عن الأكاديميا ونظامها
السبت / 22 / شوال / 1447 هـ - 20:02 - السبت 11 أبريل 2026 20:02
أثار مقالي الأسبوع الماضي في هذه الزاوية بعنوان «الاسم الذي سُرِقَ من البحث» ردود فعل مختلفة، بعضها مؤيد وقد أضاء لي زوايا أخرى في الموضوع لم أكن منتبها لها، وربما أكتب عنها مقالا لاحقا. والبعض الآخر معارض، رأى - وهو محق - أنه لا يمكن لكاتب يتوخى الموضوعية أو يدعيها أن يكتب عن موضوع تجاوزات الأستاذ ضد تلميذه دون أن يسمع من الأكاديميين أنفسهم، لا من الطلبة وحدهم، لأن الصورة من الداخل أكثر تعقيدًا، وهو ما أحاول مقاربته في هذا المقال، بالنظر إلى الموضوع من داخل البيئة الأكاديمية نفسها.
من نافلة القول إنه لا مؤسسة أكاديمية محترمة يمكن أن تشجع على الانتحال أو الاعتداء على الحقوق الفكرية، فكل جامعة تسعى إلى السمعة الجيدة التي ترفع تصنيفها العالمي في مؤشرات وضعت لهذا الغرض، مثل مؤشر (QS) ومؤشر (THE) وغيرها، وهنا تكمن الثغرة أو «كعب أخيل الأكاديميا» إن جاز التعبير. فمسألة التصنيف هذه مرتبطة، بمنطق السوق والليبرالية الجديدة التي سلّعت كل شيء حتى العلم والثقافة، ولم تعد الأكاديميا منفصلة عن شروط السوق، بل أصبحت خاضعة لها مثل غيرها. والنتيجة أن أي جامعة أضحت تركّز على متطلبات بعينها، في مقدمتها النشر في مجلات محكّمة ذات تصنيف عالمي، وهذه المجلات تكاد تكون كلها باللغة الإنجليزية. وإذا كان هذا ممكنًا تحققه في الكليات العلمية فإنه يشكل معضلة حقيقية لكليات مثل الآداب والتاريخ وعلم الاجتماع وسائر حقول العلوم الإنسانية؛ فالعاملون فيها درسوا بالعربية طوال حياتهم العلمية، ثم يجدون أنفسهم مطالبين فجأة بالنشر في مجلات أجنبية عالية التصنيف حتى يحصلوا على الترقية. أما المجلات العربية المصنفة عالميًّا فهي قليلة للغاية، وبعضها مغلق أصلا من كثرة طلبات النشر، حتى إنه يعلن عدم استطاعته قبول أبحاث جديدة قبل مرور ثلاث سنوات. وهكذا لا يتحقق الهدف المعلن، وهو رفع التصنيف، دون آثار جانبية ضارة بالأكاديميين.
المشكلة إذن ليست في الهدف، بل في آليات بلوغه. فمن الطبيعي أن تشجّع الجامعة ما هو مطلوب دوليًّا: البحوث المشتركة، والبحوث البينية، والنشر في المجلات الأعلى تصنيفًا، ومشاركة الطلبة في النشر مع أساتذتهم. وربما بدا هذا في ظاهره إيجابيًّا، لكن تطبيقه في بيئتنا لا يراعي الفروق بين الحقول المعرفية. ففي العلوم التطبيقية يمكن أن يعمل فريق كامل على تجربة علمية واحدة، ثم تُنشَر النتائج بأسماء كثيرة. أما في العلوم الإنسانية فالأمر مختلف في كثير من الحالات؛ إذ من الصعب أن يكتب باحث في الأدب العربي دراسة عن شاعر واحد مثلًا، أو رواية أدبية، أو ظاهرة نقدية، ثم تظهر عليها عشرة أسماء! ومع ذلك يُطلب من أساتذة العلوم الإنسانية ما يُطلب من زملائهم في التخصصات الأخرى، وتُقاس إنتاجيتهم بالمعيار نفسه، من دون وضع اعتبار لخصوصية كل مجال.
ومن المهم هنا أن أكرر ما ذكرتُه في مقال الأسبوع الماضي أن وجود اسم الأستاذ جنبًا إلى جنب مع اسم الطالب في بحث منشور ضمن موضوع الإشراف ليس بالأمر المستهجَن، وهو أمر معمول به في جامعات العالم، لأن دور الأستاذ لا يقتصر على الاطلاع على النص بعد اكتماله، وإنما يمتد إلى توجيه الخطة البحثية، واقتراح المصادر، وتصحيح المسودات، وإبداء الملاحظات العلمية، لذلك فإن اشتراكه مع تلميذه في مثل هذا النوع من النشر حق أكاديمي معترف به، ولا ينبغي الخلط بينه وبين السطو الحقيقي. السطو يقع حين يستولي الأستاذ على جهد الطالب وينشره باسمه وحده. لكن حتى هذه الحالات الفردية، على خطورتها، ليست هي لبّ الأزمة. الأزمة تكمن في النظام الأكاديمي نفسه، لأنه يدفع الباحثين إلى كتابة آلية، سريعة، مكيّفة مع شروط المجلات، أكثر مما يدفعهم إلى إنتاج معرفة حقيقية.
حين يُطلب من الأكاديمي عدد محدد من البحوث كل سنة، يتحول البحث إلى سباق استيفاء شروط. يكتب الباحث وفي ذهنه ما الذي يرضي المجلة، لا ما الذي تقتضيه فكرة بحثه. وقد يحدث أن يقضي شهورًا طويلة في إعداد هذا البحث، ثم يُرفَض أو يُطلب اختصاره لأن المجلة لا تقبل إلا عددًا محددًا من الكلمات. بل إن بعض المجلات تفرض رسومًا بمئات الدولارات على النشر، ومع ذلك يضطر الباحث إلى اللجوء إليها لأن الترقية لا تُحتَسب له إلا عبر هذا النوع من المجلات. وهكذا تصبح العملية شكلية وآلية، وتبتعد شيئًا فشيئًا عن جوهر العمل الأكاديمي وروحه الحرة المتأنية المبدعة.
كل هذا وأنا لم أتحدث بعد عن تلك الأنظمة المتبعة في المؤسسات، والتي تزيد الطين بلة، مثل نظام «إجادة» سيئ الذكر الذي يركز على الحضور والانصراف أكثر مما يهتم بالعمل المنجَز. فيُطلب من الأكاديمي إنجاز بحوثه ودراساته داخل المكتب وتحت المراقبة، مع أن جزءًا كبيرًا من عمله الحقيقي (وأشدد هنا على وصف «الحقيقي») يُنجَز عادة في المنزل، من تصحيح البحوث والاختبارات، إلى إعداد المحاضرات، إلى كتابة الأبحاث. وحين يُفرَض عليه البقاء في المكتب ساعات طويلة، في بيئة لا تساعد أصلًا على التركيز، بسبب ضوضاء المكان أو مقاطعات الزملاء، فإن ذلك يسرق وقته الثمين بلا طائل.
لهذه الأسباب يلمس المرء حالة من التذمر لدى كثير من أصدقائنا الأكاديميين، ومنهم من غادر مؤسسته فعلًا، وبدأ حياة عملية أخرى بعيدًا عن الأكاديميا، ومنهم من ينتظر أول فرصة للخروج تلوح في الأفق. وحين تمسي الأكاديميا مكانًا يضيق بأهله، يتضح أن المشكلة أوسع من بعض الأفراد، وأنها تتصل بالنظام نفسه الذي يضعف المعنى الحقيقي للعمل الأكاديمي.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني