لبنان.. عن "حيّ السلّم" الذي قتله فقره مرّتين!
الاحد / 23 / شوال / 1447 هـ - 19:01 - الاحد 12 أبريل 2026 19:01
بيروت- وفاء عواد
مشهد أوّل: منذ 8 من الجاري، أي منذ ليل 'الأربعاء الأسود'، لا يزال الطفل جواد علي أحمد تحت أنقاض ما هدّمته آلة الحرب الإسرائيلية في منطقة حيّ السلّم - الضاحية الجنوبيّة لبيروت، حيث البيوت لم تعد بيوتًا، والأصوات لم تعد تلقى صداها.. أمّا والدته، فلا تزال تحمل صورته. تعدّ الدقائق كأنها أعمار. تنتظر، وتجيب كلّ من يأتي لمواساتها أو لتعزيتها بصوت مكسور، لكنه مثقل بالأمل: 'لم أدفنه بعد'.. فكيف تُدفن روح ما زالت عالقة بين حجر ونبض؟ وكيف يُكتب الوداع في قلب أمّ ترفض الاستسلام؟
مشهد ثانٍ: أشرف فوّاز الفوعاني، مثله مثل الكثيرين الذين تركوا قراهم وبلداتهم في البقاع والجنوب، بحثًا عن لقمة عيش كريمة في بيروت وضواحيها. عاش كفافه عاملًا يوميًا بسيطًا، وكان يكفيه غرفتان في 'حيّ السلّم'، أحد أكثر أحياء ضاحية بيروت فقرًا واكتظاظًا. قتلته الظروف الصعبة، وقتلت عائلته من قبل، بالتقسيط اليومي المملّ، كما قتلت الكثيرين.. وليل 'الأربعاء الأسود'، أنهت إسرائيل المهمّة، في المجزرة الدامية التي ارتكبتها، فقتلته وأولاده الخمسة، في منزل 'عتيق' استحال ركامًا، فوقه طبقات ستّ، كـ'هدف إستراتيجي' من أهداف عدوانها، المتلهّي حتى تاريخه باختيار عشوائي لمسارح الجرائم والضحايا، من دون سابق إنذار أو تحذير.
أمّا اليوم، فقد بات لأشرف ولأولاده بيت صغير في منطقة الهرمل في أقصى شمال شرق لبنان، مؤلف من 6 غرف، ليرتاحوا أخيرًا ويضمّهم تراب يعرفهم ويعرفونه، وإنْ هجروه يومًا مرغمين. وذلك، في مشهد التقى بوقعه المؤلم مع مشهد عائلة حسين علّام وزوجته فاطمة وابنتهما ياسمين، المنحدرين من الهرمل أيضًا، بعدما استهدفت الغارة منزلهم في مكان آخر من المنطقة ذاتها وسوّته أرضًا، ما أحاله شاهدًا على عائلة شُطبت من السجلات، ولم يبقَ منها من يروي الحكاية.
حكاية 'أشباه بيوت' متلاصقة ببعضها البعض، وقد عفا عليها الزمن، يذيع صيتها في الأزمنة الصعبة، في أحياء وزواريب تضمّ خليطًا من المتناقضات، ما يجعلها أقرب إلى 'قنبلة موقوتة' تتطاير شظاياها مع كلّ أزمنة عابرة. أكثر من فقر وأصعب من حرمان في بقعة يصحّ وصفها بأنها خارج حدود الحياة.. مئات العائلات اللبنانية، إضافة إلى غيرها، تعيش في زواريب هذه البقعة الجغرافيّة الصغيرة، والتي لا يخفي الفقر وجهه فيها أمام غنى جاراتها من المناطق القريبة. زواريب لا يلتفت إليها مسؤول، ولا يرصد أوضاعها كثيرون.
حبال صغيرة لنشر الغسيل هنا، وكاراج هناك، ودكان هنالك.. أسلاك كهربائية متشابكة ببعضها البعض تسبح في الفضاء، وتحجب القليل من أشعة شمس النهار. جميعها موزّعة بشكل عشوائي ودون أبسط قواعد التنظيم، وهذا ما يقود زائر المكان إلى التساؤل: كيف تصل الكهرباء إلى هنا؟ وكيف يعرف السكّان خطوطهم؟ سؤال تعدو الإجابة عليه غاية في السهولة لدى قاطني المكان، إذ إن الخبرة التي اكتسبوها على مدى سنوات أتاحت لهم التعامل بسلاسة مع هذه الأسلاك الموزّعة بين عشرات الأنواع والألوان والأشكال. وذلك، في مشهد لم يخرج عن سياق الأماكن التي توزّعت عليها الغارات، إذ وبحسب الحاجّة 'أم سعيد': 'ضربوا حيّ السلّم قرب مدرسة الغزالي، وبشارع عروة، وبالسوق حدّ البعلبكي، وحدّ جامع العرب، وتعاونية ناصر الدين'، و'ما حدا انجرح. كلّن استشهدوا. ونحنا عم نحاول نبقى'.
