غزة وإيران.. هل تبتلع الحرب الإقليمية «فاتورة» إعادة إعمار القطاع؟
السبت / 22 / شوال / 1447 هـ - 18:32 - السبت 11 أبريل 2026 18:32
غزة - بهاء طباسي
في وقت تتجه فيه أبصار العالم نحو الرادارات التي ترصد حركة الصواريخ البالستية والمسيرات في سماء المنطقة، وتتسابق العواصم الكبرى لاحتواء مواجهة مباشرة غير مسبوقة بين طهران وتل أبيب، يجد الغزيون أنفسهم أمام نوع جديد من الموت؛ ليس موتاً بالبارود هذه المرة، بل «بالمحو السياسي».
هنا في أزقة النزوح المتهالكة، لم يعد السؤال عن موعد وصول المساعدات، بل عما إذا كان العالم قد نسي أصلًا أن هناك حالة «لا سلم ولا حرب» لا تزال تطحن عظام الأطفال تحت ركام البنايات، بينما تنشغل الكاميرات بعدّ الصواريخ فوق المفاعلات والقواعد العسكرية البعيدة.
«قضية جانبية» في صراع الكبار
منذ التصعيد الإقليمي الأخير في مطلع أبريل 2026، دخلت غزة نفقاً جديداً من التهميش. ويرى محللون أن القطاع الذي كان «مركز الكون» سياسياً طوال الأشهر الماضية، بات اليوم يُعامل كـ «ملف ثانوي» أو ورقة ضغط في بازار المساومات الكبرى.
يقول الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل لـ«عُمان»: «إن الخطر الأكبر الذي يواجه غزة اليوم هو (الاسترهان الجيوسياسي). إسرائيل تجد في التوتر مع إيران غطاءً مثالياً لتنفيذ ما تبقى من مخططات ميدانية في القطاع بعيداً عن صخب الإدانة الدولية».
ويضيف عوكل: «العالم الذي كان يضغط لفتح المعابر، بات اليوم يضغط لمنع اندلاع حرب عالمية ثالثة، وفي هذا الفراغ الدبلوماسي، تُركت غزة لمصيرها المجهول».
ويأتي هذا التهميش في لحظة فارقة؛ فمع حلول السابع من أبريل 2026، حبس العالم أنفاسه مع انتهاء المهلة الدولية الممنوحة لطهران لإعادة فتح مضيق هرمز، وسط نذر انفجار إقليمي شامل. هذا الانحباس أدى عملياً إلى «تجميد» المسار التفاوضي في غزة؛ فبينما كانت الآمال معقودة على هدنة شاملة، باتت المعابر اليوم مغلقة بالكامل بذريعة «الاستنفار الأمني» ليجد القطاع نفسه معزولاً ليس فقط عن الإمدادات، بل وعن الأجندة الدبلوماسية التي تترقب ساعة الصفر في مياه الخليج.
وتشير الأرقام الميدانية إلى تراجع ملحوظ في وتيرة دخول الشاحنات الإغاثية بنسبة تقدر بـ 30% خلال الأسبوعين الأخيرين، تزامنًا مع إغلاق بعض الممرات اللوجستية وتوجيه الموارد العسكرية الدولية نحو تأمين المصالح الإقليمية، مما ينذر بعودة المجاعة إلى القطاع الذي لا يزال يرزح تحت وطأة حصار مشدد.
«اليوم التالي».. سراب خلف دخان الحرائق الإقليمية
بينما كانت الطاولات المستديرة في القاهرة والدوحة تناقش تفاصيل «إعادة الإعمار» و«السلطة البديلة»، جاءت نذر الحرب الإقليمية لتجمد كل شيء. المانحون الدوليون، الذين تعهدوا بمليارات الدولارات لإعادة الحياة إلى مدن غزة المحطمة، يبدون اليوم أكثر تردداً من أي وقت مضى.
وفي هذا السياق، يشرح الخبير الاقتصادي الدكتور نصر عبد الكريم لـ«عُمان» أبعاد هذا التجميد قائلاً: «إن السيولة المالية المخصصة للإعمار مرتبطة عضويًا بالاستقرار السياسي. لا يوجد مانح واحد سيضع دولاراً في غزة بينما الإقليم مهدد بانفجار شامل قد يعيد ترتيب الخرائط بالكامل».
