وضع الاقتصاد العالمي الراهن قد يكون أسوأ مما نتوقع
السبت / 22 / شوال / 1447 هـ - 22:35 - السبت 11 أبريل 2026 22:35
ترجمة: أحمد شافعي -
في عام 1910 نشر الصحفي البريطاني كتاب «الوهم العظيم» فكان من أكثر الكتب في التاريخ مبيعا خلال أسوأ الأوقات.
ذهب الكاتب نورمان آنجل إلى أن الترابط المتزايد في الاقتصاد العالمي يعني ألا يكون بوسع أحد الانتصار حقا في حرب عالمية.
فحتى لو نجحت ألمانيا في غزو بريطانيا والاستيلاء على كل ما في بنك إنجلترا من الذهب، فإن التكامل بين أنظمة أوروبا المصرفية يضمن وقوع أزمة مالية من شأنها أن تجعل الألمان أنفسهم أسوأ حالا مما كانوا ليصبحوا عليهم لو لزموا بيوتهم.
وهذه الحقيقة لم تؤد ـ حسبما كتب آنجل ـ إلى استحالة وقوع الحرب؛ لكنها جعلت الصراع أعلى تكلفة على الجميع وأكثر تدميرا لهم.
بعد أربع سنوات، بدأت الحرب العالمية الأولى. وفي عالم 1914 شديد الترابط، توسعت صدمة الحرب إلى ما وراء ميادين المعارك، مخلفة في أعقابها اضطرابا سياسيا واقتصاديا.
والآن وقد أعلنت الولايات المتحدة وإيران عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، أصبح ثمة سؤال عما لو أن الاضطراب الاقتصادي الناجم عن الحرب سيكون قصير الأجل أم دائما.
ولنا من التاريخ دروس نستقيها: ففي ظل ترابط الاقتصاد العالمي، بوسع الصدمة الناجمة عن اندلاع الحرب أن تؤدي بين عشية وضحاها إلى اضطرابات بعيدة المدى، لا يظهر الكثير منها إلا بمرور الزمن.
حينما قامت الولايات المتحدة بمهاجمة إيران، ما كان ينبغي أن يندهش أحد لإغلاق إيران مضيق هرمز. غير أن قليلا هم الذين استشرفوا الآثار الدقيقة المنتظرة، التي لم تقتصر على أسوأ انقطاع عرفه التاريخ في إمدادات النفط، وإنما هناك أيضا نقص في خامات لم يدرك كثير من الناس أنهم يعتمدون عليها ـ من قبيل اليوريا والأمونيا اللازمتين المستخدمة في زراعة المحاصيل الغذائية الأساسية في العالم، والهليوم اللازم لصناعة رقائق الكمبيوتر، والنفتا وهي منتج نفطي لازم لتصنيع الكثير من الأغراض البلاستيكية الضرورية في كل بيت، ومنها سلال القمامة وزجاجات المياه.
يبين لنا تاريخ الحرب العالمية الأولى إلى أي مدى يمكن أن يطول الاضطراب. ففي عام 1914، قبل الإعلان الرسمي للحرب، تبين سريعا أن من شأن صراع كبير أن يفضي إلى آثار اقتصادية غير مقصودة.
وفي حين أن اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند وزوجته صوفي لم يتسبب في انهيار الأسواق فإن الإنذار الموجه من الإمبراطورية النمساوية المجرية لصربيا بعد شهر من ذلك ـ وتم تفسيره باعتبار أن خوض الحرب بات محتوما ـ أفضى إلى هروب محموم إلى الملاذات المالية الآمنة في أرجاء العالم.
تخلص المستثمرون والمودعون من الأصول الخطرة وسارعوا فاستبدلوا بها الذهب. انتشر سحب الودائع من البنوك على نطاق كبير، وأغلقت جميع أسواق الأوراق المالية تقريبا أبوابها، من لندن إلى جوهانسبرج وشنغهاي وسيدني. وشارفت البنوك في لندن، وهي مركز العالم المالي، على الانهيار. وفقد التجار في كل مكان إمكانية الحصول على القروض اللازمة لإتمام أعمالهم.
ثم توقف الشحن العالمي. وفي مواجهة صراع غير محدد الحجم أو الأمد، أخذت تكلفة التأمين البحري تتذبذب بشدة. قبعت السفن والشحنات في سكون، وازدحمت الموانئ في أرجاء العالم. وفي الوقت نفسه حالت الحصارات وغزو ألمانيا لبلجيكا وفرنسا أكبر أسواق أوروبا القارية من الاستيعاب إلا لنزر يسير من كمية الواردات المعتادة في الظروف الطبيعية.
قبل أن تظهر أي خنادق على الجبهة الغربية، كانت التجارة العالمية قد أصيبت بضربة ثلاثية أصابتها بالشلل: اختفاء القروض، والسفن، والأسواق. وجاءت الآثار فورية وعالمية وقاسية، من بطالة وتضخم كبير واضطرابات جماعية.
وبحلول عام 1915، بدا أن التجارة العالمية تتعافى، على الأقل بين البلاد المتحالفة والبلاد المحايدة، فبدأت السفن تبحر من جديد، وأعيد توجيه التجارة في مسارات مختلفة صوب أسواق جديدة، وأوجدت الحرب طلبا هائلا على سلع من قبيل النترات من تشيلي والجوت من الهند.
لكن ضررا دائما كان قد وقع بالفعل.
