لبنان "يلملم" جراح "الأربعاء الأسود".. ولسان الحال يسأل: "ماذا بعد؟"
الخميس / 20 / شوال / 1447 هـ - 19:39 - الخميس 9 أبريل 2026 19:39
غداة اليوم الحزين في تاريخ لبنان، والذي شهد إستباحة إسرائيلية ناريّة على امتداد مساحته، جاءت على شكل 100 مجزرة متنقّلة ومتزامنة خلال 10 دقائق، وأثقلت كاهل بيروت والجنوب والبقاع والجبل بملح دموع صور وصيدا، إستفاق اللبنانيون على فجيعة تخطّت حدود الأرقام.. 203 شهداء وأكثر من 1000 جريح حتى اللحظة، وفق وزير الصحّة ركان ناصر الدين، 95 جثة مجهولة الهويّة لا تزال تنتظر من يتعرّف على أصحابها، وفق إدارة مستشفى رفيق الحريري، وآخرون لا يزالون عالقين تحت الركام بصفة 'مفقودين' حتى إشعار آخر.
وجوه غابت عن سجلات الحياة، وغابت معها قصص جفّ حبرها في منتصف الأحداث أو بداياتها. أسماء نُقشت بمداد الحديد والتكنولوجيا على جدران ذاكرة لبنان وأبنائه. مناطق متوجّسة بعدما تغيّر إيقاعها في ثوانٍ أمام 'الأربعاء الأسود'، وندوبٌ لا تمحوها بيانات التنديد.. أما في خلاصة ما ثبت في المشهد، أن هناك صعوبة في العثور على لغة كافية لوصف ما جرى، وأن إسرائيل، التي 'لا تعرف إلا الإنتقام بالنار'، وفق قول إحداهنّ، إستباحت كلّ ما هو إنساني، بكلّ اللؤم والحقد والشرّ الممكن، وتماهت بقتل الأطفال والنساء، وتفاخرت مجدّداً بلعنة الدماء!
ووسط الحداد العام، والدمار الكبير، والنوافذ والأبواب المشرّعة على عواصف واحتمالات كثيرة، طوى 'الأربعاء الأسود' يومه الثاني، وهو الذي اهتزّ معه كلّ لبنان، أرضاً وبشراً وحجراً، مخلّفاً وراءه مبانٍ بلا معالم، لم يكن معظمها سوى 'مراكز نزوح'، ومناطق مفجوعة غارقة في الدماء، ومشاهدات أبكت العيون وأدمت القلوب على امتداد مساحة البلد، وصوراً لم تكن بالنسبة للسيدة ليندا مجرّد لقطات عابرة، بل 'وجع يتكرّر، وزمن يمضي دون أن تندمل الجراح، وإنسان عالق بين الأمل والخوف، يتمسّك بالحياة وسط الركام'.. أما بيروت، وكما كلّ لبنان، فلبست ثوب الحداد، وبدت وكأنّها تمشي بجنازة الشبّان والأطفال والشيوخ والنسوة الذين قضوا، والشوارع والمنازل التي أصابها الدمار، وقد وجدت نفسها في صلب 'بنك الأهداف'، أمام نهار مفتوح على الإحتمالات الأسوأ وليل يُنتظر فيه المزيد من الغارات، والمزيد من الضحايا، والمزيد من الدمار. وذلك، في ضوء ما أعقب المجازر من تسريبات إسرائيليّة عن نيّة التّصعيد في الساعات المقبلة. أما لسان حال اللبنانيّين، فلا يزال يسأل: أيّ حرب هذه التي تحتاج كل هذا العدد من المدنيّين لتبرير ضربة واحدة؟ وماذا بعد؟.
