الحرب ستخلِّف آثارا في أسواق الطاقة لفترة طويلة
الجمعة / 21 / شوال / 1447 هـ - 15:08 - الجمعة 10 أبريل 2026 15:08
عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في الخليج وفتح مضيق هرمز بشكل كامل وفوري وآمن تنفَّس تجار الطاقة الصعداء. فلحوالي ستة أسابيع تقريبا عَلِق 15% من انتاج النفط في العالم و20% من انتاجه من الغاز الطبيعي المسال بسبب حصار إيران.
عقب إعلان ترامب هبط سعر برنت بنسبة 12% من 103 دولار للبرميل الى 91 دولار. ولم يكن هذا المعيار العالمي لأسعار النفط متقلبا بهذا القدر منذ ما يقارب بداية جائحة كوفيد-19 في عام 2020. وسبق أن هبط سعر الغاز المرجعي في أوروبا في لحظة ما بنسبة 17%.
قبل إعلان ترامب للهدنة مع إيران يوم 7 ابريل كانت الأسواق تشهد توترا متزايدا. فنفط غرب تكساس الوسيط وهو معيار أمريكي أرخص عادة من برنت كان يتم تداوله بعلاوة فوق سعره خلال معظم الشهر. وهذا مؤشر على أن المشترين يسارعون لتأمين امدادات موثوقة. وسجل سعر برنت الفوري (للتسليم العاجل) رقما قياسيا بلغ 144 دولارا للبرميل قبل إعلان وقف إطلاق النار.
في الأثناء، اتفاق الهدنة بالغ الهشاشة. فرئيس البرلمان الإيراني اتهم أمريكا بانتهاك وقف إطلاق النار. واستمرت إيران في إطلاق الصواريخ في الخليج. حتى الآن تجرأت سفينتان فقط لعبور المضيق. وإذا صمد الاتفاق ستعقبهما المزيد من السفن في الأيام القادمة. في الواقع،
اقتصاد العالم في حاجة ملحَّة الى أن يحدث هذا. لكن حتى إذا حدث ستحتاج أسواق الطاقة الى وقت أطول من أسبوعين (وهي فترة وقف إطلاق النار) لاستعادة توازنها.
لايزال سعر النفط أعلى بنسبة 30% عن مستواه قبل بداية الحرب وسعر الغاز بنسبة 40%. كما أصاب الدمار البنية التحتية. ويقينا ستجعل مخاطر تجدد القتال (أو إغلاق آخر للمضيق) تجارَ النفط في حالة توتر. كما ستظل ندوب (آثار) حرب الخليج الثالثة في الأسواق لبعض الوقت في شكل علاوات مخاطر إضافية على الأسعار.
715 سفينة عالِقة
الأولوية في الوقت الحالي لمغادرة السفن العالقة في مياه الخليج. في فبراير عبرت مضيق هرمز حوالي 130 سفينة في المتوسط يوميا. وفي الأسابيع الأخيرة سمحت إيران لقلة قليلة فقط من السفن بالعبور. وحسب شركة البيانات 'كيبلر' توجد 187 ناقلة نفط عالقة وعلى متنها 172 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة، وهذه الكمية تكفي مثلا لمقابلة احتياجات بريطانيا لمدة 100 يوم.
كما علِقَت أيضا 15 ناقلة غاز طبيعي مسال. هذا الى جانب 1.9 مليون طن من الأسمدة في 41 سفينة أو ما يساوي 12% من إجمالي الأسمدة التي نقلت عبر المضيق في عام 2024. إذا أضفنا الى ذلك سفن البضائع بأنواعها بما فيها السائبة سيرتفع عدد السفن العالقة في الخليج الى 715 سفينة.
