يتداول كثير من الناس المثل القائل: «محدود عند الزراعة، ولا نزاعة عند الكيل»، وهو مثل يشير إلى سمو الحكمة، وعلوّ التقدير، ورجاحة التعقل في شأن حسابات الربح والخسارة، وقصر الطريق عن الوصول إلى التنازع والاختلاف في كثير من مشروعات الشراكة القائمة بين أي طرفين.
وحتى عهد قريب، لم أكن أعلم أن لهذا المثل المحلي الصرف ما يماثله على مستوى اللغة العربية الواسعة الشاملة، وهو المثل القائل: «حسابات الحقل غير حسابات البيدر». ويبدو من خلال قراءتي للمثل العربي أن هذا أيضًا مثل شعبي مشهور، وإن جاء بصيغة مختلفة، وقد ورد بصيغ متعددة، إلا أن جميع الصيغ تشير إلى معنى واحد، وهو المعنى ذاته الذي يشير إليه المثل العُماني، وهو ضرورة التحوّط واليقين والتحرُّز منذ البدايات الأولى لمشروعات الشراكة التي يقيمها الناس فيما بينهم، حتى لا تؤول «النتائج» لاحقًا إلى كثير من الاختلاف والتنازع بين الشركاء.
وهنا لا أذهب كثيرًا إلى شرح المثلين أو إلى التقارب بينهما في المعنى، وإنما أعقد مجموعة من المقاربات من واقع الحياة اليومية، سواء كانت على مستوى الشراكة لدى المجموع، أو على مستوى الفرد، وسواء كانت على المستوى الخاص أو العام.
ويبدو أن المسألة «من وجهة نظر خاصة» تكمن في قصور تقييم الجميع لما يمكن أن تؤول إليه النتائج بشكل عام، وإن كان المثلان يحصران اللفظ في مهنة الزراعة والمزارعين: (الحقل/البيدر) كما في النص العربي، وما يماثلهما (الزراعة/الكيل) في النص العُماني، إلا أنهما يتشاركان في اختلاف الحسابات بين ما ينتجه الحقل في حينه، وبين ظروف المزارعين خارج الحقل، وما يتبع ذلك من حسابات غير متوقعة لاحقًا، وهو ما يُعبَّر عنه بـ«نزاعة عند الكيل»، والذي تفضي إليه نتائج مجموعة الخطط والبرامج، وهي نتائج غير متوقعة لسبب أو أكثر، منها: عدم الأخذ بالأسباب الصحيحة منذ بداية الشروع في تنفيذ أي مشروع، أو تزامن مجموعة من الظروف التي تقلب موازين التوقعات.
وهذا يحدث كثيرًا، فالإنسان مهما بلغ من الحرص على الجودة، تظل هناك حسابات ثانوية متوقعة وإن كانت غير منظورة، والإشكال الأكثر خطورة ليس في حدوث عدم التوقع، وإنما في عدم استحضار مثل هذه المفاجآت ووضع الاحتياطات اللازمة لها عند وقوعها.
ففي التقييمات الإدارية «على سبيل المثال» يُنظر إلى جميع الموظفين على أنهم معززون لدور المؤسسة، وأنهم طاقات فاعلة لإنجاز مسؤولياتها ومهامها أمام الجمهور العريض، ولكن تأتي النتائج بعد ذلك غير ملبية للطموح، على الرغم من حرص المؤسسة على التدريب والتأهيل، ووضع القيم الضابطة لسلوك الموظفين.
ولا أعني هنا بالسلوك «الأخلاق»، وإنما أعراف المؤسسة وأنظمتها وقوانينها، وهي التي تحكم العلاقة بين المؤسسة وموظفيها والجمهور العام المنتظر لخدماتها. وما ينطبق على المؤسسة كوحدة صغيرة في الهيكل التنظيمي للدولة، ينطبق كذلك على الوطن الكبير، وذلك عندما يكون الوطن «في ذهنية البعض» رقمًا في حساب مصرفي لا يتجاوز قيمة «رغيف خبز». ويحدث ذلك عندما لا يتجاوز مفهوم الوطن لدى هؤلاء البعض ممارسة المناولة بين اليمين والشمال، بمعنى العطاء بيد والأخذ باليد الأخرى.
وعندما تظهر مثل هذه النتيجة «البيدر» في زوايا الوطن المختلفة، فإنها ليست بالضرورة مسؤولية يتحملها الوطن وحده؛ لأن الوطن قد أسس ووضع الخطط والبرامج منذ النشأة الأولى، بدءًا من الروضة مرورًا بمراحل التعليم ومحاضن التربية المختلفة، وصولًا إلى كرسي الوظيفة.
فإذا كان «محدود الزراعة» قائمًا، فإن «حسابات الحقل» موجودة، ولكن «النزاعة عند الكيل» ذهبت مذاهب شتى في «حسابات البيدر»، وهذه هي الإشكالية النمطية والمتجذرة في مختلف مشروعات الحياة، والناس متأقلمون على هذا الوضع في مختلف مشروعاتهم؛ مرة يجدون العذر لبعضهم البعض، ومرة يعتبون ويتصادمون.