منوعات

لوحات الفنان نصر شاهر الزعبي.. الإنسان محور التجربة الفنية

 

عمّان ـ 'العُمانية': تستند تجربة التشكيلي الأردني نصر شاهر الزعبي إلى العديد من الأدوات التقنية الواعية، وتكشف عن رؤية جمالية تتجلى في لوحاته التي تعنى بالتوازن اللوني والبنية الفنية ذات البعد التأويلي.


تجمع تجربة الزعبي بين الحس التراثي والاشتغال التقني، إذ يسعى الفنان عبر أعماله إلى بناء خطاب بصري متكامل يستلهم ذاكرة المكان، ويعيد صياغتها بلغة تشكيلية حداثية.


يبدو هذا التوجه مفهوماً بالنظر إلى بيئة الفنان الغنية بالتفاصيل؛ حيث تشكل الطبيعة والعمارة التقليدية والعادات الاجتماعية عناصر فطرية أساسية في تكوينه البصري، وقد تحولت هذه العناصر من أشجار ونباتات وسهول وجبال وأزياء وبيوت قديمة وممارسات شعبية، إلى مفردات فنية في لوحاته تظهر عبر رموز لونية وخطوط تتجاوز المباشرة وتتجه نحو التأويل، وتتعامل مع الذاكرة بوصفها مادة خام يمكن إعادة تشكيلها وإخراجها من إطارها الأرشيفي الثابت.


تتسم لوحات الزعبي بتوازن دقيق بين الكتلة والفراغ، إذ يعمد الفنان إلى ترك مناطق صامتة تمنح العمل إيقاعاً تأملياً وتسهم في توجيه عين المتلقي وصقل ذائقته البصرية، وتتيح له المشاركة في استكمال المعنى المراد من اللوحة.


أما اللون، فيحتل مكانة مركزية في اللوحات التي تحضر فيها الدرجات الترابية الدافئة، إذ يستدعي الفنان البيئة المحيطة بكل ما تشتمل عليه من تضاريس طبيعية وبيوت حجرية، ويعيد صياغة هذه العناصر ضمن بناء تعبيري يمنحها بعداً نفسياً، بينما تقود التدرجات اللونية المشهد باتجاه عمق دلالي يتخفى فيما وراء الألوان.


وتظهر في عدد من أعمال الفنان النزعة الواضحة نحو التجريد غير مقطوع الصلة بالواقع؛ إذ يحتفظ بإشارات دلالية تُبقي المتلقي على تماس مع الموضوع، فيرى المشاهد ورود شقائق النعمان، وملامح النساء القرويات، وتفاصيل البيوت التراثية التي تسبح داخل ألوان لا حدود صارمة بينها، وبتشكيل مبسط يحول تلك الأشكال إلى رموز يمكن قراءتها في سياقات دلالية متعددة، فتظهر مثلاً الورود الحمراء كرمز للتضحية، بينما الحمام يرمز للسلام، والأحصنة للقوة.. إلخ.


تنشغل لوحات نصر الزعبي بالإنسان بوصفه محور التجربة، غير أن هذا الإنسان لا يقدَّم كفرد معزول، بل كجزء من جماعة، أو كامتداد لمكان معين، وتظهر الشخصيات، في الغالب، بحالة سكون أو تأمل، وكأنها تعيش لحظة داخلية عميقة. هذا التركيز على البعد النفسي أضفى على الأعمال بعداً إنسانياً يتجاوز المحلية نحو أفق أرحب.


ولا يغيب البعد الرمزي عن هذه التجربة، حيث تتكرر بعض العناصر التي يمكن قراءتها كإشارات إلى الهوية والانتماء، ففي عدد من اللوحات تظهر النوافذ والأبواب والوجوه المطموسة كدلالات على الذاكرة والغياب والبحث عن الذات. وهذه الرموز لا تُفرض على المتلقي، بل تتيح له التأمل بما يسمح بتعدد أوجه القراءة. ولعل هذا ما يجعل من تجربة الزعبي التشكيلية فريدة، من خلال الموازنة بين الأصالة والتجديد، من غير انغلاق على التراث أو انجراف نحو التجريب الحداثي.