العرب والعالم

كيف تهدد الحرب مستقبل جيل كامل في غزة؟

د.حكمت المصري


بالتزامن مع يوم الصحة العالمي، شلل تام في منظومة غزة الصحية: دمار طال 94% من المستشفيات ونفاد 51% من الأدوية الأساسية. لم تعد الأمومة في قطاع غزة رحلة انتظارٍ مفعمة بالأمل، بل تحوّلت إلى اختبارٍ يومي للبقاء، تُخاض تفاصيله وسط الجوع، والخوف، وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية. في خيمةٍ مهترئة أو بين جدران منزلٍ متصدّع، تجلس آلاف النساء الحوامل والمرضعات وهنّ يحملن قلقًا مضاعفًا: على أنفسهن وعلى حياةٍ صغيرة لم تولد بعد.
تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نحو 37 ألف امرأة حامل ومرضع في غزة يواجهن خطر سوء التغذية الحاد، في وقت يتهدد فيه 31 ألف طفل خطر الموت البطيء نتيجة سوء التغذية الوخيم. أرقامٌ لا تُقرأ كإحصائيات، بل كحكاياتٍ يومية لأمهاتٍ يواجهن العجز بأجسادٍ منهكة وقلوبٍ مثقلة بالخوف.
'لم أعد أشعر أنني قادرة على حماية طفلي'
تقول أم محمد (28 عامًا)، وهي حامل في شهرها السابع وتعيش في أحد مراكز النزوح جنوب القطاع: 'أستيقظ كل يوم وأنا أشعر بدوخة شديدة، لا أجد ما يكفي من الطعام، فقط القليل من الخبز أو الأرز إن توفر. أخاف أن يولد طفلي ضعيفًا أو مريضًا. لم أعد أشعر أنني قادرة على حمايته.' تحاول أم محمد الحصول على مكملات غذائية أو متابعة طبية، لكنها تصطدم بواقعٍ قاسٍ: مراكز صحية مدمّرة، وأدوية مفقودة، واكتظاظ يفوق القدرة الاستيعابية بأضعاف.
نظام صحي ينهار ونساء في الواجهة
وفق المعطيات الرسمية، تعرّض 94% من مستشفيات قطاع غزة للدمار، فيما تعمل نصف المرافق الصحية بأقل من طاقتها، وسط نقصٍ حاد في الأدوية الأساسية، تجاوز 50% منها 'رصيد صفر'. هذا الانهيار ينعكس مباشرة على النساء الحوامل، اللواتي يحتجن إلى متابعة دورية، وفحوصات، ورعاية متخصصة غير متوفرة. ومع تزايد معدلات سوء التغذية، سجلت المؤسسات الصحية ارتفاعًا مقلقًا في الولادات المبكرة، حيث يحتاج واحد من كل خمسة مواليد إلى رعاية مكثفة.
'ابنتي وُلدت قبل أوانها ولم نجد حاضنة'
تروي أم ليان (32 عامًا)، التي أنجبت طفلتها قبل أسابيع: 'ولدتُ في ظروف صعبة جدًا، لم يكن هناك تجهيزات كافية. ابنتي وُلدت قبل أوانها، وكانت بحاجة إلى حاضنة، لكن لم نجد مكانًا لها بسهولة. بقيت داخل الحاضنة لعدة أيام، ثم غادرتُ بها إلى الخيمة. بقيتُ أحتضنها بيديّ، أحاول أن أبقيها دافئة. كنتُ أخاف أن تفارق الحياة في أي لحظة.' قصص الولادة في غزة لم تعد مجرد لحظات فرح، بل مواقف محفوفة بالخطر، حيث تفتقر المستشفيات إلى الأجهزة، والأدوية، وحتى الكهرباء المستقرة.
وزارة الصحة: وضع كارثي يهدد الأمهات والأطفال
وفي تصريحات سابقة، حذّرت وزارة الصحة الفلسطينية من أن الأوضاع الصحية للحوامل والمرضعات في قطاع غزة وصلت إلى 'مستويات خطيرة وغير مسبوقة'، مؤكدة أن نقص الغذاء الحاد ينعكس مباشرة على صحة الأمهات والأجنة، ويزيد من احتمالات الإجهاض، والولادة المبكرة، والتشوهات الخلقية. كما أشارت الوزارة إلى أن آلاف النساء لا يحصلن على الحد الأدنى من الرعاية السابقة للولادة، في ظل انقطاع الإمدادات الطبية، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات نتيجة القصف والقيود المفروضة على الحركة.
طبيب فلسطيني: 'نحن أمام جيل مهدد صحيًا منذ الولادة'
يقول الدكتور ناجي القرشلي، طبيب نسائية وتوليد يعمل مدير مركز المصري الطبي للنساء والتوليد وعلاج العقم: 'نواجه يوميًا حالات لسيدات يعانين من فقر دم حاد، ونقص شديد في الفيتامينات. هذا يؤثر بشكل مباشر على نمو الأجنة. بعض الأطفال يولدون بأوزان منخفضة جدًا، أو بمضاعفات خطيرة.' ويضيف: 'المشكلة لا تتوقف عند الولادة، بل تمتد إلى ما بعدها. الأمهات المرضعات أنفسهن يعانين من سوء التغذية، ما ينعكس على جودة الحليب، ويضع الأطفال في دائرة خطر مستمر. نحن أمام جيلٍ كامل مهدد صحيًا منذ اللحظة الأولى.'
أطفال تحت الحصار وأمراض تتفشى
في مراكز النزوح المكتظة، حيث تتجاوز الكثافة الاستيعابية بأكثر من أربعة أضعاف، تتفاقم معاناة الأطفال. أمراض الجهاز التنفسي الحادة تصدّرت المشهد، مسجلة ملايين الإصابات، إلى جانب انتشار الإسهال المائي الحاد، الذي أصاب عشرات الآلاف، نصفهم تقريبًا من الأطفال دون سن الخامسة. وتقول أم يوسف، وهي أم لثلاثة أطفال: 'أطفالي يمرضون باستمرار: سعال، حرارة، إسهال. لا أجد دواءً، ولا ماءً نظيفًا. أشعر أنني أراهم يضعفون يومًا بعد يوم، ولا أستطيع فعل شيء.'
بين الجوع والخوف، الأمومة تنزف بصمت
تُظهر التقديرات أن نحو 1.6 مليون شخص في غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل تدمير شبه كامل للأراضي الزراعية، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية. وفي هذا الواقع، تتحمل النساء العبء الأكبر؛ فهنّ أول من يقتطع من حصتهنّ من الطعام لأطفالهن، وآخر من يطلب الرعاية لأنفسهن.
صرخة مفتوحة للعالم
في ظل هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة، تتزايد الدعوات لتحرك دولي عاجل يضمن إدخال الغذاء والدواء، وإعادة تشغيل النظام الصحي، وتأمين ممرات آمنة للمرضى، خاصة النساء الحوامل والأطفال. لكن، وحتى يحدث ذلك، تبقى أم محمد، وأم ليان، وآلاف غيرهن، عالقات بين الانتظار والخوف، يربين الحياة في ظروفٍ لا تحتمل الحياة. وفي غزة، لم تعد الأمهات ينتظرن الولادة، بل ينتظرن النجاة.