إشراقات

كيف تجد حلاوة الإيمان؟

 

التجربة الإيمانية عند المسلم هي تجربة من أعمق التجارب التي يمر بها الإنسان، فهو يرقى على مدارج الإيمان ليصل إلى درجة يستلذ فيها عبادة الله، ويجد فيها حلاوة وانجذابا لا يجده في غيرها من الأعمال، ولذلك عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى تعبيرا بليغا حين قال: 'ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار'، وفي هذا الحديث جمع الرسول صلى الله عليه وسلم
أصولا جامعة تثمر حلاوة الإيمان، غير أن النصوص الشرعية الكثيرة تشير إلى أن لهذه الحلاوة روافد أخرى تتكامل مع المعاني الثلاثة المذكورة في الحديث، فتقويها وتغذيها حتى تصبح التجربة أكثر رسوخا وعمقا في النفس.


ولو تأملنا هذا الحديث ومضامينه العميقة لوجدنا أنه يرشدنا ويعطينا دلالة نستدل بها على الأمور التي إن وجدناها في أنفسنا فإننا سنجد بها حلاوة الإيمان التي تخالط قلوبنا وأرواحنا ومشاعرنا، وأول هذه الأمور أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إلينا مما سواهما، وهذا الجز من الحديث يتقاطع مع حديث غيره يتعلق بالإيمان والحب، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف: 'لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين' فحب الله ورسوله مقدم على حب النفس والولد والوالد، فهو حب خالص يجعل منه المؤمن مقياسا لكل أعماله وأقواله، فيسأل نفسه قبل كل عمل: 'هل هذا العمل يحبه الله ورسوله، وحب الله وحب رسوله متصلان لا ينفصلان، فبحب الرسول واتباعه نصل إلى حب الله وحب الله لنا، وهذا مصداق لقول الله عز وجل في كتابه العزيز على لسان نبيه الكريم: ' قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ' واتباع الرسول والاقتداء به والتمسك بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه يوصلنا إلى الفلاح، فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: 'فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ'، ويؤكد الله عز وجل على حقيقة أن المؤمنين أشد حبا لله في قوله تعالى: ' وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ'.


وهذا الحب يحتم علينا استحضار معاني الرحمة الإلهية التي تتجلى في تفاصيل الحياة، ومنها تنبثق العلاقة الحقيقية بين العبد وخالقه، التي يتم تغذيتها والرقي بها من خلال ذكر المحبوب والتفكر في العوالم التي خلقها، وقراءة كتابه والتمعن في كلامه عز وجل، وكذلك من استحضار سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به وتجسيد أخلاقه في الواقع، وحين تتقدم هذه المحبة في سلم الأولويات، يجد الإنسان نفسه أكثر هدوءا في مواجهة تقلبات الحياة، وأكثر قدرة على تجاوز الأزمات لأن قلبه يستند إلى يقين يمنحه الثبات والطمأنينة، فيرى الإنسان الدنيا مجالا للاختبار والبذل، ويسلم أمره لله.


وينتقل الحديث إلى ملمح آخر يتعلق بالمحبة التي تسمو بالعلاقات الإنسانية، وهي محبة الناس لوجه الله، وهي محبة على الشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الآخرين، بعيدا عن المصالح الضيقة أو الحسابات المؤقتة، فيقول الحديث: 'وأن يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله' وهذه المحبة تصنع مجتمعا متماسكا تسوده روح التعاطف والتكافل، وتقل فيه أسباب النزاع والشقاق، لأن العلاقة فيه تقوم على الاحترام والصدق والنية الطيبة، والاجتماع على الهدف الأسمى وهو محبة الله، فأنت تحب أخاك لحبه لله والقيام بأمر الله من واجبات وأوامر، والانتهاء عمى نهى من معاصي وزواجر، وبهذا يكون حبل التعلق موصول بحبل الله، الذي نتجت عنه هذه الأخوة، وهذا الأمر نجده مسطورا في كتاب الله عز وجل فالله تعالى يقول: ' وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ'.


والإنسان الذي يحب لله يرى الخير في الآخرين ويسعى إلى معاونتهم، ويجد في خدمة الناس مجالا لتحقيق القرب من الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: 'خير الناس أنفعهم للناس' وبهذا العون تنمو في داخله مشاعر الرحمة، ويصبح أكثر قدرة على العفو، وأكثر ميلا إلى الإصلاح بين الناس.


والركن الثالث في الحديث يشير إلى إدراك قيمة الإيمان في حياة الإنسان، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم 'وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار' بحيث يصبح التفريط في الإيمان أمرا عظيمان فيفر المسلم من الكفر، ويصبح يكره الكفر كما يكره أن يلقى في النار، فحين يشعر الإنسان بقيمة الإيمان، يدرك أنه نعمة عظيمة تستحق المحافظة والرعاية، فيحرص على تنمية هذه العلاقة عبر العبادات التي تزكي النفس وتطهر القلب، وعبر الأعمال الصالحة التي تعكس أثر الإيمان في الواقع، فيصبح الإيمان مصدر إلهام يدفع الإنسان إلى تحسين ذاته، وإلى السعي نحو الخير، وإلى تجنب ما يفسد القلب ويعكر صفوه، وهذا الشعور يوجد حالة من الوعي المستمر، فيسعى الإنسان إلى تغذية روحه بالقرآن، وإلى تهذيب أخلاقه بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإلى مراجعة نفسه بصورة دائمة، حتى يظل قلبه متصلًا بالمصدر الذي يمنحه الحياة.


ولذلك من المهم الإدراك أن حلاوة الإيمان تحتاج إلى ممارسة عملية مستمرة، حتى يسموا الإنسان بنفسه ويكون قريبا من الله عز وجل، وسلوك الطريق إلى الله يبدأ بخطوات بسيطة، مثل تخصيص وقت يومي لقراءة القرآن بتدبر، والحرص على أداء العبادات بروح حضور القلب، والتأمل في نعم الله التي تتجدد في كل يوم، وبهذا تنمو التجربة الإيمانية مع مرور الوقت، وتصبح جزءا من شخصية الإنسان، فتنعكس على لغته وسلوكه واختياراته.


كما أن الصحبة الصالحة تلعب دورا مهما في تعزيز هذه المعاني، لأن الإنسان يتأثر بمن حوله، ويستمد منهم الدافع للاستمرار في طريق الخير، فالبيئة التي يسودها الذكر والتعاون على البر تساعد على تثبيت القيم، وتمنح الإنسان شعورا بالانتماء إلى مجتمع يشترك معه في الأهداف الروحية، وكذلك يسهم العمل الخيري في تعميق الشعور بحلاوة الإيمان، لأن العطاء يحرر الإنسان من الأنانية، ويمنحه إحساسا بالرضا الداخلي، فكلما شارك الإنسان في إدخال السرور على الآخرين، شعر بأن الإيمان يتحول إلى طاقة إيجابية تنعكس على المجتمع.


وفي هذا الزمن الذي يعيشه المسلم من الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية والنفسية، ويجد نفسه أمام تحديات متلاحقة تتطلب قدرا كبيرا من الصبر والثبات، ففي مثل هذه الظروف تبرز قيمة الإيمان، فحلاوة الإيمان تمنح القلب طمأنينة تجعله قادرا على التعامل مع الأخبار الصعبة بروح متزنة، وتدفع الإنسان إلى الإسهام في نشر الخير بدل الاستسلام لمشاعر القلق، ويمنح الإنسان شعورا بأنه جزء من مسيرة إنسانية تسعى إلى تحقيق العدل والرحمة.