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، فإن ثمّة إجماعاً على أن ما جرى فتح الباب واسعاً أمام احتمال توسّع رقعة الحرب أو التصعيد، وخصوصاً أنه تزامن مع التهديدات الإسرائيلية المستمرّة باللجوء إلى الخيار العسكريّ لإعادة السكان إلى الشمال، فيما قواعد الإشتباك على الجبهة الجنوبية دخلت مرحلة جديدة، من بوّابة اليوم الدموي الذي عاشته المدن اللّبنانيّة، بحيث أنّ الساعات والأيام المقبلة قد تشهد تطوّرات دراماتيكية على مستوى المواجهة بين إسرائيل و'حزب الله'، في حين لم يعد بالإمكان الخوض في توقعات محدّدة، لاسيّما في ما خصّ إرساء التهدئة.
وبالتالي، لم يعد السؤال عن التصعيد أو الحرب أو توسيع العمليات، إذْ كلّ هذه أصبحت واقعة، بغضّ النظر عن المسميات والتوصيفات. ذلك أن الأسلوب الذي اعتمدته إسرائيل، في عمليتها المُسماة إعلامياً بـ'الظلام الأبدي'، مكّنها من تحويل لبنان كاملاً إلى 'ساحة حرب'.. و'أربعاء أسود' لم يكن اللّبنانيون يتخيّلون، حتّى وفي أسوأ كوابيسهم وأكثرها سوداويةً وإيلاماً، أنّهم قد يشهدونه في بيوتهم وشوارعهم، يدنو منهم بلا أيّ سابق إنذار، فيما آخرون لم يتوقعوا أن يصبحوا، بين غمضة عين وانتباهتها، الى أسماء على لوائح المستشفيات أو تحت الرّكام. وعليه، إرتفع منسوب الكلام عن كون القراءات التقليدية للحروب لم تعد تنفع لتقدير ومعرفة ما الذي يجري على امتداد لبنان، حيث المشهد أبلغ من كلّ كلام، من الأمواج البشرية التي ودّعت من قضوا، الى تلك التي أحاطت المستشفيات وجرحاها بكثير من التضامن.
10 دقائق.. وماذا بعد؟
'أربعاء أسود'، قيل عنه الكثير، بدءاً من كونه شهد عدواناً إسرائيلياً هو الأعنف على بيروت منذ اجتياح عام 1982، إذْ طال أحياء مكتظّة بالسكان والتي كانت تُعدّ من 'المناطق الآمنة'، كالمزرعة والبسطة وتلّة الخيّاط والروشة، الى جانب غارات على الضاحية الجنوبيّة لبيروت والجبل والبقاع والجنوب، متسبّباً بحمّام دم ومجازر بين المدنيّين، مروراً بمقاربته بعملية تفجيرات 'البايجرز' في 17 سبتمبر عام 2024، التي اعتبرها مسؤولون أمنيّون حينها أنها كانت غير مسبوقة في تاريخ الحروب، وإنْ 'في الحرب السابقة، لم يحدث أن فاضت المشرحة بالموتى، ما استدعى فتح برّاد إضافي لاستقبال جثامين الشهداء والأشلاء'، وفق قول الطبيب سعد بو هيمن من مستشفى بيروت الحكومي، ووصولاً الى كونه ترك 'مشهداً ضبابياً'، وفق قول مصادر وزاريّة، أشارت الى عدم توافر معطيات حاسمة حتى الآن حول المرحلة المقبلة، مع ما يعنيه الأمر من كون 'الأربعاء الأسود'، وما تلاه من استهدافات طاولت مناطق عدّة خلال الساعات الماضية، قد يكون مؤشراً، إمّا على تصعيد أكبر، أو على تصعيد يسبق التهدئة أو إعلان وقف إطلاق النار، كما جرى في 27 نوفمبر 2024، وإنْ كانت أيّة جهة رسمية لم تتلقَّ حتى الآن إتصالاً واضحاً أو تأكيداً بشأن شمول لبنان باتفاق وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصّل إليه بوساطة باكستانية بين طهران وواشنطن.
