الروائي الجزائري المتوج بالجائزة في حوار شامل مع "عمان".. سعيد خطيبي: فوز روايتي بالبوكر يتجاوز لحظة فرح عابرة
السبت / 22 / شوال / 1447 هـ - 18:11 - السبت 11 أبريل 2026 18:11
حوار - حسن عبد الموجود -
هذا الحوار مع الكاتب الجزائري سعيد خطيبي المتوج مؤخرًا بالبوكر عن روايته 'أغالب مجرى النهر' ليس مجرد محاولة لمواكبة المناسبة، لكنه رؤية للطريقة التي يفكر بها هذا الكاتب صاحب النبرة الهادئة، وكذلك محاولة لمعرفة منابع التكوين الخاصة به. جده شارك في الحرب العالمية الثانية بالرغم منه، وأبوه شارك في حرب التحرير، أما هو فوجد نفسه في حرب خاصة، حرب العشرية السوداء بالجزائر.
بسبب الاستعمار كان أبوه يتحدث الفرنسية، أما هو فارتبط بالعربية منذ نعومة أظافره، ورغم أنه يعيش الآن في سلوفينيا ويجيد أكثر من لغة إلا أنه حين يتعلق الأمر بالأدب فلا يفكر ولا يكتب إلا بالعربية.
في هذا الحوار نقترب من عقل سعيد خطيبي صاحب الأعمال المهمة مثل 'نهاية الصحراء'، و'أعراس النار'، و'كتاب الخطايا'، و'حطب سراييفو'، و'أربعون عامًا في انتظار إيزابيل' في محاولة لرسم بورتريه له يجمع بين الصورة الإنسانية والأدبية.
- بداية.. ماذا يعني لك فوز رواية 'أغالب مجرى النهر' بجائزة البوكر العربية؟
برأيي إن فوز رواية 'أغالب مجرى النهر' بجائزة البوكر العربية يتجاوز لحظة فرح عابرة، ليغدو عتبة رمزية نحو أفق أرحب من التلقي والانتشار. هو اعتراف لا يخصّ العمل وحده، بل يفتح له مسارًا جديدًا إلى شريحة أبعد من القرّاء، ويمنحه إمكانية الوصول إلى مناطق لم يكن ليبلغها بسهولة. تكمن قيمة هذه الجائزة، بالنسبة إليّ، في قدرتها على إعادة تحريك المياه الراكدة في المشهد القرائي العربي، وفي مساهمتها في صناعة قارئ جديد، وهو قارئ أكثر انخراطًا وفضولًا تجاه الأدب. نحن في لحظة عربية ملتبسة، أحوج ما نكون إلى مثل هذا الفعل الثقافي الذي يعيد الاعتبار للقراءة بوصفها فعلًا مقاومًا للنسيان والتسطيح. لقد عشنا على إيقاع أحداث متسارعة ومؤلمة، كادت أن تدفع بالإنسان إلى الارتهان للحظة الآنية على حساب الأسئلة الأعمق. ومع ذلك، فإن استمرار الجائزة العالمية للرواية العربية في احترام مواعيدها، في خضم العدوان الذي تعرّضت له دول عربية شقيقة، يبدو لي انتصارًا بليغًا، انتصارًا لفكرة أن الأدب لا ينبغي أن يتراجع أمام صخب الواقع، بل أن يظلّ في صميمه، شاهدًا عليه، ومفكّرًا في معناه.
- كيف ترى حالة الاستقبال الإيجابية من الأدباء والمثقفين لفوز روايتك بالبوكر بعكس دورات أخرى كانت هناك خلافات حادة حول الفائز؟
أودُّ أن أشكر القائمين على هذه الجائزة، وكذلك أعضاء لجنة التحكيم على ما أولوني من ثقة، وهي ثقة أعتزّ بها بقدر ما أشعر بثقل مسؤوليتها. كما لا يفوتني أن أستحضر ذلك الاحتفاء الصادق الذي لمسته من القرّاء والنقّاد ووسائل الإعلام، وهو احتفاء أضفى على هذه اللحظة بُعدًا إنسانيًا وجماليًا يتجاوز حدود التكريم. حين أكتب فأنا أنطلق من فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة التعقيد في جوهرها: أن أكون صادقًا مع نفسي ومع القارئ. هذا الصدق، في تصوّري، ليس خيارًا أسلوبيًا بقدر ما هو ميثاق خفيّ بين الكاتب ومن يقرأه. وأحسب أن القارئ، بحساسيته الفطرية، قادر على التقاط هذا الصدق بين سطور الرواية. كما أنني لا أرى في هذا الفوز تفوّقًا على زملائي في القائمة القصيرة، بل أراه جزءًا من مشهد أوسع، ضمّ أصواتًا روائية لها حضورها وتجاربها، بعضها تعلّمت منه، وبعضها شكّل لي اكتشافًا مبهجًا. ولعلّ ما يجمع بين هذه الأعمال في القائمة القصيرة هو ذلك الإخلاص العميق لفعل الكتابة، بعيدًا عن المبالغة أو الاستخفاف بذائقة القارئ. وربما كان هذا الصدق الجماعي هو ما منح هذه الدورة من البوكر العربية صداها الخاص، وجعلها تلامس قلوب القرّاء بهذا الشكل الواسع.