نظريا، يمكن إخراج هذه السفن من الخليج في أسبوع. إذ يواجه العديد من أطقمها شحَّا في المؤن ويتلهفون الى المغادرة. لكن قلة من القباطنة ستخاطر بالإبحار قبل ضمان العبور الآمن للمضيق. فعندما توقف الحوثيون عن مهاجمة السفن في البحر الأحمر في أكتوبر 2025 مرَّ شهران قبل أن ترسل شركة الملاحة العالمية 'ميرسك' أول سفينة لها عبر هذا الممر المائي مرة أخرى. ولم تُستأنف حركة المرور العادية حتى الآن.
عندما تختبر شركات النقل البحري بالفعل عبور المضيق ستفرض شركات تأمينها أقساطا مرتفعة جدا. لذلك من المرجح أن يحتاج استئناف حركة السفن المنتظمة الى أسابيع وأن ترتفع تكلفتها كثيرا مقارنة بفترة ما قبل الحرب.
ما هو أكثر من ذلك، يبدو احتمال شروع السفن قريبا في الإبحار في الاتجاه المعاكس لإعادة التحميل ضئيلا. فالسفن التي ستفعل ذلك أثناء انعقاد مفاوضات السلام بين أمريكا وإيران قد تُحبَس في الخليج إذا تعثرت المفاوضات. وربما تحاول الشركات المالكة للسفن الأكثر قيمة مثل ناقلات الغاز الطبيعي المسال تجنب هذه المخاطر تماما.
تقول آن- صوفي كوربو الباحثة بجامعة كولومبيا لن ترسل أية جهة سفنا الى الخليج في الوقت الحالي. وهي لا تعتقد ان الهدنة ستنتج عنها امدادات إضافية من الغاز الطبيعي المسال بجانب الشحنات التي يمكن أن تغادر الخليج خلال مهلة الأسبوعين.
كما يحيط عدم اليقين بالتفاصيل الدقيقة لوقف إطلاق النار أيضا. أثناء الحرب سمحت إيران لبعض السفن بالمرور عبر المضيق مقابل رسوم مرور تبلغ مليوني دولار لكل سفينة. وربما ترغب في مواصلة فرض هذه الرسوم. ومع بلوغ سعر النفط قريبا من 100 دولار للبرميل قد يكون بعض التجار على استعداد لتحمل مثل هذه التكاليف. لكن عند أسعار أقل للنفط قد تجعل مثل هذه الرسوم نفط الخليج أقل جاذبية. ويشير يوهانس روبال المحلل بشركة الأبحاث كيبلر الى أن رسما مروريا بقيمة 4 ميون دولار للرحلة الدائرية (ذهابا وإيابا) قد يُخرج السفنَ الأصغر حجما من السوق تماما مثل ناقلات أفراماكس (متوسطة الحجم) التي تحمل ما بين 600 ألف الى 800 ألف برميل. فقط السفن الكبيرة يمكنها دفع هذا المبلغ.
حتى بعد خروج السفن العالقة سيتوجب على البلدان التي يوجد بها نقص في امدادات الطاقة الانتظار لبعض الوقت. فالسفن المتجهة الى آسيا تحتاج بعد مغادرتها الخليج الى ثلاثة أسابيع على الأقل للوصول الى وجهتها. وهذا لا يفيد المزارعين الذين يحتاجون الى الوقود ومصانع الأسمدة التي تواجه نقصا في امدادات الغاز الطبيعي المسال قبل موسم الزراعة.
تواجه أوروبا فترة انتظار أطول تتراوح بين أربعة الى ستة أسابيع قبل وصول شحنات الديزل ووقود الطائرات. وحتى إذا كانت السفن التي تخدم الخليج عادة ترغب في العودة ونقل الامدادات ستحتاج الى شهور لكي تصل. فالعديد منها يعمل الآن في نقل البضائع من أماكن أخرى.
25 بليون دولار تكلفة الإصلاح
كذلك سيستغرق استئناف انتاج العديد من السلع التي تمر في العادة عبر هرمز وقتا أطول. قلَّص الخليج أكثر من 10 مليون برميل في اليوم من انتاج النفط منذ بداية الحرب أو ما يساوي 10% من الطلب العالمي. وسيحتاج إعادة الانتاج لمستواه السابق الى وقت. فإعادة ضغط الآبار بسرعة مفرطة قد تتلف المكامن بسحب الماء أو الغاز. ويحتاج تنفيذ ذلك بطريقة سليمة خصوصا في الآبار القديمة الى فرق متخصصة. لكن هذه الفرق ستُنهك بسرعة إذا كان هنالك الكثير من الآبار التي يلزم أن تستأنف الإنتاج في نفس الوقت.
