين قوى عظمى. وعلى كلا المسرحين ساندت كل من روسيا والولايات المتحدة خصمي كل منهما؛ إذ تستمر الولايات في إمداد أوكرانيا في صراعها ضد روسيا بالسلاح والمعلومات والخطط، كما تردَّد أن روسيا تفعل مثل ذلك لإيران بإمدادها بمعلومات الاستهداف والخرائط الخاصة بمواقع الولايات المتحدة العسكرية، وتبعث إلى طهران بالطائرات المسيرة.
وفي حين أنه لم تقع مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا؛ فإن كلا من القوتين هي التي تحشو المدافع المصوبة إلى الأخرى وتوجِّهها.
وقد تركت كل حرب أثرا على الأخرى؛ فصدمة أسعار النفط العالمية الناجمة عن إغلاق إيران لمضيق هرمز أدرَّت على روسيا أرباحا مالية كبيرة، سواء بارتفاع أسعار نفطها أو من خلال تخفيف العقوبات المفروضة على ذلك النفط من إدارة ترامب الحريصة أشد الحرص على تخفيض الأسعار العالمية.
وفي الوقت الذي ينصب فيه الاهتمام وتتوجه الموارد إلى إيران أطلقت روسيا هجمة الربيع؛ بهدف تعزيز وتوسيع مكتسباتها من الأراضي في أوكرانيا. في الوقت نفسه عرضت أوكرانيا الخبرة التي اكتسبتها في مواجهة المسيرات خلال حربها ضد روسيا على الولايات المتحدة والدول العربية التي تعرضت لاستهداف من إيران.
وقد اجتذب كلا الصراعين بلادا أخرى؛ ففي أوكرانيا تيسرت جهود روسيا الحربية بالدعم الاقتصادي والتقني من الصين، وبالإسهام البشري المباشر من كوريا الشمالية، وبالطائرات المسيرة من إيران. ولعب الحلفاء الأوروبيون دورا متزايد الأهمية في المساعدة في تسليح أوكرانيا، بل لقد كانت لها الريادة في الجهود على مدار العام الماضي. وبرغم أن دول الناتو لم تجب دعوة ترامب للمساعدة في الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحا؛ فقد أسقطت أنظمة الدفاع الصاروخي التابعة للناتو صواريخ إيرانية موجهة إلى تركيا. كما أن الصواريخ الإيرانية التي استهدفت العديد من دول الخليج قد اجتذبت هذه الدول إلى الصراع في حين هاجمت إسرائيل حزب الله في لبنان، وأطلق الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن صواريخ على إسرائيل.
لقد شارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية ملايين الجنود من القوى العظمى التي كانت تقاتل بعضها بعضا على نحو مباشر مما أدى إلى ملايين الوفيات، ولكن لن تكون جميع الحروب العالمية شبيهة بصراعي القرن العشرين الكارثيين. والحقيقة أن صراعي القرن الماضي لم يكونا أصلا أولى الحروب العالمية أو ثانيتها؛ فحرب السنوات السبع في أواسط القرن الثامن عشر، والحرب النابليونية في مطلع القرن التاسع عشر كانتا أيضا صراعات كوكبية تتألف من حروب منفصلة تقع في قارات مختلفة، وتشترك فيها قوى كبرى بقتال مباشر أو بتنسيق في هذه الصراعات.
والحق أن حرب السنوات السبع في ما بين 1756 و1763 مفيدة للغاية في فهم معنى الحرب العالمية مثلما نراها اليوم. فقد كانت تلك الحرب تخاض أساسا في أوروبا ببريطانيا وبروسيا في جانب، وفرنسا والنمسا في الجانب الآخر. وبامتلاك بريطانيا وفرنسا لإمبراطوريات عالمية امتدت المعارك في قارات عدة، وكان ذلك أيضا زمانا تتبنى فيه البلاد استعمال القوة العسكرية في فرض نفوذها الوطني.
ويذهب البعض إلى أن الحرب الباردة هي الأخرى كانت حربا عالمية. ولا شك في صدق القول بأن وصف الحرب الباردة بالباردة تنطوي على مغالطة؛ فقد كانت حقبة صراع محتدم نال من أجزاء كثيرة في الكوكب، لكن صراعات الحرب الباردة كانت تفتقر إلى الترابط والتزامن المشهودين حاليا في أوروبا والشرق الأوسط.
والمهم أن القوى العظمى في ذلك الوقت كانت تتحلى بالحذر في ما يتعلق باستعمال القوة العسكرية مقيدة بذلك أفعالها، ويرجع ذلك بقدر غير بسيط إلى ما كان يتراكم في ترساناتها النووية من أسلحة.
لكن اليوم يبدي كل من الرئيس بوتين والرئيس ترامب نهجا أشد جرأة على استعمال الجيش لتحقيق الأهداف، ويبديان مزيدا من عدم المبالاة بالعواقب، سواء أكانت هذه العواقب اقتصادية أم اجتماعية.
ولكن ما السر في أهمية النظر إلى أن نرى حربي إيران وأوكرانيا باعتبارهما جزأين في حدث عالمي واحد، لا باعتبارهما صراعين منفصلين يجريان بالتوازي؟ لأن النظر إلى الحربين باعتبارهما مترابطتين يكشف ضرورة أن يتحلى قادتنا بنظرة عالمية عند التفكير في العالم الناشئ ذي الأقطاب المتعددة الذي تتنافس فيه القوى على السيطرة في المناطق أو مجالات النفوذ، ولأن صراعا في منطقة فلا بد بصورة شبه مؤكدة أن يمتد إلى منطقة أخرى، ولأن الموارد المخصصة لصراع قد تعني تقليل الموارد المخصصة لصراع آخر بما يقوض جهود ردع تهديد معين أو مساعدة حليف بحاجة إلى مساعدة. وعدم إدراك النطاق العالمي لقضايا الأمن هو تحديدا ما قد ينزلق بدول من حرب محدودة واختيارية إلى حرب عالمية لم يرغبوا فيها.
لقد مر في العام الماضي ثمانون عاما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويبقى دمار تلك الحرب أمرا لا نظير له، ويحق لنا أن نرجو أن يبقى ذلك دمارا لا نظير له. فحتى لو لم نشهد صراعا عالميا آخر بذلك الحجم فإننا نشهد بالفعل مرة أخرى عودة حقبة الحرب العالمية.