وفي الإنتظار، فإن أحاديث كثيرة عن 'أهداف محدّدة' لم تغيّر في المشهد على الأرض.. 10 دقائق فقط، بدّلت معالم الشوارع وحياة آلاف الأشخاص، إذْ تحوّلت أماكنهم من بيوت آمنة إلى طرقات مفتوحة وأهداف إسرائيليّة. بعضهم يغادر من دون خطّة نحو المجهول، يهرب فقط من المكان 'المشؤوم'، وبعضهم الآخر لا يزال متجمعاً قرب الأبنية المتضرّرة، بحثاً عن أمل، أو عن يد مرفوعة تشير إلى الحياة من تحت الركام.. المستشفيات مزدحمة تعمل تحت ضغط غير مسبوق.. فرق الإسعاف والدفاع المدني لا تزال تبحث بين الخرسانة المتهالكة عن أنفاس أخيرة، وعن أجساد لم يُعرف أصحابها بعد، وسط ترجيحات بوجود مزيد من المفقودين تحت الأنقاض.. إشارات السير تعطّلت، ولم تعد ذات معنى، فالسيارات تسير في اتجاه معاكس.. التيار الكهربائي لا يزال مقطوعاً في أكثر من مكان بفعل الضربات.. و'الحياة نفسها صارت تفصيلاً يمكن تجاوزه في حسابات أكبر لا تُرى'، وفق قول أحدهم.
وفيما تضجّ الكواليس الدبلوماسيّة استعداداً للسيناريوهات التي فُرضت ما بعد 'الأربعاء الأسود'، وسط رفع حالة التأهب إلى أقصاها عند طرفَي الإقتتال، فإن ما بات أكيداً، بحسب إجماع مصادر سياسية متابعة، هو أنّ ما جرى يُعدّ فصلاً من فصول حرب الإبادة الجماعيّة التي ترتكبها إسرائيل، ويشكّل انتقالاً دراماتيكياً إلى مرحلة جديدة، الكلمة العليا فيها للميدان العسكري، الذي تؤشر وقائعه وتطوّراته المتسارعة إلى أنّه بات يغلي باحتمالات مجهولة على شفا الإشتعال. أما ما أكّدته الوقائع، التي ملأت مستشفيات لبنان بالمصابين، أن الأسئلة تتوسّع، وأجوبتها رهن الميدان الذي أصبح مثخناً بالجراح والمصابين، وأن ما سيحدث لاحقاً مرتبط بما ستنتجه الإتصالات السياسية.
لكنْ، حتى الآن، المأساة على حالها من الخسائر والمصائب والغموض، والمشهد على الأرض واضح: غارات مستمرة، طائرات حربيّة في الأجواء، أناس مشرّدون، آثار الجريمة، بركامها 'المتكوّم' هنا وهناك وهنالك، تحفر في الوجع العميق، فيما لا تزال فرضيات عديدة تتصاعد من بين الدخان الذي جعل لبنان بلداً منكوباً بكلّ ما للنكبة من أبعاد.. وعدّاد الحرب الإسرائيلية على لبنان سجّل في آخر تحديثاته، وفق الدفاع المدني اللبناني، وتحديداً منذ 2 مارس الفائت حتى 8 من الجاري: 1739 شهيداً و5873 جريحاً.. أمّا أن تقصف إسرائيل بيروت، صاحبة النصيب الأكبر من العدوان، وتقتل المدنيّين، وتدّعي أنهم 'أهداف'، فتلك ليست حرباً، بل 'جريمة حرب' تُضاف الى جبال الدم الهادر، وفق إجماع الكثيرين. وبالتالي، هل تتخذ الحكومة، ورئيسها نوّاف سلام، الذي شغل منصب قاضٍ في محكمة العدل الدولية، قراراً بمقاضاة إسرائيل لارتكابها 'جرائم حرب' ضدّ لبنان أمام المحكمة المختصّة، وفق اتفاقية روما؟.