فيلم الحصيلة.. حين تصبح شهرة الممثل الهوليوودي سببا في عزلته
الاحد / 23 / شوال / 1447 هـ - 18:53 - الاحد 12 أبريل 2026 18:53
طاهر علوان -
في حياة الممثل الغارق في الشهرة كثير مما يقال عن تحولاته وأهوائه وعلاقته بجمهوره، وكيف تكون الشهرة سلاحا ذا حدين. ففي مقابل الترف والشهرة هنالك الملاحقة اليومية لجمهور متعطش، وهنالك المنغصات والغرق في الملذات، وهو الذي ما يلبث أن يُحيل إلى الاستغراق فيما هو أبعد باتجاه تعاطي المؤثرات العقلية.
في هذا الفيلم للمخرج جونا هيل، وهو نفسه كاتب السيناريو ومشارك في التمثيل، يقدم شخصية ريف هاوك (الممثل كيانو ريفز)، وهو ممثل بارع وموهوب نمت تجاربه وصار يحصد النجاحات والشهرة حتى يصل إلى مفترق طرق؛ إذ إنه لا يمكن أن يستمر في ذات المسار، فيضطر إلى الدخول إلى عالم الإدمان الذي سوف يهرب بواسطته عن الواقع، ويتلقى العلاج طيلة خمس سنوات، حتى إذا انتقلنا إلى الحياة الطبيعية، وهو العائد إلى المحيطين به، فإذا هو يعيش غربة قاتلة.
يتألق خلال ذلك كيانو ريفز وزميله في التمثيل والإخراج والكتابة جونا هيل، وهما يُعيدان النظر في شخصيتيهما وأجواء عالم هوليوود المُعقّد الذي يعملان فيه، ومن خلال سرد يوميات الممثل الشهير المأزوم الذي لا يجد أمامه سوى أن يُكفّر عن عقود من السلوك السيئ، عندما كان يتمادى مستغلا شهرته، بينما يحاول إظهار نفسه كأكثر الممثلين لطفا وتواضعا في هوليوود، وهو سلوك مزدوج ولا يخلو من النفاق.
وللمضي في هذا المسار فلا بأس من العودة إلى طفولة ريف هاوك؛ حيث نشاهد ذلك الطفل الموهوب الذي يرفض أية هواية أخرى عدا التمثيل الذي سوف يجد نفسه فيه، وهكذا يتدرج حتى وصوله إلى سن الخمسين؛ حيث تقع الأحداث الدراماتيكية التي تتعلق بالإدمان ثم العودة إلى الواقع.
تتشعب حياة ريف الاجتماعية، وخاصة بعد فترة توقفه عن العمل دامت خمس سنوات، تخلص خلالها من إدمان الهيروين بدعم من صديقيه المقربين منذ أيام الدراسة الثانوية، كايل (كاميرون دياز)، التي شاركت ريفز بطولة فيلم 'فييلينغ مينيسوتا'، وزاندر (الممثل مات بومر). هنا يصبح ريف شخصا مختلفا، مطلوبا بكثرة في المقابلات التلفزيونية، ومستعدا للعودة إلى الأضواء. لكنه ملاحق بشعور غريب، هو نوع من جنون الارتياب.
هذا التشظي في علاقاته الاجتماعية سوف يشمل أقرب الناس إليه، والدته وصديقيه المقربين ومحاميه وطليقته، وعندما يعود من ذلك العالم الانعزالي الذي يعالج فيه، يجد نفسه غريبا عن الجميع إلى درجة التقاطع. هنا يبرع المخرج في تقديم نفسه ممثلا، فضلا عن تقديم مارتن سكورسيزي بوصفه مدير أعمال ريف هاوك في مرحلة من مراحل حياته، ويكتشف ريف أن ذلك الرجل الذي واكبه وشجعه إيمانا منه ببراعته وموهبته لطالما أساء إليه، وهنا يجدها فرصة لتقديم اعتذاره والتعبير عن المعاناة بسبب عجرفته وتهوره، وهو ما يجد في مقابله تسامحا من طرف مدير أعماله المتوازن والمتفهم لأبعاد الأزمة.
روعة أداء الرباعي المتميز: كيانو ريفز وكاميرون دياز ومارتن سكورسيزي وجونا هيل، شكلت علامة فارقة، وخاصة أن ريفز بدا أكثر نضجا وأعمق تعبيرا قياسا بأفلامه السابقة، وهي خطوة تُحسب إلى المخرج، لا سيما وأنه سوف يحرك لدى المشاهد الرغبة في التعرف على مخرج عملاق هو مارتن سكورسيزي، وإذا هو ممثل أمامه.