- ماذا يضيف هذا التتويج لك بعد فوزك السابق بجائزتي كتارا والشيخ زايد؟
بعد انقضاء لحظة الفرح الأولى، يستقرّ في داخلي سؤال أكثر عمقًا وإلحاحًا: سؤال المسؤولية. مسؤولية أن أظلّ وفيًا لذلك القارئ الذي منحني ثقته، وأن أحافظ على هذا الخيط الذي يربطني به، دون أن أخونه بالتكرار أو الاستسهال. هذا التتويج يضيف تراكمًا للواجبات. يضعني أمام امتحان أكثر صرامة مع نفسي، أن أتجاوز ما أنجزه وأن أقاوم إغراء إعادة إنتاج الصوت ذاته، وأن أغامر بالذهاب نحو مناطق جديدة؛ حيث لا يقين سوى البحث. يضيف إليّ هذا التتويج طاقة قلق خلاّق، قلقًا يدفعني إلى التنقيب عن نقاط ضوء أخرى في العتمة، وإلى إعادة مساءلة أدواتي ورؤيتي باستمرار. إنها مسؤولية لكنها في الوقت ذاته محرّك لأي تجربة إبداعية حقيقية، لأنها تُبقي الكاتب في حالة يقظة وتمنعه من الركون إلى ما تحقق.
- لماذا اخترت عنوان 'أغالب مجرى النهر' وهل الشخصيات تقاوم تيار التاريخ أم تنجرف معه؟
عنوان الرواية ينبثق من رغبة في تسمية الصراع الإنساني باسمه، صراع الكائن مع ما يشكّله ويقيّده في آن. فالنهر هنا ليس مجرد استعارة للطبيعة، بل هو مجرى الزمن والتاريخ والذاكرة، ذلك التيار الذي يجرّ الإنسان نحو ما كان، حتى وهو يتطلّع إلى ما يمكن أن يكون. شخصيات الرواية لا تستسلم بسهولة لانسياب التاريخ، بل تحاول مقاومته، أو على الأقل التخفّف من وطأته. إنها شخصيات مسكونة برغبة في الإفلات من ماضيها، في الخروج من عنق الزجاجة، وكأنها تبحث عن ولادة ثانية خارج شروط الذاكرة الثقيلة. غير أن هذه المقاومة ليست فعلًا بسيطًا بل هي مسار متعرّج، محفوف بالتعثّر والانكسارات. وإذا وسّعنا دائرة النظر، نجد أن هذا الصراع لا يخصّ هذه الشخصيات وحدها، بل يكاد يعكس حال مجتمعات بأسرها. ففي الجزائر، كما في غيرها من البلدان العربية، يبدو الحاضر وكأنه يدور في فلك الماضي، إلى حدّ يكاد يُصادر حقّ الإنسان في أن يعيش زمنه الخاص أو أن يتطلّع إلى المستقبل. في كثير من الأحيان، نحن لا نستعيد الماضي بقدر ما يُعيد هو إنتاج نفسه فينا.
