أفكار وآراء

لماذا الدهشة من حرب أمريكا وإسرائيل الأخيرة؟

ترجمة: أحمد شافعي -

هدَّد رئيس الولايات المتحدة الأسبوع الماضي بارتكاب إبادة جماعية في حق إيران. وفي الوقت الذي تنخرط فيه إسرائيل في قصف مستمر لإيران، أسفر عن مقتل أكثر من مائتي شخص في يوم واحد، لا بد من الحفاظ على الحقيقة، وليس هذا فقط لأنه ما من ضامن لعدم تجدد التهديد. ولكن لأننا بحاجة ـ ونحن ننحدر إلى الهاوية ـ إلى أن نفهم من أين بدأ سقوطنا.

كتب دونالد ترامب يوم الثلاثاء الماضي أن «حضارة كاملة سوف تفنى الليلة، ولن تقوم لها قائمة مرة أخرى». وقبل عام واحد فقط أعلن أن «حضارة قد محيت في غزة». وليس من الصعب تتبع الرابط. كان ترامب يعلم أن إسرائيل سوّت غزة بالأرض، وكان يصر على أنها «ليست مكانا صالحا للحياة». ولما انضم بقواته إلى مرتكب تلك الإبادة الجماعية في حرب غير شرعية لإيران، كان خراب غزة الكارثي قد أصبح هو النموذج.

على مدى عامين ونصف عام، قام ساسة الغرب ومنابره الإعلامية بتطبيع انتهاك إسرائيل الصارخ للقانون الدولي. وحذر خصوم إبادة غزة الجماعية من أن هذا سوف يطلق العنان لعنف لا حدود له. وكانوا على حق.

بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بقتل جماعي لمائة وخمسة وسبعين شخصا، أغلبهم من طالبات مدرسة ميناب. ولما حدث ذلك، لم يظهر الغضب تقريبا في الصفحات الأولى، ولا تعالت من قادة الغرب تنديدات قوية بالقدر الكافي للولايات المتحدة. وذلك ما كان ينبغي أن نتوقعه. فالغرب كان قد طبّع بالفعل قتل أكثر من عشرين ألف طفل فلسطيني، تعرض أكثرهم للحرق وهم في أسرّتهم، وتعرض آخرون لإطلاق نار عمدي في الرأس والصدر والأعضاء التناسلية بحسب ما أفاد به أطباء غربيون عملوا في غزة. والآن تفيد الأنباء بأن أكثر من 763 مدرسة إيرانية قد تضررت أو تدمرت، لكن ألمْ ييسّر الغرب هذا المصير نفسه لكل مدرسة تقريبا في غزة؟

وفقا للهلال الأحمر الإيراني، تعرض قرابة 316 مركزا طبيا أيضا لأضرار بالغة أو لتدمير تام، لكن ألم يطبِّع الغرب الهجوم الإسرائيلي على كل مستشفى في غزة وقتل ما لا يقل عن 1722 عاملا في المجال الصحي؟

ولقد هدد ترامب بتدمير محطات الطاقة في إيران. وتذكروا، في غضون أيام من بداية الهجوم على غزة، كيف أن يوآف جالانت وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك قد أعلن أنه «لا كهرباء، ولا غذاء، ولا ماء» لغزة، مبررا ذلك بأن إسرائيل تحارب «حيوانات بشرية». ولما وجّه ترامب بأن ضرب البنية الأساسية الحساسة جريمة حرب كانت إجابته مماثلة على نحو صادم: «هؤلاء حيوانات».

يعرب الكثيرون الآن عن فزعهم من خطاب ترامب الإبادي، وهم الذين صمتوا خلال سيل التصريحات المماثلة من القادة الإسرائيليين. فقد أعلن قادة من أمثال الرئيس الإسرائيلي إسحق هيرتزوج أن «أمة كاملة هي المسؤولة». وهناك الجنرال الإسرائيلي الذي وصف «مواطني غزة» صراحة بـ«الوحوش البشرية» الذين سيتم «التعامل معهم بناء على ذلك» وتضمن تعامله المقترح «الجحيم». ولم نشهد غضبا آنذاك، فلماذا نندهش حينما يهدد ترامب بأن إيران سوف «تعيش في الجحيم»؟

يتحدى ترامب القانون الدولي صراحة، ولكن القانون الدولي كان مهترئا بالفعل. ارتكبت إسرائيل جرائم حرب في غزة بأسلحة وفرها لها الغرب. ومنذ أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال لقادة إسرائيليين، رفضت دول غربية كثيرة احترام هذه الإنذارات. بل وضعت الولايات المتحدة القضاة على قائمة عقوبات، كما تخلت عنهم حكوماتهم الأوروبية.