حظي الفيلم باهتمام نقدي ملحوظ؛ حيث نشرت العديد من المقالات النقدية عنه، نذكر منها ما كتبه الناقد جون سيربا في موقع ديسايدر؛ حيث يقول: 'يمتلك هذا الفيلم إمكانية أن يكون عملا ساخرا، إلا أنه يغيّر مساره السردي على أنه دراما كوميدية، وفي ذات الوقت فإنه يحرص على تقديم رؤى من داخل فقاعة هوليوود وأجوائها المخملية.
من جانب آخر، هنالك الخشية من أن ينفر جمهور النجم، وخاصة من الذين لا يعرفون حقيقة معاناته ومرارة التعرض للأضواء، وحيث تبذل الشخصيات الأخرى قصارى جهدها لإضفاء بعض الروح على شخصية ريف التي استقرت أخيرا بعد سنوات من السلوك المشين'.
أما الناقد زولر زيتز فقد كتب في موقع روجر إيبرت: 'إن هذا الفيلم هو مزيج من الكوميديا والدراما ودراسة الشخصية، وهو أيضا، نظريا، فيلم ساخر عن عالم الفن ووسائل التواصل الاجتماعي ومخاطر الشهرة، وهي مواضيع ربما تكون قد تكررت في أفلام أخرى ومسلسلات تلفزيونية، إلا أن ميزة هذا الفيلم أنه يتناوب بين مشاهد تُصوّر هوليوود كجنة للنرجسيين، والتي تبدو ظاهريا مثيرة للسخرية، لكنها في الباطن والمخفي في صورة أخرى مختلفة تثير فضول المشاهدين. ولابد من الإشارة إلى أداء سكورسيزي التمثيلي، فهو متقن، ودقيق، وسلس، ومعبّر، لدرجة أنه لا يرتقي فقط إلى مستوى أبرز زملائه الممثلين، بل يُعتبر أحد أهم أسباب نجاح هذا الفيلم'.
تبرز خلال مسار الأحداث الفيلمية تحولات استثنائية، منها تلك اللحظة التي يكتشف ريف أنه معرض إلى فضيحة بسبب أخطاء كان قد ارتكبها وهو في مرحلة الإدمان، ولهذا يتعرض إلى نوع من الابتزاز الذي يكاد أن يدمر حياته ويعيده إلى ذات المربع المأساوي السابق، أو أن يدفع تعويضا ضخما. في هذه اللحظة الحرجة من حياة ريف، يرن هاتفه، ويظهر على شاشة المتصل اسم 'إيرا - محامي الأزمات'، أن جهة مجهولة تبتزه مهددة بنشر فيديو فاضح.
ريف لا يعرف شيئا عن محتوى الفيديو أو من قد يكرهه لهذه الدرجة. يذكر بعض الأسماء المحتملة لأشخاص ربما يكون قد أساء إليهم، لكن مساعدته الشخصية (آيفي وولك) تقاطعه بقائمة طويلة من الأشخاص الذين تضرروا بسببه.
اقترح إيرا على ريف أن يعتذر لكل من أساء إليه في الماضي. كان يعتقد أن أحدهم ربما يفعل ذلك بدافع الحقد، وإذا حاول ريف إصلاح علاقاته سريعا، فربما لن ينشر الفيديو المسيء. وهكذا، بدأ ريف في استحضار ماضيه، وفكر في كل من ربما آذاهم، وقرر أن يقابلهم فرادى ويعتذر لهم.
كان أول شخص في القائمة هو ريد رودريغيز (سكورسيزي)، مدير أعماله الأول. كان ريد يعمل من صالة بولينج في مجال إدارة الممثلين الأطفال. لم يتوقع ريد أن يسمع من ريف بعد كل تلك السنوات. كان فخورا به، وعندما التقيا، عبّر عن مدى صعوبة تقبل ابتعاده عن السينما والتمثيل، وبدا لريف كم كان هو سلبيا وأنانيا وسيء الظن، في مقابل توازن وإنسانية رودريغيز.
لم يكن ذلك إلا واحدا من بين الشخصيات التي توالى ظهورها في عالم ريف، ومن خلالها كانت تتجلى طباعه وثغرات شخصيته ونزقه، كل ذلك في سياق إيقاع فيلمي جدير بالتقدير على بساطة أحداثه وكثرة حواراته.
......
إخراج/ جونا هيل
تمثيل/ كيانو ريفز، كاميرون دياز، مارتن سكورسيزي، جوناه هيل، مات بومر، سوزان لوسي، ويكر وايت
سيناريو/ جوناه هيل
مدير التصوير/ بونوا ديبي
موسيقى/ جون بريون
إنتاج/ ستوديو آبيل