سيكون ضخ الغاز أبطأ من ذلك. فالضربات الإيرانية على قطر في الشهر الماضي ألحقت ضررا بوحدتين من 14 وحدة انتاج في راس لفان وقضت على 17% من طاقتها الانتاجية. وهي أكبر منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم.
قد يستغرق اصلاح الوحدات المتضررة من ثلاثة الى أربعة سنوات. حتى استعادة ما يمكن أن تنتجه سيكون صعبا. فمنشآت الغاز المسال التي تحتاج الى تبريد الغاز الى 160 درجة مئوية تحت الصفر حتى يمكن نقله في شكله السائل بالغة التعقيد. أُغلِقت الوحدات التشغيلية في راس لفان ووفقا لتقديرات شركة 'وود ماكنزي' الاستشارية ستحتاج الى ما يقارب أربعة أشهر للعودة الى طاقتها الإنتاجية الكاملة بعد إعادة تشغيلها.
راس لفَّان مهمَّة لسلع أخرى أيضا. فشركة قطر للطاقة التي تدير المنشأة تنتج 10% من إجمالي اليوريا في العالم، وهو السماد الأكثر استخداما، وحوالي ثلث غاز الهليوم الذي يستخدم في تصنيع الرقائق الإلكترونية.
وفي أماكن أخرى تضرر منتجو المعادن. ففي الطويلة ينتج مصهرٌ في الإمارات حوالي نصف الألمونيوم في الشرق الأوسط (يشكل ما يقارب 10% من الإمدادات العالمية). أغلِق المصهر بعد تعرضه الى ضربة إيرانية وتصلُّب المعدن في أحواض الصهر. وتقدر الشركة المالكة أن استئناف الإنتاج قد يحتاج الى سنة.
التكلفة الإجمالية لإصلاح البنية التحتية للنفط والغاز في الخليج باهظة. وإذا أضفنا الضرر الذي لحق بالمنشآت الإيرانية ستبلغ التكلفة حسب تقدير شركة 'ريستاد' 25 بليون دولار. وكلما استمرت الحرب كلما قصفت مواقع إضافية. ففي يوم 8 أبريل ضرب صاروخ إيراني خط أنابيب يتجه الى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وهو منذ بداية الحرب ظل المسار الوحيد في السعودية لتصدير الوقود. وغير واضح مدى تأثر تدفقات النفط عبر الخط.
90 دولار الى 100 دولار للبرميل
سيكون الضرر الذي يلحق بأسواق السلع كبيرا. على مدى عقود انشغل الباحثون المهووسون بأدق التفاصيل بفرضية إغلاق مضيق هرمز. ارتعبوا من هذا الاحتمال النظري. لكنهم لم يتوقعوا حدوثه أبدا. حرب الخليج الثالثة أظهرت كيف يمكن أن تتحول أسوأ حالة مفترضة بسرعة الى واقع. وإذا أعيد فتح المضيق بشرط دفع رسوم مرور سيتضرر من ذلك منتجو الخليج وزبائنهم على السواء.
يتوقع يوهانس روبال أن يظل سعر النفط بين 90 دولار و100 دولار للبرميل حتى نهاية عام 2026 حتى إذا عادت حركة الملاحة عبر الخليج الى وضعها العادي.
بل حتى هذا الاحتمال الكئيب يعتمد على وقفٍ لإطلاق النار بين أعداء ألِدَّاء وصفه جيه دي فانس نائب ترامب نفسه بالهدنة 'الهشة.' لذلك لا تراهنوا على استدامة الانفراجة التي يشعر بها تجار الطاقة.