- كيف جاءتك فكرة استخدام جريمة قتل الطبيب مخلوف؟
توظيف جريمة قتل الطبيب مخلوف يتأتى من وعي بتجذّر 'فعل الجريمة' في البنية العميقة للسرد العربي. فالجريمة، في هذا السياق، ليست مجرد حدث يُحرّك الحبكة، بل هي لحظة انكشاف، تُعرّي الإنسان في هشاشته، وتضعه في مواجهة أسئلته الأكثر قسوة. إذا عدنا إلى 'ألف ليلة وليلة' سنجد أن الحكاية المؤسسة تنبني أصلًا على جريمة أولى، جريمة شهريار التي تتكرّر بوصفها طقسًا يوميًا. كما أن حضور الجريمة يتردّد في القصص القرآني؛ حيث تتخذ أبعادًا وجودية. ومع تطوّر الأدب العربي الحديث، ظلّ هذا العنصر حاضرًا بوصفه أداة لاستكشاف التحوّلات النفسية والاجتماعية، كما نلمسه في أعمال مثل 'اللص والكلاب' لنجيب محفوظ، و'الحرام' ليوسف إدريس، بل حتى في المسرح، كما في 'يا طالع الشجرة' لتوفيق الحكيم. من هذا المنظور، لا أتعامل مع الجريمة كعنصر طارئ بل كجزء من تقليد سردي ممتد، أنتمي إليه وأتحاور معه. فالأدب لا يتقدّم عبر القطيعة الجذرية، بل عبر التراكم، عبر إعادة قراءة عناصره الأولى وتفكيكها وإعادة تركيبها في ضوء أسئلة جديدة. وهكذا تصبح الجريمة في الرواية ليس فقط محرّكًا للأحداث، بل أفق للتأمّل في الإنسان، وفي التوتر القائم بين ظاهره ونوازعه الخفية.
- في روايتك 'نهاية الصحراء' ثمة جريمة قتل أيضًا تنبني عليها الرواية.. هل العنف هو أحد أسئلتك الخاصة؟
لا أفصل سؤال العنف عن تجربتي الشخصية ولا عن السياق الذي تشكّلت فيه رؤيتي للعالم. فلو قدّر لي أن أعيش في زمن آخر أو في جغرافيا أقلّ اضطرابًا، لربما نظرتُ إلى الأشياء من زاوية مغايرة. غير أنني وجدت نفسي منذ البدايات في تماسّ مباشر مع العنف، في قلب تلك السنوات التي عُرفت بالعشرية السوداء؛ حيث الفقدان لم يكن فكرة مجرّدة، بل تجربة مُعاشة؛ وحيث النجاة نفسها كانت سؤالًا مفتوحًا. من هنا، لا أتعامل مع العنف كموضوع خارجي أستثمره سرديًا، بل كأثرٍ عميق يسكن الذاكرة، وكحافزٍ لمحاولة الفهم والتفكيك. إنه سؤال موجّه إلى الروح الإنسانية: كيف يتشكّل العنف؟ وكيف يتسلّل إلى الداخل؟ وكيف يعيد صياغة علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين؟ ثم إذا نظرنا بقدر من الصراحة، سنجد أن التاريخ العربي لم يعرف استقرارًا كاملًا بقدر ما عرف تعاقب الهزّات والاختلالات. والسؤال ليس في تجاهل هذه الوقائع أو التخفّف من حدّتها، بل في مساءلتها. فالأدب لا يُعنى بتكرار صور العنف بقدر ما ينشغل بأصوله، بتحوّلاته، وبالآثار التي يتركها في نسيج العلاقات الإنسانية. هكذا يصبح العنف في الكتابة ليس غاية في حدّ ذاته، بل أداة لكشف ما هو أعمق، تلك المنطقة المعتمة في الإنسان؛ حيث تتجاور الهشاشة والقسوة؛ وحيث تبدأ الحكاية الحقيقية.
- ما رمزية سرقة طبيبة العيون للقرنيات في وجهة نظرك؟
ما يُسمَّى 'سرقة' في هذا السياق لا يُفهم بوصفه فعلًا قانونيًا أو أخلاقيًا مباشرًا، بل بوصفه علامة على اختلال في منظومة القيم التي تحكم نظرتنا للجسد والحياة؛ لأن بطلة الرواية لا تتحرك من منطق الاستحواذ، بل من منطق إنقاذ، يضعها في مواجهة مجتمع يلتبس عليه الفرق بين حماية الجسد بوصفه حرمة، وبين تعطيل الحياة بوصفها حقًا. في بيئة لا تزال تنظر إلى التبرع بالأعضاء باعتباره فعلًا مشبوهًا أو مرفوضًا، يصبح إنقاذ المريض من العمى فعلًا يمكن تأويله كجريمة، رغم أنه في جوهره محاولة لاستعادة البصر. من هنا تتخذ 'سرقة القرنيات' بُعدها الرمزي. إنها ليست تعدّيًا على جسد غائب، بل سؤال حول أولوياتنا الأخلاقية. هل نُبقي على قداسة الموت بما تحمله من رمزية، أم نمنح الحياة فرصة أن تستمر في الجسد الحيّ الذي ينتظر الضوء؟ لقد بلغنا مرحلة نُعلي فيها من شأن الغياب إلى حدّ يُهمّش الحضور؛ وكأن الميت يُستعاد بكرامة كاملة، بينما يُترك الحيّ في عتمته دون أن يُسأل عن حقه في الرؤية. تبدو البطلة في الرواية وكأنها تمشي عكس التيار السائد، لا بدافع التمرّد المجرّد، بل بدافع أخلاقي مأزوم، يضعها أمام ثمنٍ شخصي ثقيل. إنها لا تختار الطريق الأسهل، بل الطريق الذي يكشف الحدود بين القانون والأخلاق، وبين ما يُدان وما يُفهم.
