فلسطين.. طبول تصعيد من غزة إلى الضفة الغربية
الاثنين / 24 / شوال / 1447 هـ - 19:52 - الاثنين 13 أبريل 2026 19:52
بين الفلسطينيين وكيان الاحتلال الإسرائيلي مطاردة إلى حين، لا فرق هنا بين هدنة هشة في غزة، وعاصفة تثور في القدس، ولا تمايز لوضع عن آخر في الضفة الغربية، الاعتداءات على مدار الساعة، دون النظر عما ستؤول إليه الأمور، انتفاضة كانت أم تصعيد.
يطارد جنود الاحتلال الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية، ليواصل الطرفان المواجهة حتى في لحظات 'إستراحة المحارب' أو فترة 'التهدئة' في غزة، فيظل سياق التصعيد متتالياً، ولا ينفك الكيان عن المساهمة في تراكم قاسٍ من الفعل وردّات الفعل، وتتداخل مستويات الانخراط في المواجهة، إلى درجات عالية أو منخفضة، قرببة أو بعيدة لا فرق أيضاً.
لوهلة، قد يبدو مثل هذا الاستنتاج وكأنه خارج السياق، بيد أن المتتبّع لمسيرة الطرفين المضطربة، المقلقة والقلقة، يخرج بأكثر من مقاربة كلها تؤشر على هكذا وضع، ولدته سنوات من المواجهات والانتفاضات والحروب، غيرالمتكافئة.
وليست الحالة السائدة هذه والمتولدة من تصعيد أحادي الجانب، تنفذه قوات الاحتلال، سوى مرآة لواقع يدأ يظهر في خلفية المشهد الحقيقي الذي يلف عموم الأراضي الفلسطينية، ولم يشأ له أن ينطلق للعيان المطلق، وإذا ظل الحديث عن واقع يؤشر إلى 'تهدئة' غير ملموسة في قطاع غزة، وارتفاع لمؤشر اعتداءات جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين في القدس والضفة الغربية، فإن حيثيات التصعيد بدأت تدب على وجه الأرض، وربما تشهد الوصول إلى ما هو أبعد من مجرد تصعيد.
وما لبث الفلسطينيون والإسرائيليون وخرجا من ساحة الوغى في حرب غزة، أو هكذا أريد للمشهد أن يبدو، إذ لم تنته الحرب حتى بعد إعلان وقفها، حتى اكشتفا أنهما يعودان إلى المطاردة سريعاً، في مواجهة ما زال العمل جار لإنشاء حلبتها الجديدة، إن كانت في القدس أو الضفة الغربية، ورغم قدرة كيان الاحتلال الظاهرة على تحديد مسار أية مطاردة جديدة، فإن الفلسطينين، وعلى الرغم من ضعفهم، وميل موازين القوة لصالح عدوهم، قادرون تلقائياً على تغيير مسار المواجهة، أو على الأقل ضبط ايقاعه من خلال وضع مطبّات أمامه.
فرح منقوص
ليس في وسع الشارع الفلسطيني تجاوز فرح إعلان وقف الحرب على قطاع غزة قبل ستة أشهر، إذ تنفست غزة صعيداً طيباً، وراحت تجتهد في التحقق من وقع أسراب الطائرات المغادرة، وتحاول استنهاض شيء من الفرح في القلوب الفاقدة والمكلومة، لكن الأجواء المثقلة بركام الحرب، لا زالت تلف المشهد في غزة، وتحول دون مراجعة حسابات دقيقة.
لم يكن بمقدور الفلسطينيين، تقبّل مرور نصف عام على إعلان التهدئة، وكأنه انتهاء كلي للحرب، وتجاوز ما يمكن أن يحمله 'اليوم التالي' من مخاطر أيضاً، فمطرقة آلة الاحتلال الحربية، ظلت متحفزة لجولات تصعيد أعتى، في حال انتهت مهلة ترامب الأخيرة لحركة حماس، لتسليم سلاحها في غزة، وإلا فالجحيم ينتظرها (وفق تعبيره) وما سيشكله رفض الحركة الانصياع لتهديدات ترامب، من حدث مفصلي يجعل الغزيين يدركون أن الطريق نحو التهدئة ما زال طويلاً، ويعجّ بالمطبات والعقبات.
