انتهى العزاء..ولم ينتهِ شعور الفقد
الجمعة / 21 / شوال / 1447 هـ - 19:17 - الجمعة 10 أبريل 2026 19:17
'الصابر لا ينكسر أمام العواصف، بل يقف شامخًا حتى تمر، مؤمنًا بأن الله لا يضيع دمعة صابر ولا دعوة مكسور'.
إذا كان هذا قولًا مأثورًا ومتداولًا بين جمع غفير من الناس، فإن مغزاه عميق في النفس، فالصبر، وإن اختلفت حالاته وطرق التعلق به، فإنه ليس مجرد احتمال لحظي لمعنى للألم أو صمت مطبق أمام الشدائد والمحن، بل كما هو مثبت عند المصيبة عبارة عن 'قوة خفية تسكن شرايين القلب، عندها تتحول صرخات الألم إلى فسحة من أمل، والضيق الذي يملأ بدخانه المتصاعد رئة المحزون يتحول إلى بداية طريق جديد نحو ضفاف أخرى تطفئ حرقة الألم'.
عندما سُئل حكيم عن الصبر قال ناصحًا: 'حين تضيق بك الأرض، وتشتد عليك المحن، تذكر أن الصبر ليس استسلامًا للواقع بل ثبات وثقة بأن وراء كل عسر يسرًا، وأن كل لحظة صعبة ما هي إلا خطوة تقربك من الفرج'.
استوقفتني مرثية مؤثرة ألقاها الشيخ صالح المغامسي في أحد طلابه، وتعبر عن شدة الحزن والفقد، يقول فيها:
أيدري القبر مَن فيه؟
فيه الفؤاد ومَن بالروح أفديه
لولا الإله وإيمان أدين به
لكنت قربك أشفي ما ألاقيه
لكنها سنة الله التي سلفت
إن الإله لما قد شاء ممضيه
كم من فواجع شتى قد بليت بها
لكن موتك لا شيء يدانيه
من المتعارف عليه بين الناس أن الحزن بعد وفاة الأحبة لا ينتهي، لكن الإنسان يتعلم أن يتعايش مع الحياة، ويفسر ذلك بعض المختصين بقولهم: 'في البداية الألم يسيطر على الإنسان المكلوم، ثم يتعلم أن يسيطر على الألم بنفسه'، لكن الواضح أن الحزن بعد الوفاة ليس ضعفًا في إيمان الإنسان المسلم - كما يردد بعض الناس -، وإنما هو أثر محبة صادقة تتجلى في النفس، فكلما كان الحب أصدق، كان الفقد أوجع وأشد، لكن الأجر أعظم بالصبر والاحتساب عند الله تعالى.
في أمر الصبر، هناك الكثير من النصائح التي تكشف الكرب وتدعو إلى الصلابة، فأحد الناصحين يقول: 'أيها الصابر كن كالشجرة الواقفة في مهب الريح، تميل في كل الاتجاهات لكنها لا تنكسر، تسكنها الجراح وتعصف الرياح بأوراقها وتناثر في كل الاتجاهات، لكن جذورها تظل ثابتة في الأرض... لذا اعلم بأن الأيام تمضي، والهم قد يُنسى، وأن الله لا يخذل صابرًا أبدًا بل يجازيه على قدر صبره'.
من المفارقات التي يحس بها الإنسان، إذا مر الوقت تظن بأنك قد تعافيت قليلًا من ألم الحزن، ولكن فجأة، من مجرد ذكرى بسيطة، تعود ثانية إلى نقطة الصفر.
البعض يجزع من هذه الحالة، لكن الحكماء ينصحون بعدم القلق، ففي نظرهم أن هذا أمر طبيعي، فالحزن عبارة عن موجة وليست انتكاسة، لذا علينا أن نتخفف من حدة الحزن، بتحويل اشتياقنا إلى المفقودين بالدعاء لهم، وبدموعنا إلى صدقة، وتحويل الذكرى إلى عمل طيب نهديه لهم.
في هذا الزمن الذي نعيش فيه، تعصف بأرواحنا العواصف بلا رحمة، لكن الصابر المحتسب يقف كجبل الأصم، لا تهزه الريح ولا تعنيه شدتها طالما أنه صامد في مكانه.. الإنسان الصبور لا تتوقع أبدًا بأن الألم لا يطرق بابه، لكنه يدرك في قرارة نفسه بأن وراء كل عتمة فجر شمس صباح ستشرق، وخلف كل ضيق ثمة فرج منتظر، وخلف كل دمعة حزن حكمة لا تفهم إلا بعد حين، فصبر جميل والله المستعان.
وأخيرًا، الإنسان مبتلى في ماله ونفسه وكل شؤون حياته، لكن الصمود الذي يغذي الروح هو الذي يجعل الإنسان ينهض بعد كل انكسار، ليمضي في طريقه رغم التعب الذي يسكنه، فهناك أشخاص تجدهم يبتسمون رغم الألم الذي يحاصرهم، والسر في ذلك أنهم يؤمنون بأن ما بعد الصبر إلا النصر، وما بعد العسر إلا يسر.