أفكار وآراء

كفاءات بين التعطيل والتبجيل

التغيير سنة كونية لا بد منها، وإن كانت كذلك في الكون عموما فهي كذلك بالنسبة للمناصب الاجتماعية والإدارية، وما تبدل الشخوص على تلك المناصب إلا مؤشر حياة دون ركود، وتكامل دون جحود، كما أنه خير محفز للإنتاجية والتنافسية المطلوبة نهوضا بكل القطاعات.

ولا أعجب من شيء كتعجبي من مجاميع «المدّاحين» الذين يترقبون وصول مسؤول جديد لتبدأ الجماهير بتصنيع المدائح شعرا ونثرا متضمنة أوهاما يعجب منها حتى ذلك المسؤول نفسه إن كان سليم العقل صحيح الوعي؛ فلم يطرأ هذه المسؤول عن العدم، بل هو نتاج الدوائر المجتمعية ذاتها التي تابع فيها وخلالها الكثير من سلبيات تكريس نماذج المسؤول الأعظم الذي لا يصدر عنه خطأ، ولا يعتريه قصور أو ضعف. وهكذا يجتر العامة عادات سلبية طالما انتقدوها، وشكوا جورها عليهم واقعا مرفوضا.

يصل المسؤول -أيّا كانت صفته الإدارية أو الاجتماعية- إلى موقع عمله فتتلقفه المدائح، ولمّا يبدأ بعد حتى خطوته الأولى، وهو المدرك أن جلّ تلك المبالغات بنيت على وهم لا يتكئ على معرفة سابقة، ولا حتى على متابعة حقيقية لمعطيات شخصيته. ومع ذلك السياق الفنتازي المصنوع تصبح مجرد الزيارة الميدانية -التي هي أبسط مهام عمله- إخلاصا استثنائيا وعملا عظيما، بل قد يتجاوز الأمر ذلك إلى الثناء المبالغ به -مصحوبا بالتوثيق تسجيلا- إن صافح ذلك المسؤول موظفا، أو تحدث لمواطن في موقع خدمي يتصل مباشرة بمجال عمله أو محل مسؤوليته.

والحق أقول: إن هذه الظواهر ما كانت ظواهر متوارثة إطلاقا في مجتمعنا العماني، بل المتوارث المعتمد هو العكس تماما؛ حيث تواضع المسؤول وصدق دوائر التواصل حوله دون تبجيل أو تهويل مع حفظ المقام وتقدير المُنْجَز.

ومع تطور وسائل التوثيق وتفشي قنوات النشر والتسويق سهلت مهمة «المدّاحين» الساعين إلى منزلة رفيعة قريبة «جاور السعيد لتسعد»، ليصبح معها ذلك المسؤول هدفا لفضول الكاميرات، وتوثيق الأجهزة المحمولة، حتى خارج أوقات العمل في يوميات اجتماعية لا ينبغي معها انتهاك الخصوصية لتسويق المجاملات وترويج مناقب الممدوح في أنه يهنئ ويعزي ويأكل ويشرب ويضحك ويتكلم!!!

ولا أعجبَ من تفشي دوائر الادعاء وتصنيع الوهم إلا دوائر التلقي لدى الشخص الممدوح ليقع فريسة سهلة في فخ «المديح والتعظيم» وأفخاخ المتابعة تصويرا وتوثيقا، لينشغل بعدها بالتوثيق والتسويق أكثر من انشغاله بالعمل الحقيقي جودة وإخلاصا، كيف يمكن للمرء اجترار كل ذلك التمثيل والتصنع حتى مع شخصيات كانت في تصورنا أبعد ما يمكن عن إمكانية تصديق كل ذلك؟! هل هي نزعة الإنسان عموما للتقدير والثناء؟ وإن كان الأمر كذلك فكيف وكم يستغرق تصديق ذلك وتقبله وتلبسه؟ حتى يتحول الإخلاص إلى نزعة للظهور والعمل الحقيقي إلى أقنعة ثابتة لتسويق أوهام الإنجاز دون تحقق أو تفعيل، ولا يفوّت بعضنا فرصة تبرير «تصنيع المسؤول المعجزة» بأفضليته عن سابقيه؛ إذ قرر المرور على مكاتب موظفيه للتعرف عليهم شخصيا في حين أكمل سابقوه عقدا كاملا أو يزيد دون لقاء بعض موظفيهم، أو أنه قرر اجتماعا دوريا لأقسام مؤسسته ليسمع منهم لا عنهم، لتحديد مجال وصلاحيات موظفيه وفقا لكفاءتهم لا لقربهم أو بعدهم منه، ولما يملك من مهارات لا لما يُزجي من مدائح.

ولكن أليس كل ذلك من أولويات العمل التي تحولت إلى أمنيات مع مسؤولين صنعت مدائح أخرى عزلتهم عن موظفيهم؟ فلِمَ يختار الناس تكرار أخطاء عانوا منها، وتكريس نماذج عطّلت قدراتهم ومهاراتهم يوما ما؟ والغريب أن سياق التصنع والتمثيل الذي تُعنى به هذه المقالة هو أوضح ما يكون اليوم مع تكراره عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل استهلاكي منفّر.

ختاما: التغيير أمر لا مناص عنه إداريا، فـ«لو دامت لغيرك ما وصلت إليك»، لكن الواجب علينا جميعا تقليص حلقات ودوائر المدح والتزلف، وتطويق منازل الرياء والشهرة لإفساح المجال للمخلصين من المسؤولين والجادين من الإداريين تفعيلا لإمكاناتهم واستكمالا لجهود سابقيهم أو تأسيسا لمنجز لاحقيهم، ورعاية لموارد هذا الوطن العزيز الحري بكل الإخلاص حقيقة نافذة، لا شعارات ورياء.

حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية