لماذا سيصمد وقف إطلاق النار مع إيران؟
الاحد / 23 / شوال / 1447 هـ - 21:47 - الاحد 12 أبريل 2026 21:47
وكان مآل من هذا النوع مرجّحا منذ البداية، لأن بنية اللعبة نفسها كانت تقيّد قرارات اللاعبين، حتى وإن كانوا لاعبين غير تقليديين إلى هذا الحد، مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة الجمهورية الإسلامية.
للحروب ثلاث مراحل: افتتاحية، ومرحلة وسطى، ثم مرحلة ختامية. وكما في الشطرنج، تقوم الافتتاحية على نشر القوات والاشتباك مع الخصم. فإذا لم يفض ذلك إلى نصر سريع، انتقلت المواجهة إلى المرحلة الوسطى، حيث يتبادل الطرفان الضربات ويحاول كل منهما إرغام الآخر على الاستسلام. ومع تبلور اتجاهات المعركة ووضوح مساراتها، يبدأ الشكل التقريبي للنتيجة المنطقية في الظهور، فتدخل الحرب مرحلتها الختامية، حيث تُصاغ تفاصيل التسوية النهائية وتُحسم.
في الحالة الإيرانية، بدأت المرحلة الختامية مع تهديد ترامب بإلحاق دمار هائل إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز، وسوف تستمر إلى أن يتوصل المتحاربون إلى اتفاق مستقر ينهي الأعمال العدائية. ومن المرجح أن يصمد وقف إطلاق النار للسبب ذاته الذي دفع إلى القبول به أصلًا: كلا الطرفين كان يتألم، وكان سيعاني أكثر بكثير لو استمرت الحرب في التصعيد بدلًا من التوقف.
دخلت إدارة ترامب هذه الحرب وهي واثقة من أن الصراع سيكون سريعا ورخيص الكلفة نسبيا، وأن إيران لن تكون قادرة على الرد، أو لن تكون راغبة فيه. لكن أيا من هذين الافتراضين لم يثبت صحته. ومع استمرار القتال، بدأت الحرب تبدو أقل شبها بالشطرنج، وأقرب إلى لعبة قاتلة تُعرف باسم «مزاد الدولار»، وهي لعبة توقع المشاركين فيها في فخ تصعيد غير مجد.
وفكرة اللعبة بسيطة: يتنافس لاعبان بالمزايدة على جائزة قيمتها دولار واحد، على أن يلتزم كل منهما بدفع آخر مبلغ عرضه مهما تكن النتيجة. في البداية، يزايد الطرفان بحماسة أملا في تحقيق ربح. لكن مع ارتفاع السعر، ينغلق الفخ. فاللاعب الأول الذي يزايد بدولار واحد يخرج متعادلًا، من دون ربح أو خسارة. أما اللاعب الآخر، فيكون قد خسر تقريبا قيمة آخر عرض قدّمه، ولذلك يجد نفسه مدفوعا إلى رفع المزايدة قليلًا، إلى دولار وخمسة سنتات مثلًا، على أمل أن يخفف خسارته إلى خمسة سنتات فقط. غير أن المنطق نفسه ينطبق عندها على اللاعب الأول، فيندفع هو الآخر إلى رفع عرضه. ومن تلك اللحظة، تفقد اللعبة أي نقطة توقف داخلية؛ تتراكم الأكلاف بلا طائل ظاهر، ويواصل الطرفان رفع الرهانات واحدا بعد آخر، إلى أن ينسحب أحدهما أو ينزف الاثنان معا.
كثيرا ما تتحول الحروب إلى «مزادات دولار» لأن الأكلاف تتصاعد بلا هوادة على الجانبين كلما استمر القتال. ويدفع المتحاربون الثمن تدريجيا على امتداد الطريق، وغالبا ما تكون الكلفة النهائية أعلى بكثير مما كانوا يعتقدون في البداية أن الهدف يستحقه. وبحلول أواخر مارس، حين بات واضحا أن أيا من الطرفين لن يرضخ بسهولة، بلغت الحرب مع إيران نقطة الانعطاف، ودخلت منطقة الخسارة بالنسبة إلى الجميع.
إن «مزاد الدولار» لا يفضي إلى نتيجة محددة أو قابلة للتوقع سلفا. وكما يلاحظ الاقتصادي مارتن شوبيك: «يبدو أن مسار اللعبة يعتمد، على نحو شبه كامل، على علم النفس الاجتماعي للاعبين، أو على عوامل أخرى غير مصرّح بها في البيئة التي تُلعب فيها». في هذه الحالة، كان «العامل غير المصرّح به» هو قدرة كل طرف على إلحاق ضرر استثنائي بالآخر: الولايات المتحدة عبر قوتها الجوية، وإيران عبر ضرب البنية الاقتصادية التحتية في أنحاء الخليج. وهكذا نشأ وضع من الردع داخل الحرب نفسها، حيث أحجم الطرفان عن استخدام أسلحتهما القصوى خشية أن يقدم الطرف الآخر على الشيء نفسه.
أما إنذار ترامب، حين هدّد بأن «حضارة كاملة ستموت» إذا لم تستسلم إيران، فكان على الأرجح أقرب إلى الخدعة منه إلى التهديد القابل للتنفيذ، لأن المضي في مثل هذا التهديد الاستثنائي كان سيحمّل الولايات المتحدة كلفة باهظة للغاية، ويعرّض حلفاءها في الخليج لمخاطر جسيمة، وهم بقوا عرضة لهجمات إيرانية مضادة. غير أن الإيرانيين لم يكونوا قادرين على الجزم بأن ترامب سيتراجع، لأن الجميع يعرف أن أداءه لشخصية «المجنون» ليس تمثيلًا كاملًا. ومع إحجام الطرفين عن تحويل الحرب إلى مواجهة شاملة، تراجعا معا عن الحافة. وعند تلك النقطة، بدأت المرحلة الختامية للحرب بصورة فعلية.
حين وافقت الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق النار، كانتا تقرّان، ولو ضمنا، بأن أيا منهما لن يتمكن من انتزاع كل ما يريد من هذه الحرب. غير أن فئة «التعادل» واسعة جدًا، وتمتد على مساحة كبيرة بين النصر والهزيمة، ولهذا فإن الطريقة التي ستُدار بها المرحلة الختامية تكتسب أهمية حاسمة. ففي المفاوضات الجارية في باكستان، سيحتاج الطرفان إلى التوصل إلى حلول وسط لجملة من القضايا، من بينها البرنامج النووي الإيراني، والبرنامج الصاروخي، والعقوبات الأمريكية، وترتيبات الملاحة عبر مضيق هرمز، والدور الإيراني الإقليمي المزعزع للاستقرار، والعمليات الإسرائيلية في لبنان. والفجوات بين مطالب الجانبين واسعة إلى درجة تجعل بعضهم يعتقد أن المفاوضات ستنهار وأن وقف إطلاق النار سيتفكك. ومع ذلك، يعرف الطرفان أن العودة إلى الحرب ستعيدهما إلى الجحيم ذاته الذي خرجا منه للتو: كلفة تتضخم باستمرار، وعوائد تتضاءل، وخيارات تزداد سوءا.
قد تنجح دبلوماسية بارعة في استخدام هذه المحادثات لوضع أسس بنية أمنية إقليمية أكثر ديمومة. وهذا تحديدا من النوع الذي كان هنري كيسنجر بارعا فيه. لكن مع غياب شخصيات من طرازه في المشهد الحالي، فإن رفع سقف التوقعات إلى هذا الحد سيكون خطأ. والنتيجة الأكثر ترجيحا هي مزيج من التسويات الجزئية وترحيل القضايا الشائكة، بما يحقق قدرا كافيا من النتائج العملية لاستئناف ما يشبه النشاط الاقتصادي الطبيعي في منطقة الخليج، حتى مع بقاء أكثر الملفات إثارة للخلاف من دون حل.