- لماذا ركزت على تأريخ الجزائر من الحرب العالمية الثانية حتى مطلع التسعينيات؟
من أجل أن نبصر الأزمات التي نعيش فيها في الحاضر، لا يكفي أن نحدّق في السطح، بل ينبغي أن نغوص في طبقاتها العميقة؛ حيث تتراكم الأسباب بما يشكّل مصيرنا دون أن ننتبه. ما نعيشه ليس وليد صدفة بل هو حصيلة تاريخ طويل من التراكمات، كلّ طبقة فيه تضيف ثقلها إلى ما بعدها. في سيرة عائلتي يتجلّى ذلك المعنى: جدّي وقد اقتيد إلى الحرب العالمية الثانية، حين جُنّد الجزائريون تحت راية المستعمِر، ثم والدي الذي وجد نفسه منخرطًا في حرب التحرير، من أجل الأرض والكرامة. أمّا أنا الحفيد، فقد قُدّر لي أن أعيش داخل حرب من نوع آخر، حرب تأكل أبناءها، وسُمّيت بالعشرية السوداء. عائلة واحدة وثلاثة حروب، كأن الزمن لا يورّثنا سوى أشكال مختلفة من النزاع، وكأن الذاكرة بدل أن تكون ملاذًا، تتحوّل إلى قدر يعيد إنتاج نفسه.
- لماذا تجذبك فترة العشرية السوداء للكتابة عنها؟
ما يشدّني إلى تلك الحقبة ليس هولُ ما جرى فيها بقدر ما يختبئ من أسئلة مبهمة. فالعشرية السوداء، في ظاهرها محفوظة في الأرشيف، مروية على ألسنة المؤرخين والشهود، لكن ما يُقلقني حقًا ليس ما حدث، بل كيف حدث، ليس الوقائع في حدّ ذاتها، بل ذلك الانزلاق الذي ينقل الإنسان من طمأنينة إلى شراسة الافتراس، من كائن مألوف إلى غريب عن نفسه، كأن وحشًا دفينًا في قلبه كان ينتظر لحظته للخروج. لقد كتبتُ عن تلك المرحلة، أو بالأحرى عن تخومها، عن ظلالها، غير أنني كلما قارنتُ ما يُكتب بما عشناه، شعرتُ بأن الأدب لم يلامس سوى الهامش، وأن المتن الحقيقي لا يزال عصيًّا على القبض. ثمة فجوة بين التجربة والكتابة، بين الذاكرة وصيغتها الممكنة. هناك وقائع لا تزال تسكنني، أحداث عشتها ولم أجد الجرأة على تحويلها إلى لغة. ربما لأن الكتابة عنها ليست فعل استحضار فحسب، بل مواجهة، وربما لأن الذاكرة حين تكون قريبة تحجب بوضوحها القدرة على التأمل. لذلك أشعر أنني ما زلت بحاجة إلى مسافة أخرى، زمن إضافي يخفّف من حدّة الجرح، ويمنحني القدرة على أن أرى.