'نبض المتعبين'
وما بين المشهدين، لا يزال 'حيّ السلّم'، القابع على ما يزيد عن 40 عامًا من الحرمان، يعيش مأساة إنسانية قاسية منذ الأربعاء الفائت. مأساة لم تُحصر في مكان جغرافي واحد، بعدما تمدّد الموت وتبعثر الناجون والأشلاء، بفعل أكثر من غارة في أقلّ من 10 دقائق، وفاجعة مفتوحة تخطّت حدود الأرقام.. 60 شهيدًا، هم طبعًا ليسوا خبرًا عاجلًا يمرّ على الشاشات، وجرحى لا يزال عددهم مغيّبًا أو مجهولًا.. وكثيرون لا يزالون مفقودين تحت الركام، لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد. وهؤلاء ليسوا أرقامًا بالطبع. هم صوت آمنة الذي لم ينقطع، وحلمها الذي ما زال تحت الركام ينتظر. أمّا عدّاد الموت، فلم يُقفل بعد في حسابات من منعتهم الضائقة المالية من ترك منازلهم والنزوح إلى أماكن أخرى، بسبب عدم وجود خيارات بديلة. 'مأساة وفقر وتعتير.. وراك وراك، والزمن طويل، وبعده الحبل عالجرّار'. هكذا يختصر 'أبو وسام' صورة المنطقة التي أُجبر على العيش فيها منذ 23 عامًا، ولم يهنأ بها يومًا، ولا يعرف إنْ كانت النجاة في الطريق. هو يعرف فقط أن عليه أن يتمسّك بالحياة، وحيدًا بين الخوف والرجاء، إلى أن يتسنّى له يومًا العودة إلى 'الخيام'، ضيعته التي غادرها قسرًا.
وما بين المشهدين أيضًا، وخلال لحظات، استحال 'حيّ السلّم'، المعروف بكونه 'عاصمة الفقراء' و'نبض المتعبين'، ببعض بيوته المنسيّة تحت رحمة 'التنك' والخشب، من 'منطقة آمنة' نوعًا ما إلى ساحة للنار والدمار، وإلى خبر عابر، وصمت رسمي قتل سكّانه مرّتين.. 5 غارات متتالية مزّقت المكان. دماء هُدرت، أناسٌ دُفنت تحت الصمت قبل الركام، وجعٌ 'قُصف' وتُرك وحيدًا، دمار هائل وخسارات لا تُعدّ ولا تُحصى، والزجاج يملأ المكان. وكأنّ معاناة من تركتهم آلة الحقد الإسرائيلي تحت الركام من دون صوت لا تستحقّ أن تُرى أو تُنقل عبر الشاشات. فـ'الغياب التامّ للإعلام لم يكن حيادًا، بل شراكة في طمس حقيقة الجريمة التي لم يتسنَّ لأحد رؤيتها'، تقول إحداهنّ.
.. ومأساة مزدوجة
أما المشهد الأقسى في زواريب 'حيّ السلّم' وعشوائياته، فأيدٍ عارية لا تزال تنبش في العتمة عن أنفاس أخيرة، أو عن بقايا جثامين في المباني المتهالكة. وما من جرّافة واحدة لرفع الأنقاض ومساعدة العالقين في بعض الأماكن التي طاولها القصف، وتحولت فجأة إلى كومة ركام، كأحياء 'مدينة العبّاس' التي لم يتركها سكّانها حتى اليوم على الرغم من التحذيرات الإسرائيلية اليوميّة، والتي هي عبارة عن آلاف الوحدات السكنيّة المتلاصقة، في زواريب ضيّقة لا يتعدّى عرض الواحد منها المترين على أبعد تقدير، وكأنها بقعة إسمنتيّة يصعب على أشعة الشمس اختراق شرفاتها.. أو حكاياتها التي هي بحجم 'الانتقائية في الدمّ'، وفق تعبير إحداهنّ، مؤكدة أن 'شهداء حيّ السلّم لم يسقطوا على الهامش، بل سقطوا في قلب الوجع اللبناني، وأوجعوا قلوب الكثيرين'. وأبعد من ذلك، كتب أحدهم: 'ربما كثيرون لم يعرفوا لا ما حصل ولا من مات، ولا ما هو حيّ السلّم وأين يقع'.
وهكذا، تبدو الحرب في قصصها المرويّة: أسماء تختفي من السجلّات. صورٌ عائليّة تتحوّل، بين غمضة عين وانتباهتها، إلى آخر دليل على أن حياة كاملة كانت هنا يومًا، قبل أن تتحوّل إلى ركام.. وأسئلة تبقى غالبًا معلّقة من دون أجوبة، ومفادها في هذا المشهد: ماذا بعد عملية 'الظلام الأبدي' التي طاولت هذه البقعة الجغرافيّة المنسيّة؟ كيف تُرمَّم زواريبها كلّ هذا الغياب؟ كيف تعيد للهواء معناه، وقد صار مثقوبًا بالسموم؟.. وماذا بعد الصمت الذي قتل سكّانها مرّتين؟!