أفكار وآراء

شكرا لإسبانيا

قبل عدة سنوات كانت لي مشاركة بورقة علمية في مؤتمر دولي استضافته إحدى أعرق الجامعات الإسبانية، وفي هذه الزيارة الأولى لي إلى إسبانيا، تعرفت على بعض الجوانب الثقافية؛ فاقتربت من الإنسان الإسباني على المستويات العلمية والعامة، وأدركت شيئا ملموسا من التاريخ الإسباني ومن المزايا الإسبانية من الناحيتين الثقافية والسياسية، ووجدت تعاملا جميلا يُقرّه الإسباني -حكومة وشعبا- ويمارسه تجاه الجميع بما فيهم العرب. رغم أنني -في هذه الزيارة العلمية مثل بقية المحافل العلمية الأخرى- التقيت بأعداد كبيرة من الباحثين من مختلف بقاع العالم، وكثير منهم من الدول الغربية؛ فإنني وجدت فيهم أيضا الجانب الإنساني الذي لا ينقل إلينا إلا بشكل ضئيل؛ إذ إن الصور النمطية التي تنتقل إلينا بشتّى الوسائل ترسم لنا -بغالبه- صورة سلبية سواء ما يُنقل في الغرب عن صورة الإسلام والعرب، أو ما يُنقل إلينا عن الصورة الكلية ـ لا الجزئية بتفاصيلها الكثيرة ـ للشعوب وبعض الحكومات الغربية؛ فتوحي إلينا هذه الصورة النمطية بوجود عداوة مستمرة وكراهية لم تنته حتى اللحظة بين هذه الثقافات، وقد ترسخت لدينا هذه الصورة الذهنية الخاطئة.

لكن بمجرد أن تلتقي الشعوب عبر مختلف السبل وفي الفعاليات بأنواعها -بما فيها المحافل العلمية- تتكشف لنا صور واقعية أخرى، تُظهر أن هناك ارتباطات إنسانية كثيرة تتجاوز الخلافات السياسية والدينية، وهذا ما لمسته في كثير من الزيارات والمؤتمرات العلمية في كثير من دول العالم؛ حيث إن كثيرا ممن نعتقد ـ وخصوصا من الغربيين ـ أنهم في جانب مضاد لنا، وتحديدا فيما يخص قضايانا العربية والإسلامية، نجدهم على العكس من ذلك عبر تضامنهم وارتباطهم الإنساني العميق بهذه القضايا.

هذا ما أحب أن أسرده عن الموقف الإنساني الإسباني باعتباره جزءا أوروبيا غربيا كبيرا ومهما.

ومع أنني لا أعدّ زيارتي العلمية في تلك الفترة كفيلة بأن تخبرني بعمق عن الارتباط التاريخي بين إسبانيا والقضايا العربية، ولا عن مواقفها المشرّفة التي تكشّفت لنا رسميا في هذه الفترة، لكن ما أظهرته أحداث العالم منذ سنوات قليلة وإلى يومنا هذا وأبرزها حرب الإبادة في غزة التي يمارسها الكيان الصهيوني، كانت كفيلة أن تعيد إظهار مملكة إسبانيا باعتبارها دولة غربية آثرت -حكومة وشعبا- أن تصف بجانب العدالة ومع المظلومين، ولهذا في مقالي هذا سأخصّ حديثي عن إسبانيا، وعن مواقفها المشرفة التي تستحق أن نذكرها، وأن نثمّنها، وأن نعبر عن شكرنا تجاهها. لكن ينبغي علينا -قبل ذلك- أن نسرد شيئا عن هذه العلاقة وجذورها، بأن نتجاوز زمنها الحالي، لأنها علاقة قديمة لها تقلباتها وتجاذباتها السياسية والدولية فيما يخص علاقة إسبانيا بالعرب وقضاياهم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

تتجلّى هذه العلاقة منذ مرحلة حكم «فرانسيسكو فرانكو» لإسبانيا؛ فبعد إعلان قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948، امتنعت إسبانيا عن الاعتراف بإسرائيل لأسباب كثيرة، وكان من أبرزها التحولات السياسية الدولية؛ إذ إن نظام «فرانكو» في إسبانيا كان -يومها- معزولا دوليا بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة التحالف الإسباني غير المتوازي مع خط الحلف المنتصر، ولكننا أيضا نكتشف أن هناك قاعدة شعبية كبيرة في إسبانيا لم تكن تؤيد قيام دولة إسرائيل، وكانت تؤيد القضية الفلسطينية بثقل ملحوظ. لهذا تأخر الاعتراف الرسمي الإسباني بإسرائيل حتى عام 1986؛ ليأتي بعد أكثر من ثمانية وثلاثين عاما من قيام هذا الكيان، ورغم قيام هذه العلاقات الدبلوماسية -التي أراها كانت إلى حد ما اضطرارية، ولعلها جاءت تحت ضغط إدماج إسبانيا في الاتفاقيات الأوروبية والاستفادة من المزايا الاقتصادية، ولتكون جزءا من المنظومة السياسية والاقتصادية الأوروبية- فإن ذلك لا يعني بالضرورة وجود قناعة داخلية كاملة بهذا الاعتراف أو بهذا التطبيع الدبلوماسي مع إسرائيل.

