أفكار وآراء

ماذا لو فعلها الرئيس صدام حسين؟

في التاسع من أبريل الحالي مرّت الذكرى الثالثة والثلاثون للاحتلال الأمريكي لبغداد، وتفكيك الجيش العراقي أقدم جيش نظامي عربي. كان ذلك الحدث المؤلم حلقة في سلسلة طويلة هدفت إلى إفراغ المنطقة من أيِّ قوة قادرة على مواجهة إسرائيل بعد تحييد دول المواجهة التقليدية. وخلال هذه العقود الثلاثة من الألفية الجديدة أُخرجت سوريا من المعادلة، وانخرطت بعض دول الخليج في تطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي مرورًا بـ«محاولة» القضاء على حماس وحزب الله وصولًا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة على إيران. فما يحدث اليوم ليس وليد اللحظة، بل نتيجة طبيعية لمسار بدأ منذ كامب ديفيد؛ فكلُّ خطوة من تلك السلسلة تركت أثرها حتى وصلنا إلى المشهد الراهن؛ إذ إنّ الحرب على إيران امتدادٌ لهذه السلسلة، وقد لا تكون محطتها الأخيرة. لذا من التبسيط عزل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عن الحرب الأمريكية على العراق؛ لأنّ الهدف واحد هو تدمير هذه البلدان لصالح الكيان الإسرائيلي بمساعدة عربية واضحة.

نحن نعلم أنه حين غزت الولايات المتحدة العراق في مارس 2003 كان القرار محسومًا مسبقًا، ولم يكن الأمر مرتبطًا بسلوك الرئيس صدام حسين في تلك اللحظة، ولا بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل - كما روّجت أمريكا، وأثبتت الأيام كذب تلك التهمة -، بل بقرار استراتيجي اتخذته واشنطن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001؛ لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها ومصالح الكيان الإسرائيلي.

مع العدوان الأمريكي الإسرائيلي السافر على إيران دار في خلدي سؤال: ماذا لو كان العراق زمن صدام حسين قد استخدم كلّ أوراقه، فضرب القواعد الأمريكية في المنطقة قبل أن تدخل دبابات المارينز بغداد؟

بما أنّ السؤال افتراضيّ فإنّ الجواب سيكون افتراضيًّا أيضًا. وفي ظني المتواضع أنّ الرئيس صدام لو كان قد فعلها لكان المشهد مختلفًا تمامًا. صحيح أنّ الغزو كان سيحدث على أيِّ حال، لكن الثمن على أمريكا كان سيكون أعلى بكثير؛ فاستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة كان سيعني فتح جبهة واسعة، وإشعال المنطقة بأكملها، وربما دفع واشنطن إلى إعادة حساباتها في مواجهة إيران لاحقًا في الحرب الأخيرة. فلو أنّ العراق أظهر قدرة على إيلام أمريكا لأدركت أنّ مواجهة إيران ستكون أكثر كلفة، وربما كانت ستتردد ألف مرة قبل أن تفكر في ضربها.

كان العراق في ذلك العام يمتلك بعض الأدوات مثل دولة قوية، وصواريخ سكود، وشبكة علاقات شعبية عربية يمكن أن تتحرك ضد الوجود الأمريكي، وقدرة على إثارة الرأي العام الإسلامي عبر خطاب المقاومة، لكنه - للأسف - واجه الغزو الأمريكي بشكل تقليدي، فدخلت القوات الأمريكية بغداد خلال أسابيع، وسقط النظام بسرعة مذهلة رغم تهديدات الرئيس صدام حسين بـ«حرق نص إسرائيل» التي ذهبت سدى.

مع بداية الحرب على إيران كنت أخشى أن تفعل ما فعله العراق من قبل بأن تذهب كلُّ التهديدات أدراج الرياح، ودار نقاش مطول بيني والصديق محمد الذهب حول الصمود الإيراني، وعبّرتُ له عن مخاوفي تلك، فكان رأيه أنّ إيران تختلف عن فنزويلا. وفعلًا صمدت إيران، وأظهرت أنّ استخدام كلّ الأوراق - حتى غير التقليدية - يمكن أن يغيّر قواعد اللعبة؛ إذ جعلت المواجهة شرسة، ووجهت لأمريكا ضربات مؤلمة لم تواجه مثلها عبر تاريخها، وأظهرت للعالم أنّ الحصار الجائر عليها - أكثر من أربعة عقود - لم يمنعها من بناء نفسها، وأنّ حلفاء إيران الإقليميين مثل حزب الله والحوثيين والفصائل العراقية أدوا واجبهم أيضًا تجاه العدو.

