النساء وسط تداعيات الحرب
السبت / 22 / شوال / 1447 هـ - 22:43 - السبت 11 أبريل 2026 22:43
تتعرَّض المنطقة العربية إلى العديد من الحروب والنزاعات الجيوسياسية والاقتصادية والثقافية التي أثَّرت سلبا على الكثير من مناشط الحياة الاجتماعية والإنسانية في المجتمعات الواقعة في عمق تلك النزاعات أو تلك التي تنعكس عليها النتائج التي تخلفها؛ فالحروب تترك أضرارًا واسعة النطاق سواء على المدى القصير أو البعيد؛ ذلك لأن القتل والتدمير والصراع والعنف لا يمكن تجاوز نتائجه بسهولة حتى بعد انتهاء تلك الصراعات.
إن أعمال العنف والتدمير التي تواجهها المجتمعات المتنازعة وتلك الواقعة تحت وطأة الحروب تخلِّف تداعيات اقتصادية واجتماعية ونفسية تحتاج إلى الكثير من العناية لمحاولة تجاوزها، وهذا ما تكشفه العديد من التقارير التي رصدت في دول النزاعات. ولعل النساء والفتيات والأطفال من أكثر المتأثرين بتداعيات تلك الحروب؛ حيث يواجهون أثناءها مظاهر العنف الجسدي والنفسي إضافة إلى التهجير والنزوح؛ وبالتالي الفقر والمرض نظرًا لصعوبة وصول الخدمات الإنسانية إليهم.
والنساء والفتيات بشكل خاص يتعرضن للعديد من أشكال العنف والانتهاكات أثناء الحروب إضافة إلى فقدان المعيل، الأمر الذي يضطرهن إلى تحمُّل المسؤولية الاقتصادية والأسرية في ظروف شاقة يسودها الفقر والحاجة والمعاناة الصحية خاصة إن كُنَّ حوامل أو مرضعات أو يعانين من الأمراض.
ولهذا فإن هذه التداعيات تؤدي إلى صدمات نفسية واجتماعية عميقة تزيد من شدة تلك الظروف، وتجعل من سبل عيشهن غاية في الصعوبة، فتلجأ العديد منهن إلى أساليب حياة غير مشروعة كالتسوُّل من أجل تأمين لقمة العيش لها ولأطفالها.
كشف صندوق الأمم المتحدة للسُكَّان (UNFPA) في تقرير له في السابع من أبريل الحالي بعنوان (نداء للعمل؛ جعل غير المرئي مرئيا) عن الآثار التي تخلفها الحروب والنزاعات المختلفة في الشرق الأوسط على 161 مليون امرأة وفتاة في المناطق المتضررة، وقدرة الاستجابات والمساعدات الإنسانية التي يمكن أن تصلها جرَّاء التصعيد المستمر، خاصة في فلسطين (قطاع غزة)، ولبنان، والسودان، واليمن وسوريا والأردن ومصر في ظل صعوبة وصول تلك المساعدات وتعذرها في الكثير من الأحيان.
وأكَّد التقرير أن هذه النزاعات (ستكلِّف المنطقة خسائر تترواح بين 120 - 194 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي... ومن المتوقع فقدان 3.64 مليون وظيفة، ما سيدفع نحو 4 ملايين شخص إضافي إلى دائرة الفقر المدقع)، وهي نتائج صادمة لتداعيات تلك الحروب والنزاعات التي ستؤدي إلى التفكك الأسري، وانهيار أنظمة صحة الأمومة والطفولة؛ نتيجة إغلاق الكثير من المرافق الصحية والوحدات التخصصية في مناطق النزاع متزامنا من جهة أخرى مع أزمة الأمن الغذائي وتعطيل الإمدادات.
نتيجة لذلك ظهر ما أطلق عليه التقرير ظاهرة (الجوع الجندري)؛ حيث تضطر النساء والفتيات إلى تناول الغذاء في آخر القائمة وبأقل كمية ممكنة؛ لضمان بقاء بقية أفراد الأسرة سيما الأطفال على قيد الحياة، مما أدى إلى ارتفاع حالات سوء التغذية الحاد بينهن بنسبة (25%)؛ ولهذا فإن التقرير يوجِّه نداءً عاجلا للمجتمع الدولي لحماية هؤلاء النساء والفتيات باعتبارها أولوية أساسية تعزِّز فاعلية العمل الإنساني.