عندما نعود إلى ملفات أخرى للتاريخ، نجد أن استمرار الاهتمام الإسباني بالقضية الفلسطينية يعود إلى أسباب كثيرة؛ منها وجود تيار سياسي وفكري إسباني واسع يرى أن القضية الفلسطينية مرتبطة مباشرة بمبادئ القانون الدولي -غير المفعّل- ورفض الاحتلال. كما أن اليسار الإسباني أصبح مؤثرا بقوة وفاعلا في الوسط الإسباني نتيجة لقاعدته الشعبية؛ فجعل فلسطين جزءا من خطابه الأخلاقي والحقوقي.

كذلك لا تفتأ الحساسية الإسبانية تجاه قضايا الاستعمار والهوية أن تخفت بحكم تجربتها التاريخية الخاصة، وفضلا عن الموقع المتوسط لإسبانيا الذي يجعل استقرار المشرق العربي جزءا من أمنها الاستراتيجي، وإلى جانب ذلك، ثمة ذاكرة ثقافية عميقة تجعل التعاطف الشعبي مع العرب حاضرا في المجتمع الإسباني أكثر من كثير من المجتمعات الأوروبية.

في إسبانيا مواقف كثيرة تستحق أن نستدعيها، ومنها وقوفها إلى جانب دولة جنوب إفريقيا في الدعوى التي رفعتها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، واعترافها بدولة فلسطين عام 2024، إلى جانب ما تمارسه من ضغط سياسي متواصل في هذا المسار. كذلك في موقفها الحالي من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ظهر لها موقف لافت؛ فكانت من أوائل الدول التي سارعت إلى اتخاذ موقف يتعلق بمنع عبور الطائرات العسكرية الأمريكية عبر أجوائها.

يتجلى أيضا الموقف الرسمي والإنساني الشخصي لرئيس الوزراء الإسباني «بيدرو سانشيز» الذي تحدّى كثيرا من الضغوط الأمريكية والغربية فيما يخص تضامنه الرسمي والشخصي مع القضية الفلسطينية ومع بقية القضايا الإنسانية. لا ننسى كذلك ما صرّح به في يناير 2025 أمام السفراء الإسبان بأن بلاده لن تتخلى عن مبادئها، وضرب مثالا بذلك اعترافها بدولة فلسطين رغم الضغوط الدولية.

كذلك تصريحاته التي اعتبرها الكيان الإسرائيلي تحديا خطيرا؛ فاستدعت على إثرها السفير الإسباني لديها عقب قوله إن إسبانيا لا تملك أسلحة نووية، ولا حاملة طائرات، ولا احتياطات نفطية كبرى، ومع ذلك فإن ذلك لا يمنعها من الدفاع عن القضية الفلسطينية ومنع الإبادة الجماعية في غزة، ولا يمنعها أيضا من مواصلة الضغط السياسي والأخلاقي ضد ما تعتبره انتهاكا واسعا للقانون الدولي.

نجد كذلك كثيرا من المواقف الأخرى، سواء على المستوى الحكومي أو الشعبي في إسبانيا؛ منها إعلان الحكومة الإسبانية وقف منح تراخيص جديدة لتصدير السلاح، ووقف التصاريح السابقة والصفقات المتعلقة بشراء الأسلحة من إسرائيل، ومطالبة إسبانيا بفتح نقاش أوروبي داخلي حول استمرار مشاركة إسرائيل في مسابقة يوروفيجن الغنائية الأوروبية، ثم تطور الموقف الإسباني إلى تهديد رسمي بالانسحاب إذا استمرت إسرائيل في المشاركة، بل وصل الأمر إلى إعلان قرار الانسحاب الإسباني من نسخة عام 2026 بجانب عدة دول أخرى منها أيرلندا وهولندا وسلوفينيا وآيسلندا.

هناك كثير من المواقف التي لا تكفي سطور هذا المقال لسردها جميعا، ولكن هذه الشواهد توحي بأننا ينبغي ألا ننسى الجوانب المشرقة في هذا العالم، والمواقف الأخلاقية التي تصدر عن بعض الشعوب والدول؛ فبكل تأكيد، هناك كثير من الدول التي تستحق منا الشكر والتقدير على مواقفها الإنسانية والأخلاقية تجاه القضية الإنسانية العادلة -بما فيها القضية الفلسطينية- وعلى موقفها الثابت والقوي إزاء ما يحدث في غزة من حرب إبادة يمارسها الكيان الصهيوني الإسرائيلي. لكن ما استدعاني إلى الحديث عن إسبانيا وتوجيه الشكر لها هو موقف كان بمثابة الشرارة التي دفعتني إلى تخصيص مقال لشكر إسبانيا، واستدعاء كل الذاكرة المتعلقة بعلاقة إسبانيا ومواقفها المشرّفة تجاه القضايا العربية، ويتمثل ذلك الموقف في ما قام به رئيس الوزراء الإسباني «بيدرو سانشيز» الأسبوع المنصرم عندما استعرض بعض الهدايا التذكارية الموجودة في مكتبه، وكان من بينها -كما قال بنفسه- زجاجة بداخلها رسالة وصلته من طفل فلسطيني لاجئ من غزة، وكان يتحدث عنها بمشاعر فيّاضة تعكس الجانب الإنساني في شخصية هذا الرجل؛ فكل التحية لجميع حكومات العالم التي آثرت أن تكون في صف العدالة والإنسانية وجميع شعوبها وأحرارها.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني