أفكار وآراء

الدروس المستفادة من الحرب على إيران

استهدفت إسرائيل في ضرباتها المباغتة على إيران في أول أيام الحرب (السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦) رموز القيادة الإيرانية في اجتماعهم بمقر المرشد الأعلى للجمهورية وبرئاسته شخصيا، واستطاعت اغتياله ومن معه، واعتقدت أن ذلك نصر كبير سوف يغير مجرى الحرب ويكون بداية لهزيمة النظام الإسلامي في إيران. لم تكن إسرائيل تعلم أنها بقتل المرشد قد أطلقت العنان لعملية ثأر انتقامية من الحرس الثوري الإيراني طالت المنطقة بأسرها، وفتحت على نفسها بابا، سيكون من الصعب عليها إغلاقه. وجعلت المنطقة والعالم يدفعون ثمنا باهظا وخسائر فادحة أثرت على أمن الطاقة وأسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد والملاحة الدولية في مضيق هرمز.

واستهدفت الولايات المتحدة الأمريكية في ضرباتها الأولى على إيران في اليوم نفسه مدرسة ابتدائية للبنات ذهب ضحيتها ١٧٠ طفلة إيرانية بريئة، وبذلك فقدت تعاطف البشرية جمعاء، وحصدت الإدانات والرفض الدولي لتلك الجريمة.

استمرت الحرب قرابة ٤٠ يوما، اختفى فيها صوت العقل والحكمة والضمير الإنساني، وعلت أصوات الانفجارات والقتل والتدمير. وحبس العالم أنفاسه بعد تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب بمحو الحضارة الإيرانية بأكملها. ما يعني أن الحرب كانت ستدخل مرحلة خطيرة من التصعيد. وتنفس الجميع الصعداء بإعلان جمهورية باكستان الإسلامية الحصول على موافقة الطرفين لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وهي مهلة للتفاوض على المسائل الخلافية.

توقفت الحرب ولم تنتهِ بشكل دائم، ولكن بعد المواجهات الدامية التي كان العالم أجمع شاهدا عليها خلال الأيام الأربعين الماضية، فإنه من المؤمل أن تكون درسا بليغا لمن اختار الحرب وسيلة لحل المشاكل والخلافات، بأن يكف عن العبث بالأمن والسلم الإقليمي والدولي، وأن يعلم بأن الحوار هو السبيل الأفضل والأسلم لحل الخلافات والمشاكل بين الدول.

وأود التطرق إلى عدد من المسائل المستفادة من هذه الحرب:

أولا: مصير المنطقة يجب أن يكون بيد أبنائها وألا يُسمح لإسرائيل العبث بأمن المنطقة واستقرارها، وافتعال الحروب والأزمات والمؤامرات على الدول العربية والإسلامية. ومن المؤمل أن يكون للرباعي الذي تشكل في أتون هذه الحرب بهدف جلب السلام ووقف المواجهات العسكرية والمتمثل في باكستان والسعودية وتركيا ومصر (وقد يتوسع وتنظم إليه دول أخرى)، دورا كبيرا وأن يواصل المسعى الجماعي لوضع أسس وترتيبات جديدة للأمن والاستقرار في المنطقة بما يخدم أبناءها والأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. وأن تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية جزءا فاعلا في هذه الترتيبات.

ثانيا: مضلة الحماية الأمريكية لا يمكن أن تتسع للعرب وإسرائيل معا؛ لأن هذه الأخيرة تسعى لتدمير العالم العربي وتقسيمه والهيمنة على ثرواته وممراته المائية. بمعنى آخر أن إسرائيل تشكل تهديدا وجوديا للعرب جميعا، ناهيك عن القضية الفلسطينية التي تعمل على تصفيتها.

ثالثا: التحالف الإسرائيلي الأمريكي لتحقيق مشروع إسرائيل الكبرى يؤكد أن أمريكا تساند إسرائيل على حساب مصالح الدول العربية وسيادة واستقلال ووحدة أراضيها. وهذا يتطلب مراجعة شاملة للعلاقات بين الدول العربية وأمريكا، على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، والأكيد أن أمريكا دولة كبرى ومهمة ومن الضروري وجود علاقات جيدة ومتوازنة معها، لكن يتوجب عليها كذلك أن تحترم وتراعي مصالح شركائها العرب.