- كيف أثَّر مجيئك من مدينة داخلية بعيدة 'بوسعادة' عن المركز في الجزائر على تشكيل هويتك الروائية؟
في الجزائر، يبدو الهامش أكثر اتساعًا من المركز، كأن الأطراف هي التي تحمل عبء الحكاية كلّها. وربما لا يختلف الأمر كثيرًا في بلدان عربية أخرى؛ حيث يتكاثر المعنى في الهوامش. وُلدتُ في مدينة صغيرة، لكنها مرآة لوطن كامل، تختزن تناقضاته وتنوّعه. فسيفساء تتجاور فيها الديانات الثلاث، كما تتداخل الأصوات بين العربية والأمازيغية والفرنسية. هذا التعدّد كان مادة حيّة تغذّي المخيّلة، وتفتحها على احتمالات لا تنتهي. ولم تكن هذه المدينة بعيدة عن مجرى التاريخ، بل كانت في قلبه، تواجهه فتترك أحداثه ندوبها في ذاكرة أهلها. ومع ذلك، كثيرًا ما يُطرح السؤال البسيط والمربك: أين تقع هذه المدينة؟ فأجد نفسي أتعثر في الخرائط. ولعلّ الجواب الأفضل يملكه كارل ماركس. إذ نعرفه بلحيته الكثيفة، ونكاد ننسى صورته الوحيدة بلا لحية. عندما اضطر إلى حلقها تحت وطأة الحرّ، خلال رحلة علاج قادته إلى بوسعادة في سنواته الأخيرة، بعدما أنهكه الربو.
- هل منحتك الحياة في المهجر زاوية رؤية أوضح لفهم بلادك؟
يمنحني المهجر مسافة، وتلك المسافة ليست ابتعادًا بقدر ما هي طريقة أخرى في الرؤية. أنا أعيش معلّقًا بين الداخل والخارج، بين أزقّة بوسعادة الضيّقة وجادات أوروبا الواسعة، أتنفّس بين المكانين، وأتعلّم أن أنظر إلى بلدي من زوايا متعددة. هذه المسافة تمنحني قدرة على تأمّل الأشياء قبل الخوض فيها أو تحويلها إلى كتابة. فالرؤية القريبة، على شدّة صدقها، قد تعمي أحيانًا، بينما يتيح البُعد نوعًا من الصفاء. ولعلّ الأدب الجزائري، في عمقه، كان دائمًا أدب اغتراب، منذ القديس أوغستين إلى محمد ديب وكاتب ياسين. كأن الكتابة فيه لا تستقرّ في مكان واحد، بل تنشأ بين ضفتين، وتُصاغ من هذا التوتر بين مكانين. نحن لا نغادر المكان بل نحمله في داخلنا. ومع ذلك، فالمهجر ليس فردوسًا كما يتخيّل البعض، بل امتحان آخر للمعنى. إنه لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يعيدنا إلى الأسئلة الأولى، تلك التي تخصّ الإنسان العربي في جوهره: من نحن حين نغادر؟ وماذا يبقى منا حين نعود؟ في هذا التردّد المستمر، تولد الكتابة بوصفها محاولة للفهم.
- إصرارك على الكتابة بالعربية رغم إجادتك لعدة لغات وعيشك في أوروبا ماذا يعكس في نظرتك للغة العربية؟
نشأتُ في مفارقة. كنت أتقاسم مع أبي لغتين مختلفتين، هو يتكلّم الفرنسية، لأنه من جيل كادت فيه العربية أن تُمحى تحت وطأة الاستعمار، وأنا من جيل آخر ألوذ بالعربية كأنها ملجأ أبحث فيه عن دفء. لم تكن العربية بالنسبة إليّ مجرّد أداة تعبير، بل اكتشاف عاطفي مبكر. في سنوات المراهقة، كنّا نحفظ الشعر، وكان أشطرنا في مغازلة القلوب هو مَن يحفظ أكبر قدر من قصائد نزار قباني، فارتبطت اللغة العربية في ذهني بالحبّ. كبرتُ وأنا أبحث عن الكتب بالعربية كمن يبحث عن كنز، في زمن لم تكن فيه متاحة بسهولة، فازدادت العلاقة بها اشتياقًا. تحوّلت العربية، شيئًا فشيئًا، إلى حكاية ألوذ بها حين تضيق الحياة، وأجد فيها فسحة أتصالح فيها مع ذاتي. صحيح أنني أكتب بلغات أخرى بحكم عملي في الصحافة، لكن حين يتعلّق الأمر بالأدب، فإنني لا أفكّر إلا بالعربية. هي اللغة التي أحلم بها عندما أنام في الليل.
- لماذا آثرت مؤخرًا الابتعاد عن مواقع التواصل الاجتماعي؟
شعرت أن هذه المنصّات لم تعد تنتج المعنى، بل تُراكم الضجيج. لم تعد تقود نحو العقل، بل تنزاح عنه حتى صار الحضور فيها نوعًا من الاستنزاف أكثر منه مشاركة. هذا ليس هروبًا من العالم، بل محاولة لاستعادة حدّ أدنى من الصمت والتأمّل.