ويوضح عبد الكريم أن «ميزانيات الطوارئ الدولية بدأت بالفعل تتوجه نحو الاستعداد لتبعات مواجهة إقليمية، مما يعني أن غزة قد تخرج من قائمة الأولويات التمويلية لسنوات قادمة إذا لم يتم حسم وقف إطلاق النار فوراً».
تكتيك «المساحة الميتة».. وقائع تُفرض في الظلام
على الصعيد الميداني، ترصد التقارير الواردة من داخل القطاع تحركات عسكرية توصف بـ «الاستراتيجية»؛ حيث يرى مراقبون أن انشغال الرأي العام العالمي بالرد والرد المقابل منح الجيش الإسرائيلي فرصة لتعميق سيطرته على «محور نتساريم» وتوسيع المنطقة العازلة.
ويؤكد الباحث في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور لـ«عُمان» أن «حكومة اليمين في تل أبيب ترى في الصراع مع إيران فرصة ذهبية لفرض (وقائع صلبة) في غزة لا يمكن التراجع عنها في أي مفاوضات مستقبلية».
ويتابع منصور: «بينما ينشغل العالم بمناقشة الرد الإسرائيلي على طهران، يتم قضم ما تبقى من مساحة صالحة للحياة في غزة، ويُدفع بآلاف النازحين نحو مربعات ضيقة تفتقر لأدنى مقومات البقاء».
الشارع الغزي.. ثمن التسوية أم وقود الحرب؟!
في مخيمات المواصي المكتظة، لا يبدو أن الغزيين يكترثون كثيراً بالتحليلات الاستراتيجية، بقدر ما يخشون من «النسيان». يقول أحمد غبن (42 عاماً)، وهو أب لخمسة أطفال نازحين: «كنا ننتظر الفرج من مفاوضات الهدنة، لكن اليوم نسمع فقط عن الصواريخ العابرة للحدود. نشعر أننا أصبحنا حملاً ثقيلاً يريد الجميع التخلص منه لتصفية حسابات أكبر».
وفي هذا السياق، يرى الدكتور مخيمر أبو سعدة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر، لـ«عُمان»، أن «الحالة النفسية للشارع الغزي اليوم تعكس وعيًا مريراً بتبعات التهميش؛ حيث بات المواطن يرى نفسه ضحية لتقاطعات المصالح الدولية».
ويضيف أبو سعدة: «إن التخوف الشعبي من أن تصبح غزة (بندًا مؤجلًا) في صفقات الكبار هو تخوف مشروع، خاصة وأن الزخم الدبلوماسي الذي رافق الأشهر الأولى للحرب بدأ يتلاشى لصالح إدارة الأزمات الإقليمية، مما يترك النازح في مواجهة مباشرة مع الموت البطيء دون غطاء دولي».
بوصلة مفقودة في إقليم ملتهب
إن الربط بين ما يحدث في جغرافيا الإقليم الملتهبة وبين ما يحدث في خيام جنوب وشمال غزة ليس ترفًا تحليليًا، بل هو جوهر المأساة الحالية. ويخلص هاني المصري، مدير مركز «مسارات» للبحوث والدراسات الفلسطيني، في قراءته للمشهد عبر «عُمان»، إلى أن «غزة تواجه خطر التحول إلى (منطقة رمادية)؛ لا هي في حالة حرب تجلب ضغوطاً دولية حاسمة، ولا هي في حالة سلم تسمح بالبناء».
ويؤكد المصري أن «أي استقرار إقليمي يتجاهل مركزية القضية الفلسطينية وأشلاء غزة لن يكون إلا هدوء هش يسبق عواصف أكبر؛ فالتاريخ أثبت أن غزة هي قفل المنطقة ومفتاحها، وإهمال حطامها اليوم يعني انفجارها في وجه الجميع غداً، مهما بلغت قوة الصواريخ العابرة للحدود».