تجاهل أغلب القادة الأوروبيين نية إسرائيل الإبادية تماما. وكثير من وسائل الإعلام الغربية لم تتناولها تماما، أو لم تتناولها إلا لماما، ولم تسمّها باسمها، ولما أصبحت النية واقعا، تم تطبيعها هي الأخرى.

كيف وصل بنا الساسة والمنابر الإعلامية إلى ما وصلنا إليه؟ في حالة ساستنا، ثمة كثير من التفسيرات. فالبعض منهم يعتقد أن إسرائيل تخدم مصالح استراتيجية غربية. «فلو لم تكن إسرائيل موجودة، لكان علينا أن نخترعها» كما قال جو بايدن في عام 1986. وهناك أيضا قوة الحشد: ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، أنفقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) 221 مليون جولار منذ ديسمبر سنة 2021، ومما أنفقته تبرعات ضخمة لحملات سياسية.

وأغلب منابرنا الإعلامية تردد منذ أمد بعيد أصداء الخطاب الرسمي للسياسة الخارجية الغربية. لكن لماذا لم يجهر إلا قليل من الكتاب في الغرب بما لديهم؟ ألم يروا أن حياة الفلسطينيين ذات قيمة مساوية؟ لعل ذلك هو السبب في أنه لم يؤد أي عمل وحشي، مهما بلغ من الفظاعة، إلى إثارة رد فعل عاطفي كان ليثيره في ظني لو كان الضحايا ممن يمكن التماهي معهم، سواء كان ذلك مذبحة لمدنيين جياع أثناء طلبهم المساعدة، أم لأطفال مذعورين هاجمتهم الدبابات، أم لمعتقلين يبلغون عن تعرضهم لانتهاك جنسي.

كان جزء كبير من ذلك ناجما عن الجبن؛ فقد قال لي صحفيون إنهم كانوا يخافون من الجهر أن يضير بحياتهم المهنية؛ فقد يفقدون وظائفهم، وقد يفقد المستقلون منهم تكليفاتهم. وقد لا يدعوهم المذيعون إلى البرامج النقاشية. وقد يتلوثون ظلما بتهمة معاداة السامية ومناصرة الإرهاب.

وكانت تلك مخاوف منطقية، فكل هذا حدث. ولم يتكلم غير قليل من الصحفيين في وسائل الإعلام الرئيسية منذ البداية. وأعرف أن كثيرين ممن فعلوا ذلك، في أوروبا والولايات المتحدة، كانوا يعلمون أنهم يخاطرون مهنيا. ولكن ما ثمن الجبن؟ ما تكلفة إعلاء المهنة والسمعة على حياة ما لا حصر لهم من الفلسطينيين إذ يتعرضون للقصف، والقتل، والتجويع؟

ثمن ما فعله الساسة ومنابر الإعلام في الغرب وما لم يفعلوه هو الذي يدفعه الآن المدنيون في لبنان. ففي الأسبوع الحالي، أطلقت إسرائيل مائة غارة جوية خلال عشر دقائق على لبنان، مدمرة منازل وبنية أساسية مدنية وهي تعلم أنه ما من عواقب حقيقية لذلك.

وسوف يستمر دفع الثمن في سنين تالية من المجازر والدمار. فحينما نطبّع البربرية تمام التطبيع، وحينما يمحى الخط الفاصل بين المسموح به وما لا يمكن التفكير فيه، يستحيل إعادة رسمه مرة أخرى. وما كان في يوم من الأيام أمرا لا يمكن قوله، وما كان لا يمكن التفكير فيه، يتحول إلي سياسة متبعة. وما من سبيل للرجوع عن ذلك. ولن تكون الأهوال القادمة مقصورة على الشرق الأوسط. وحيما ترتفع أصوات أولئك الساسة وتلك المنابر الإعلامية بالغضب بعد فوات الأوان، سيكونون هم الذين أسهموا في صنع ذلك العالم.

أوين جونز من كتاب الرأي في صحيفة ذي جارديان.

عن ذي جارديان البريطانية