وعندما ينقشع الغبار، من المرجح أن تحتفظ إيران بإمكانات تتيح لها الإبقاء على شكل من أشكال البرنامج النووي، لكن الولايات المتحدة ستنجح على الأرجح في انتزاع بعض القيود عليه. أما ما إذا كانت هذه القيود ستكون أشد أو أخف من تلك التي نصّ عليها الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة عام 2018، فذلك ما لم يتضح بعد. وسيُرفع بعض العقوبات المفروضة على إيران، بينما قد يستمر بعضها الآخر. ومن المرجح أن تُستعاد حركة عبور السفن عبر مضيق هرمز، لكن وفق شروط جديدة ستصب، على الأرجح، في مصلحة إيران سيزيد العامل الإسرائيلي المشهد تعقيدا بدرجة كبيرة، لأن مصالح الإسرائيليين والأمريكيين ليست متطابقة. فإيران ستسعى إلى أن يفرض الاتفاق قيودا على إسرائيل، بينما ستسعى إسرائيل إلى الاحتفاظ بحرية الحركة لمواصلة عملياتها في لبنان ومناطق أخرى. وستجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في المنتصف، مضطرة إلى التفاوض مع عدوها وحليفها في آن واحد. وهذا ليس أمرا غير مألوف؛ فقد حدث شيء مشابه خلال مفاوضات المرحلة الختامية في الحرب الكورية وحرب فيتنام، حين كانت سيول وسايغون تميلان إلى مواقف أكثر تشددًا من واشنطن.
لكن، مهما جرى على الجبهة الإسرائيلية، فإن الولايات المتحدة وإيران لن تسمحا له بتعطيل المسار الأساسي لتعاملهما المباشر، لأن الرهانات بينهما أكبر من أن تُرهن بهذا الملف وحده.
في المحصلة، ستكون الحرب قد حققت لواشنطن أهدافها العسكرية الدنيا، لكنها لن تحقق أهدافها الاستراتيجية الأكبر. فالقضايا الجوهرية التي تفصل بين المتحاربين ستظل، إلى حد بعيد، من دون حل، وسوف يعود الجميع إلى ملاحقتها بوسائل تقع دون مستوى الحرب المفتوحة، بما في ذلك العمليات السرية. أما النظام الإيراني فسيبقى قائمًا، لكن بعد أن تكون طبقته القيادية قد تعرضت للاستنزاف، وقدراته قد تلقت ضربات قاسية. وستظل التوترات الإقليمية تتخمر، فيما يظل جميع الأطراف يتساءلون: هل ستندلع مواجهة جديدة؟ ومتى؟
وقد يتساءل الأمريكيون إن كان الأمر كله يستحق هذه الكلفة. الإسرائيليون يطلقون على مثل هذه العمليات تعبير «جزّ العشب»، وقد اعتمدوا هذا النهج على مدى أجيال في التعامل مع التهديدات الآتية من لبنان وغزة. والحكم على حكمة هذا الأسلوب وجدواه يتوقف، في النهاية، على مقدار الخوف مما يختبئ في العشب الطويل، وعلى الثمن الذي يكون المرء مستعدًا لدفعه في سبيل حديقة مشذبة. أما الاستراتيجيون الأمريكيون، الذين ينظرون إلى التهديد الإيراني بوصفه ملفا واحدا بين ملفات متعددة، ويتحملون مسؤوليات أوسع من نظرائهم الإسرائيليين تجاه النظامين الإقليمي والعالمي، فقد مالوا عمومًا إلى تجنب هذا النهج. وما لم تُفضِ المفاوضات في باكستان إلى نتائج استثنائية، فإن الكلفة العالية والعائد المحدود لما وصفه ترامب بأنه «نزهة صغيرة» سيكرسان شكوكهم حيال هذا المسار.
جدعون روز زميل أول مساعد في مجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب كيف تنتهي الحروب.
عن فورين أفيرز خدمة تربيون