إن الحروب والأزمات الاقتصادية والعسكرية لا يتبعها سوى الدمار والعنف والمرض والفقر، ولأن تأثيرها على النساء والفتيات والأطفال أكثر قسوة وشراسة؛ فإن الحاجة إلى الدعم والمساعدات الإنسانية تمثِّل أولوية قصوى في ظل تفاقم تلك الأزمات وتعاظم تأثيراتها الصحية والاجتماعية والاقتصادية، خاصة ونحن نشهد الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، وتداعياتها على المنطقة، وما خلفته من أزمات وتأثيرات ستستمر على المدى البعيد خاصة على النساء والفتيات والأطفال.
ففي العاشر من أبريل الحالي أصدرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة بيانا بشأن (تأثير التصعيد العسكري الأخير في الشرق الأوسط على النساء والفتيات) جاء فيه أنه منذ (التصعيد العسكري في 28 فبراير 2026 قُتلت 168 فتاة في جنوب إيران جراء قصف المدرسة الإبتدائية في ميناب)، ومنذ ذلك الحين ومئات النساء والفتيات قد قُتلن في دول المنطقة؛ حيث (قُتلت 204 نساء في إيران، و102 في لبنان قبل القصف المكثَّف في 8 أبريل، وفقا للسلطات الصحية) ناهيك بأعداد النساء اللاتي قُتلن في فلسطين والعراق وكافة دول النزاع.
إضافة إلى ذلك فإن أعداد كبيرة من النساء أُجبرن على الفرار من منازلهن؛ بسبب أعمال القتل والتدمير والعنف؛ فهناك (ما يقدَّر بنحو 1.6 مليون في إيران، و620 ألفا في لبنان) قد تعرَّضن للنزوح في ظروف قاسية وغير آمنة في ظل صعوبة أو انقطاع وصول خدمات الرعاية الصحية والحماية وسبل العيش الكريم؛ بسبب تدمير البنية التحتية الذي جعل من الوصول إلى المأوى الآمن والخدمات الأساسية أمرا في غاية الشدة والصعوبة.
يكشف بيان الأمم المتحدة أن هناك (ما يقدَّر بنحو 50 ألف امرأة حامل في غزة، و70 ألف امرأة حامل في لبنان بحاجة إلى خدمات صحة المرأة)، وهن يعانين من مواجهة عوائق تلك الرعاية جرَّاء ما لحق بالمستشفيات والأنظمة الصحية من أضرار ودمار قيَّدت قدرتها على تقديم الخدمات إضافة إلى إشكالات (انعدام الأمن الغذائي) مدفوعا بتقلبات الأسعار بشكل عام وتعطيل سلاسل الإمداد؛ ففي (غزة وحدها تعاني ما يقرب من 790 ألف امرأة وفتاة من انعدام الأمن الغذائي).
إن البيان ينبِّه العالم، ويحذِّر من تداعيات ذلك كله على النساء والفتيات في مناطق الصراع، خاصة في ظل عدم قدرة المنظمات الحقوقية ومؤسسات الرعاية إلى الوصول إليهن بسب تداعيات البنية التحتية وتدميرها في الكثير من المناطق إضافة إلى المخاطر الأمنية المتزايدة المتمثِّلة في الترهيب والاعتقال التعسفي أو الاحتجاز، وتزايد أشكال العنف؛ ولذلك فإن الحاجة إلى حماية المدنيين عموما والنساء الفتيات بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط، يمثل أولوية قصوى على المستوى الدولي والإقليمي.
ولهذا فإن الأمم المتحدة في بيانها رحَّبت بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، ودعت إلى أهمية وصول الخدمات والمساعدات الإنسانية إلى مستحقيها دون عوائق إضافة إلى أهمية (تعزيز دعم الاستجابات التي تقودها النساء) في المنطقة؛ فالأولوية الآن تتمثَّل في المسؤولية الاجتماعية والصحية للمتضررين من هذه الحرب، وأهمية تأهيلهم ليستطيعوا مواصلة حياتهم حسب الإمكانات المتاحة.
إن الحرب لا تخلِّف الدمار المادي وحسب، بل الدمار الإنساني الذي يطال شرائح المجتمع كلها خاصة النساء والفتيات باعتبارهن من الفئات التي تتعرَّض إلى الأذى المباشر، حتى ليجدن أنفسهن أمام مصير مجهول مليء بالمخاطر في عالم غير آمن لولا رعاية الدول والمؤسسات والمنظمات الحقوقية والإنسانية التي لابد أن تقوم بدورها في توفير الاحتياجات والخدمات، وتقديم التأهيل النفسي والتعليمي والتدريب المهني. فالدعم الإنساني والتأهيل سيُسهم في تخفيف تلك الآثار التي تخلفها الحرب على النساء والفتيات، ويجعلهن أكثر قدرة على المضي قدما في المجتمع عبر توفير مصادر دخل تؤمِّن لهن الحياة الكريمة.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.