ولا ريب في امتناع الكثير من المراقبين، التعاطي مع مصطلحات على نحو 'وقف الحرب' و'هدنة غزة' إذ ما زال قطاع غزة ينوء بأحمال يليق بها توصيف 'إستمرار الحرب' وإن بوتيرة أقل، وبشكل مختلف، وفي هذا ما يؤشر إلى عمق الموقف الفلسطيني من إعلان وقف إطلاق النار.
الأمر ينطوي على محاذير كثيرة، ينبغي الإنتباه إليها ومواجهتها، كما يقول مراقبون في أحاديثهم لـ'عُمان' وأياً كان مستوى الكلمات والمصطلحات، فإن ثمة حقيقة قائمة، وهي مواصلة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بكل ما يعني هذا من تداعيات وتحديات يلقى بها كيان الاحتلال إلى حضن القطاع المتعب.
ولا يبدو في الأمر أن كيان الاحتلال اختار 'تعليق' حرب الإبادة في قطاع غزة بشكلها التقليدي، دون أن يكون على يقين بما يريد أن يجنيه من وراء ذلك، وأن المسألة ليست سوى مجرد 'تكتيك' لكسب المزيد من الوقت، ووضع خطط جديدة، تتماهى مع التصعيد الإسرائيلي المتسارع في الإقليم.
احتمالات أسوأ
ثمة ما يمكن الإستناد إليه، في قول الكاتب والمحلل السياسي عمر رحال إن إعلان التهدئة، لا يعني بالضرورة وقف الحرب، مبيناً أن الغارات المستمرة على قطاع غزة، رغم مرور 6 أشهر على إعلان وقف إطلاق النار، تعكس نهجاً عسكرياً إسرائيلياً لا يتوقف بإعلان وقف النار، وتهدف لانتزاع مكاسب سياسية.
يشرح رحال: 'في موازاة حبس الأنفاس في قطاع غزة، إزاء احتمال عودة الحرب بصورة أقسى، تحضر الضفة الغربية في محاولات زجها بموجة تصعيد، ما يستجر المزيد من الكوابيس على الفلسطينيين، فثمة منغصات واعتداءات عدة تركتها عصابات المستوطنين في القرى والأرياف الفلسطينية، ولا يبدو أن جيش الاحتلال سيتحرك لإزالتها، بل إن المعطيات تؤشر على أنه يريد استخدامها، للضغط على الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل عن قراهم'.
وربما كان الباحث السياسي رائد عبد الله أكثر حدة في توصيفه للمخاطر التي تنطوي عليها مآلات التصعيد في القدس والضفة الغربية، وفي طليعة قائمة الاعتداءات التي ذكّر بها، تبرز معضلة هجمات المستوطنين، الذين قتلوا 18 فلسطينياً خلال حرب الـ40 يوماً في الإقليم، والحواجز والبوابات الحديدية التي تخنق الضفة الغربية، ناهيك عن الاقتحامات اليومية لجيش الاحتلال، وما يرافقها من حملات دهم وتفتيش واعتقالات.
ويضيف: 'ها هي الاحتمالات بكامل أوصافها، اقتحامات يومية للمسجد الأقصى يرافقها حصار خانق للقدس المحتلة، وبوابات تقطع أوصال الضفة الغربية، وحقيقة لا تشوبها شائبة، تتمثل بانتقال ثقل التصعيد إلى القرى والمخيمات الفلسطينية، بإطلاق يد المستوطنين فيها قتلاً وحرقاً وتدميراً.. الاحتلال يريد الدفع نحو إرباك الساحة الفلسطينية، وأهدافه بدأت تظهر للعيان، غزة منهكة، وقدس محاصرة، وضفة مقطعة'.
طبول تصعيد يقرعها جنود مقنّعون ومدججون بالقتل في الضفة الغربية، ينتشرون على الحواجز العسكرية وينكلون بالمواطنين، ومستوطنون دأبوا على اقتحام وتدنيس الحرم القدسي الشريف، ومدرعات بدأت تجوب المدن الفلسطينية في استعراض واضح يلخص ملامح مرحلة صعبة آتية لا محال، سيضطر الفلسطينيون لمواجهتها على كل الجبهات.. هم ما زالوا تحت صدمة وذهول الحرب التي قبضت على قلوبهم، وأغرقتهم في بحر من الدم في غزة، ورسم تشبيهي لتلك الحرب في جنين وأخواتها في الضفة الغربية، وثمة حراك دبلوماسي ينهض على خجل لتطويق التصعيد، لتبقى الأمور تتأرجح بين انفراج سياسي، أو انفجار ميداني.. وهذه المرة يبدو الأخير.