وإذن؛ فقد جعلت إيران العدوان عليها باهظ الثمن، وفرضت معادلة ردع جديدة، منها استخدام مضيق هرمز أداة من أدوات الحرب. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين العراق وإيران؛ فالعراق لم يستخدم أوراقه فسقط سريعًا بينما استخدمت إيران كلَّ أوراقها، وصمدت رغم العقوبات والضغوط، وجعلت إسرائيل وأمريكا تحسبان ألف حساب قبل التفكير في مغامرة جديدة مع أيِّ دولة أخرى.

الأهم أنّ الصمود الإيراني لم يقتصر على حماية إيران نفسها فقط، بل أرسل رسالة ردع غير مباشرة هي أنه إذا كانت إسرائيل وأمريكا قد تلقتا ضربات مؤلمة من إيران فكيف سيكون الحال لو فكرتا في مواجهة دولة نووية مثل باكستان التي رأت رأيَ العين هذا الصمود الإيراني؟ إنّ التجربة الإيرانية تجعل أيّ مغامرة أخرى ضد أيّ دولة أخرى في المنطقة أعقد بكثير، وهي غالبًا باكستان على المدى الأقرب؛ لأنّ الدول العربية لا تدخل أساسًا في حسابات إسرائيل رغم أنّ الصمود الإيراني هو في مصلحة هذه الدول لو أنها تعي دروس التاريخ والجغرافيا، لكنها تكرر الأخطاء نفسها في كلِّ مرة «كمن يلعق عظمًا سبق أن لُعق من قبل» حسب مصطلحات الصديق ناصر بن سعيد الرواحي.

والتاريخُ يخبرنا أنه رغم ما تمتلكه الولايات المتحدة من قوة عسكرية هائلة فإنّ تجاربها في فيتنام والصومال ولبنان تكشف حدود هذه القوة عندما تواجه مقاومة محلية شرسة؛ ففي فيتنام، ورغم نصف مليون جندي أمريكي وملايين الأطنان من القنابل انتهت الحرب بانسحاب مذل عام 1975 تحت ضغط حرب العصابات والرفض الشعبي داخل أميركا نفسها. وفي الصومال تحولت المهمة التي سميت «إنسانية» إلى مواجهة دامية في شوارع مقديشو عام 1993؛ حيث أسقطت المروحيات الأمريكية، وسُحبت جثث الجنود في الشوارع في مشهد أجبر واشنطن على الانسحاب السريع. أما في لبنان فقد جاء تفجير مقر المارينز عام 1983، ليؤكد هشاشة الوجود الأمريكي، فاختارت واشنطن الانسحاب بدلًا من الغرق في حرب أهلية لا نهاية لها، ولسان الحال يقول: «الشردة نصف المرجلة». وهذه الأمثلة تبرهن أنّ التفوق العسكري لا يضمن نصرًا طالما هناك مقاومة مشروعة تدافع عن الحق، وأنّ القوة العظمى قد تُهزم حين تفتقد الرؤية الاستراتيجية والقدرة على فهم طبيعة المجتمعات التي تتدخل فيها.

نعود إلى السؤال: «ماذا لو فعلها الرئيس صدام حسين؟». إنه سؤال يدخل ضمن دروس في الاستراتيجية؛ فالمواجهة مع قوة عظمى لا تُكسب بالدفاع التقليدي، بل باستخدام كلّ الأدوات الممكنة لإيلام الخصم، ورفع كلفة الحرب. والعراق لم يفعلها فسقط سريعًا، أما إيران فقد فعلتها، فبقيت - حتى الآن - رغم كلِّ الضربات، ومثلما ذكرتُ سابقًا فإنّ ذلك جعل أمريكا تحسب ألف حساب قبل التفكير في مغامرة جديدة بما يعني أنّ هذا الصمود قد غيّر وجه التاريخ. وإذا كانت إيران لن تعود نفسها قبل الحرب عليها - وهذه حقيقة - فإنّ أمريكا في المقابل لن تكون هي نفسها قبل الحرب، وهذا ينطبق أيضًا على إسرائيل التي تشن الولايات المتحدة حروبًا في المنطقة نيابةً عنها، وقودها دول المنطقة التي لا تتعلم الدرس وتكرّر الأخطاء نفسها.

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.