ورد الجبل الأخضر.. عطر توقظه الندى مع خيوط الشمس الأولى
"الدهجان" و"البرمة" إرث الأجداد في قبضة الأحفاد وأسرار الصناعة التقليدية لماء الورد الجبلي
السبت / 22 / شوال / 1447 هـ - 16:59 - السبت 11 أبريل 2026 16:59
كتب - يوسف بن سالم الحبسي 'تصوير: حسين بن علي المقبالي'
مع خيوط الشمس الأولى تفوح رائحة زكية تملأ أركان المكان في قرى الجبل الأخضر، معلنة بدء موسم حصاد الورد؛ ذلك الإرث الذي يتناقله العُمانيون جيلًا بعد جيل، ففي هذا الموسم تتحول المدرجات الخضراء إلى لوحات وردية زاهية؛ حيث يسابق المزارعون الزمن لجني الثمار قبل اشتداد الحرارة وارتفاع قرص الشمس، معتمدين على خبرات تراكمية تبدأ من تقليم الشجر في يناير وتتوج باستخلاص ماء الورد الجبل، ورافق فريق جريدة 'عُمان' أثناء تواجده في الصباح الباكر بولاية الجبل الأخضر، علي بن يحيى العمري أحد مزارعي الورد في الجبل الأخضر، لمعايشة تفاصيل حصاد الورد الجبلي؛ حيث يفوح عبق الورد في أرجاء المكان في الصباح الباكر وآخر المساء؛ إذ استهلت الرحلة من قرية العقر مرورًا بمسار جبل إلى قرية العين حيث بساتين الورد الجبلي تستقبل الزائرين، وصولًا إلى مزرعة علي العمري؛ حيث بدأ قطف الورود المتفتحة وجمعها في القفير ثم وزنها، يلي ذلك أخذها إلى الدهجان (الفرن الطيني التقليدي)؛ حيث تبقى مع حرارة النار لمدة زمنية لاستخلاص ماء الورد، ويظل ماء ورد الجبل الأخضر علامة فارقة في الهوية العُمانية رغم تطور تقنيات الاستخلاص؛ حيث لا يزال المزارعون يحافظون على عملية التقطير بالطرق التقليدية لضمان جودة المنتج، ثم يوضع في الأواني الفخارية لمدة تتجاوز الستة أشهر قبل أن يصبح جاهزًا للاستخدام.
ماء الورد الأحمر
وقال علي بن يحيى بن محمد العمري أحد مزارعي الورد بالجبل الأخضر: إن العناية بشجرة الورد تبدأ في أكتوبر من كل عام، وذلك بقطع الماء عن الشجرة حتى نهاية شهر ديسمبر، ثم في يناير تبدأ عملية تقليم الشجرة، وذلك بقطع الأغصان التي أثمرت في العام الفائت بحيث تكون ثمرة الشجرة في الأغصان الجديدة، إضافة إلى ذلك تتم في ذات الشهر عملية حرث الأرض وإضافة الأسمدة لها ومن ثم إعادة سقي الشجرة مرة أخرى، وفي شهر فبراير تبدأ أوراق الشجرة في النمو، ومن ثم في الشهر التالي تبدأ البتلات في الظهور.
وأوضح أن أولى علامات تفتح الزهور (النضج) في الجبل الأخضر تعتمد على طبيعة الجو، فإذا كان الجو جافًا فإنه يبدأ في نهايات شهر مارس من كل عام، وأما إذا كان الجو رطبًا وماطرًا فإن تفتح الزهور يبدأ في بداية شهر أبريل، وتختلف مواعيد الحصاد بين القرى بناءً على الارتفاع إذ تبدأ التباشير في قرية القشع ثم تليها قريتا الشريجة والعين، كما أنه يتأخر نوعًا ما في بعض القرى مثل حيل اليمن وسيق، مؤكدًا أن الوقت الأنسب لحصاد الورد في الصباح الباكر أو آخر المساء؛ إذ أن الورد مع ارتفاع الشمس تبدأ تضعف نتيجة حرارة الجو.
وأشار إلى أن الورد يوضع في البرمة الفخارية جافًا بدون إضافة الماء وتستوعب البرمة قرابة كيلوجرامًا واحدًا، ويبقى ماء الورد في الأواني الفخارية أشهرًا حتى يصبح جاهزًا للاستخدام، مشيرًا إلى أن ماء الورد المستخرج بالطريقة التقليدية والمعروف بالورد الأحمر أكثر حدّة في الرائحة وتبرز فيه رائحة الدخان، أما ماء الورد المستخرج بالأجهزة الحديثة فيكتسب رائحة الورد وتكون أقل حدّة من ماء الورد الأحمر.