كانت الحكومة البريطانية، بالتعاون مع بنك إنجلترا، قد أنقذت كبرى البنوك البريطانية من الإفلاس في أغسطس سنة 1914. لكن الذعر الذي استشرى في ذلك الصيف أضعف القطاع المصرفي فسمح ذلك لوول ستريت أن تحل محله بوصفها المركز المالي في العالم. وبين عشية وضحاها، شهد التوازن العالمي في القوة المالية تحولا حادا.
ثم إن نقص السفن مجتمعا مع ارتفاع أقساط التأمين وأسعار الشحن أدى إلى زيادة أسعار السلع في أرجاء العالم، وخاصة أسعار الغذاء وغيره من الضروريات. ومع استمرار الحرب، تفاقمت هذه الضغوط، وبحلول عامي 1918 و1919، وصلت إلى ذرى غير مسبوقة. فتضاعف سعر الخبز في الولايات المتحدة في الفترة بين عامي 1913 و1920.
وأخيرا، تسبب اجتماع خسائر القروض والشحن والأسواق في تهاوي حجم التجارة العالمية. واستغرق التعافي والرجوع إلى مستويات ما قبل الحرب سنين. ويقدر المؤرخ الاقتصادي ديفيد جاكس أن الصادرات العالمية انخفضت ـ خلال سنتي الحرب الأوليين ـ بنسبة 25% من حيث القيمة الحقيقية أي بما يفوق انخفاضها خلال الأزمة المالية العالمية سنة 2008. حتى المنتصرون الأوروبيون في الحرب فقدوا مكانتهم.
فبعد الحرب، انخفض نصيب أوروبا من التجارة العالمية، وفي أولى أيام الحرب، أعيد توجيه سلاسل الإمداد وشبكات التجارة بهدف أن تتحاشى أوروبا، فأفاد ذلك قوتين صاعدتين هما الولايات المتحدة واليابان، ولم تتعاف التجارة الأوروبية بعد ذلك أبدا.
وبالطبع، لم تقترب حرب إيران مطلقا من نطاق الحرب العالمية الأولى أو استمرارها. ومع ذلك فحتى في حال صمود وقف إطلاق النار المتهافت الحالي، ثمة أسباب تدعو للاعتقاد بأن الصدمات سوف تظل محسوسة لأمد بعيد بعد ذلك.
أولا، ليس من المرجح أن تنخفض أسعار الطاقة فورا إلى مستويات ما قبل الحرب. وسوف تستغرق سلاسل الإمداد المتشابكة شهورا للتخلص من تعقدها، وإصلاح منشآت الإنتاج المتضررة في الخليج العربي سوف تستغرق فترات أطول.
والشحن هو الآخر لن يرجع سيرته الأولى على الفور، وبخاصة وقد أدركت إيران أن كل ما تحتاج إليه هو أن تهدد بضع حاويات ببضع مسيرات رخيصة فتؤثر على التجارة العالمية تأثيرا كبيرا.
ولو أن إيران تفرض الآن رسوما لمرور السفن في مضيق هرمز، وتهدد بإغراق ما لا يدفع منها، فسوف تبقى رسوم الشحن والتأمين مرتفعة.
ولدينا الآن نقص في الأسمدة في مستهل موسم زراعة الأغذية ومنها الأرز في الربيع، بما يعني أن نشهد في نهاية المطاف تقلص محاصيل الغلال وارتفاعا في الأسعار. ومثلما اتضح من تجربة وباء كوفيد، بوسع الانقطاع في سلاسل الإمداد أن يؤدي إلى ارتفاع في التضخم ذي أثر ممتد، قبل أن ينخفض، بما يحدث آثارا ثانوية ضارة من ارتفاع في أسعار الرهون العقارية وحتى الأزمات المالية والاضطرابات السياسية.
من المستحيل أن نعلم علم اليقين كيف سيهدأ هذا الغبار الثائر. لكن مثلما صدق في حالة صدمات الإمداد في عشرينيات القرن الحالي، من المرجح أن تتحمل البلاد ذات الدخل المنخفض إلى المتوسط القدر الأكبر من هذا العبء.
وفي حين يمكن لارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة أن تحدث مصاعب اقتصادية واضطراب سياسيا في البلاد الثرية من قبيل الولايات المتحدة فبوسعها أن تكون فعليا مسألة حياة أو موت في أماكن أخرى. فبعض بلاد القرن الأفريقي التي تواجه بالفعل نقصا حادا في الأمن الغذائي تعتمد على استيراد الأسمدة التي تمر بمضيق هرمز في الظروف العادية.
ولو أن هذه هي تبعات محض شهر من الحرب، فلكم أن تتخيلوا آثار صراع أكبر وأطول، وهو ما تزداد احتمالية حدوثه الآن أكثر منه في أي لحظة أخرى في التاريخ الحديث بحسب ما يعتقد البعض.
لقد قال رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمونصو وهو يطل على أطلال أوروبا في عام 1919 إن «صنع الحرب أسهل كثيرا من صنع السلام». ومثل ذلك يصدق على الاقتصاد العالمي: فإثارة الذعر العالمي أيسر كثيرا من التعامل مع تداعيات هذا الذعر على المدى البعيد.
جيمي مارتن أستاذ التاريخ في جامعة هارفرد ومؤلف كتاب «المتطفلون: السيادة والإمبراطورية وميلاد الحوكمة الاقتصادية العالمية».
ـ الترجمة ذي نيويورك تايمز