رابعا: إسرائيل مصدر الشرور في هذه المنطقة، فمنذ تأسيسها عام ١٩٤٨م وهي تخوض الحرب تلو الأخرى، وتعتدي بشكل متكرر وممنهج على لبنان وسوريا والشعب الفلسطيني، وتدميرها مؤخرا قطاع غزة ثم جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، وخوضها بعد ذلك حربين متتاليتين على إيران في أقل من عام. وهذا يعني أنها لا تريد السلام الذي قبل به العرب، بل تريد التوسع والتمدد وإقامة مملكة إسرائيل الكبرى من نهر النيل في مصر إلى الفرات في العراق، وبذلك يتضح خطر هذا المشروع على العرب جميعا.

خامسا: على العرب والمسلمين الحذر من الوقوع في الفتنة الكبرى والدخول في خلافات وصراعات مذهبية وطائفية لا طائل من ورائها سوى إضعاف الجميع، وتحويل منطقتنا إلى عصر ملوك الطوائف في الأندلس الذين تناحروا وتحاربوا وتآمروا على بعضهم بعضا حتى ضاع ملكهم جميعا، وانتهت حضارة عمرها حوالي ثمانية قرون قدمت للبشرية الكثير من التطور في مختلف مجالات الحياة ولا تزال آثارها باقية حتى يومنا هذا.

سادسا، العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية يجب أن تكون على قاعدة الاحترام المتبادل والأمن المشترك والمصالح الكبيرة للشعوب على ضفتي الخليج، ولمصلحة الأمن والاستقرار في منطقتنا والعالم، ولا بدّ من الحوار والمصارحة والمصالحة بين الجانبين العربي والإيراني.

وإذا كانت إسرائيل تقول إن إيران تشكل تهديدا وجوديا لها، فإن دولة الاحتلال تشكل تهديدا وجوديا للعالم العربي وإيران معا، وعليه فإنه من الأهمية أن يتحاور العرب والإيرانيون، بحكم التاريخ والجغرافيا والقيم المشتركة، ومن الحكمة فعل ذلك.

سابعا: الأمن القومي مهدد وهو الحلقة الأضعف في الإقليم برمته، ولا بدّ من العمل على حل الخلافات العربية البينية التي أضعفت الدول العربية وشتت جهودها، ومساعدة الدول العربية التي تعاني من أزمات داخلية مزمنة على الخروج الآمن من أزماتها، وتطوير جامعة الدول العربية المؤسسة التي لا يزال العرب يجتمعون تحت مظلتها، وبناء نظام عربي تكاملي وغير تنافسي يصون استقلال الدول العربية وكرامة شعوبها وأمنها القومي المشترك.

إن تحقيق السلام والاستقرار في منطقتنا يحتاج إلى قوة سياسية واقتصادية وعسكرية عربية رادعة، ويجب الاعتراف بأننا ومنذ تأسيس النظام العربي الرسمي في ضوء نتائج الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا (أكثر من ٨٠ عاما) لم نستطع الحفاظ على أمننا القومي العربي المشترك، لأسباب متعددة لا يتسع المجال لشرحها.

وأخيرا فإنه من اللافت تصريحات وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسث الذي أضفى على الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران صبغة دينية عقائدية ووصفها في أحد تصريحاته المثيرة بأنها (حرب من أجل المسيح)، وإذا كان المقصود بالسيد المسيح هو عيسى عليه السلام المولود في مدينة بيت لحم الفلسطينية، فهو يدعو إلى الخير والمحبة والسلام ويرفض الحروب والدمار وقتل الأبرياء. وأصبح جليا وواضحا للعالم أجمع بأن هذه الحرب من أجل رئيس وزراء إسرائيل وبطلب منه وحكومته المتطرفة.

وهجوم إسرائيل الوحشي على لبنان في أول أيام وقف إطلاق النار المشمول به لبنان حسب الاتفاق المعلن دليل آخر يؤكد على همجية وعدوانية إسرائيل وعدم رغبتها في السلام، بل في استمرار حروبها العبثية على دول المنطقة.

د. سعيد بن محمد البرعمي سفير عماني سابق