وأكد أن استخراج زيت الورد المركز هو توجه ملموس من معظم المزارعين لما يحقق من عائد أكبر وجهد أقل، ويتم استخلاص الاثنين ماء الورد الأبيض ودهن الورد الخالص، وتوجد بعض المصانع التي أثبتت كفاءتها في استخلاص زيت الورد الطبيعي.
الموسم الفعلي للحصاد
وأوضح يوسف بن ناصر بن محمد العمري من مزارعي الورد في الجبل الأخضر: تختلف فترة القطاف الفعلي لمحصول الورد باختلاف المناخ، فكلما كان الجو حارًا وجافًا يكون الموسم قصيرًا ولا يتجاوز ثلاثة أسابيع، أما إذا كان الجو باردًا ورطبًا يستمر الموسم الفعلي إلى أكثر من ستة أسابيع، وبداية الموسم في الغالب تكون بنهاية شهر مارس من كل عام ونهايته تعتمد بحسب طبيعة الجو، وتمثل درجة الحرارة المعيار الفعلي لبداية الموسم، والمجمل طوال فترة امتهان هذه الحرفة يكون بداية الموسم بنهاية مارس من كل عام.
وأكد أن بناء الدهجان (الفرن الطيني التقليدي) يتم بالحصى والطين ممزوجًا بشعر الأغنام وأغصان الشعير بعد التجفيف، ثم يتم استخدام الأسمنت مع الرمل الناعم لجدران الدهجان من الداخل والخارج ويترك لمدة أربعة إلى خمسة أيام ليجف، وفي الجانب الآخر يتم تجهيز البرم وهي الأواني الفخارية المصنوعة لهذا الغرض؛ حيث يتم وضع طبقة من الطين الممزوج بشعر الأغنام في الجزء الخارجي للبرمة حماية لها من التصدع بسبب الحرارة.
وأشار إلى أن ارتفاع درجة الحرارة في البرمة يؤدي إلى تسخين الورد المشبع بالماء وبالتالي يتبخر ويرتفع إلى الأعلى مصطدمًا بالقرص المملوء بالماء البارد فيتحول من بخار إلى سائل فيسقط في الصحلة الموجودة داخل البرمة، ولضمان عدم تسرب البخار من الداخل إلى الخارج يتم استخدام قرص مناسب لفم البرمة لضمان أكثر؛ حيث يتم لف قطعة قماش حول القرص، مشيرًا إلى أن المدرجات الزراعية تحتاج إلى صيانة دورية لضمان بقاء هذه المدرجات على ما هي عليه، وبخاصة بعد سقوط الأمطار إذ يتكبد المزارع مبالغ طائلة من أجل الصيانة الدورية لاستدامة هذه المدرجات صالحة للزراعة.
المدرجات الزراعية القديمة
وقال خليل بن سالم بن سليمان العمري مزارع للورد الجبلي: أثناء ندرة المياه في بعض المواسم يقوم المزارع بتمديد مياه لري الورد من المنزل لكي لا تموت الأشجار، ويعتمد الري أساسًا على مياه الأفلاج، مؤكدًا أن عملية القطاف اليدوي في الصباح الباكر تعتبر مجهدة بعض الشيء وفي ذات الأوان ممتعة.
وذكر أن جني محصول الورد يجب أن يكون قبل شروق الشمس إذ يكون الورد في هذا الوقت محمّلًا بالندى وذا رائحة زكية وفواحة وبعيدًا عن الذبول وذات وزن.
وأكد أن التحديات التي تواجه المزارع للحفاظ على المدرجات الزراعية القديمة من الانجراف تكمن في صعوبة نقل أغراض البناء ليتسنى الحفاظ على المدرجات وصيانتها من الأمطار والحيوانات السائبة.
وأوضح أن المزارع يقوم باستخراج ماء الورد ومن ثم تخزينه في مكان بارد مثل الخروس الصينية لمدة شهرين، يلي ذلك تعبئته في قنينات خاصة وبيعها إلى أصحاب مصانع الحلوى؛ إذ يدخل ماء الورد الجبلي في صناعة الحلوى؛ حيث يعطيها طعمًا ورائحة زكية، كما يتميز ماء الورد الجبلي برائحته القوية وتركيزه العالي، أضف إلى ذلك يستخدم ماء الورد الجبلي علاجيًا؛ حيث يعد فعالًا لتخفيف آلام الرأس، كما يخفف الغثيان، ويدخل ماء الورد الجبلي في صناعة مرطبات التجميل والصابون.