نعم حاورت وليد دقة بعد موته!
زياد خداش
الأربعاء / 19 / شوال / 1447 هـ - 23:48 - الأربعاء 8 أبريل 2026 23:48
في السابع من أبريل من عام 2024 استشهد المناضل والكاتب الفلسطيني وليد دقة 1961-2024 صريع الإهمال الصحي في سجون إسرائيل، أشهر قليلة فصلت بين موت القائد الكبير وبين إطلاق سراحه بانتهاء مدة محكوميته، كانت حسرة الشعب الفلسطيني في أوجها حين استشهد عظيم التاريخ والقلب والكلمة، تحرر دقة من السجن لم يكن تحررا عاديا لأسير فلسطيني عادي، كان مكسبا فكريا وزخما نضاليا ووعيا ثقافيا غير عادي سيخرج إلى الهواء الفلسطيني ليتنفس بلاده وليشيع فيها فكره النقي، وليلهم به المئات من قادة البلاد ومثقفيها وأدبائها، ويساهم في معركة الوعي النظيف الحر، هذا الوعي الوطني والثقافي الشريف الذي تفتقده بلادنا وتحتاج إلى رموزه ومشعليه.
قبل مرضه بسنة تقريبا، تخيلت تحرر وليد، بل شاهدته أمامي، قويا قائدا ملهما، تتنازعه أحضان الرفاق والأصدقاء، قلت لأصدقائي: هل تتخيلون مثلي أثر وليد القادم على فلسطين فكرا وأدبا، وفضاء مقاومة جديد؟ كلهم أجمعوا أن الفارق الذي سيحدثه تحرر وليد سيكون واضحا، وحاسما، بلادنا تحتاج إلى مفكر، لدينا شعراء كثيرون، وروائيون جميلون، لكن هناك حيز فارغ للمفكر الفلسطيني، أو الفيلسوف الذي سيرى في المشهد ما لا نراه.
سأذهب بعد قليل إلى قاعة استقباله في بلدة باقة الغربية مسقط رأسه، أصافحه الآن بحرارة وأهمس في أذنه: أتمنى أن يكون أول حوار أدبي وفكري وإنساني لك معي بعد أن ترتاح قليلا طبعا، تسمع سناء زوجته الهمسة، تقترب وتهمس في أذني: مش وقته هلا يا مجنون. يبتسم الشهيد ويرد عليّ: ولا يهمك، جاهز. وأنا أخرج أصافح الصديق الشاعر والكاتب عبدالرحيم الشيخ، كان يجلس قرب الشهيد، مع الفنان التشكيلي محمد العزيز والشاعر علي أبو عجمية، والروائي وليد الشرفا، استوقفني عبدالرحيم: «زياد إياك إتكون طلبت منه حوار؟ بعرفك، هاي الأيام مجنون حوارات»، وانفجر ضاحكا، وشاركته الانفجار، وأنا أقول: أريد أن أكون يا عبدالرحيم، أول المحاورين فهذا كنز معرفي، غير عادي، طلابي يعرفونه جيدا، فقد قرأت لهم نصوصه، خارج السجن سيكون له تأثير فارق، خبرته النضالية وثقافته العالية ونقاء قلبه وشخصيته القيادية ومتانة فكره.
لا أبالغ حين أقول لكم إن أسئلة الحوار صارت مكتوبة، وقد أبلغت إدارة صحيفتي ففرحوا بأن يكونوا أول الصحف الفلسطينية التي تحاور المفكر والكاتب المناضل وليد دقة.
الطريق إلى باقة الغربية ليست بعيدة عن طول كرم التي نمت فيها في بيت صديقي الشاعر طارق الكرمي، أمام القاعة الكبيرة كانت حشود الناس والسيارات تفيض عن المكان، الزغاريد في كل مكان، الصحفيون يتجهزون والفضائيات تنصب كاميراتها، والأغاني تصدح بها البيوت، وميلاد ابنة الشهيد التي خرجت نطفة من السجن لتستقر في رحم الأم في مسيرة عناد وحب لا يتقنها سوى الفلسطينيون، كانت تلوح للضيوف، سبقت ميلاد والدها في التحرر، فقد كانت وعده وشمسه وسره، كانت طريقه وبلاده، كتبه وعمره القادم.
بعد أسبوع عدت إلى باقة الغربية دون موعد، هذه المرة نمت في طولكرم ببيت صديقي الشاعر أحمد الأشقر، أخذني أحمد بسيارته إلى بيت الشهيد، فتحت سناء الباب، وصرخت: «مجنون مجنون، ليش ما حكيت إنك جاي؟ ولك وليد هلا بزرع نعنع في الحديقة مش فاضي لحوارات»، اقتحمنا البيت مشينا أنا والأشقر تجاه الحديقة.
- صباح الخير وليد
أهلا صباح النور،
- أن تخرج من السجن قبل أسبوع بعد 37 عاما من اللانعنع واللاحدائق، وتنهض فجرا لتزرع نعنعا في حديقة بيتك ما دلالة ذلك وطنيا وإنسانيا؟
-تحرري يا زياد هو حالة نعناعية فلسطينية خالصة أنت تعرف والكل يعرف أن النعنع الفلسطيني إشارة حب ورائحة بيت وأفق وطن بالغ التوهج، أنا في قريتي الآن، ما زالت يدي تزرع، وما زال أنفي يشم. أنا باق على الخط كما قال حسين برغوثي.
-هل قرأت لحسين في السجن؟
-طبعا، ليست قراءة عادية وإنما تمثل وذوبان، حسين ظاهرة شعرية فكرية فلسطينية شديدة الخصوصية وهائلة العمق.
-ما أجمل ما فيها؟
-أجمل ما فيها هو هذا النوع من الأسئلة التي طرحها حسين، ورهافة لغته وحيرة عقله، أمام ذاكرته، وهذه البراعة في تحويل تاريخه الشخصي إلى أدب وفلسفة.
-ميلاد ابنتك تلعب في الحارة، رأيناها ونحن نصعد درج البيت، ما أول كلام تحدّثته معك، سؤال أو معلومة أو تعليق؟
-في اللحظة التي دخلتُ فيها البيت، دخلت ميلاد معي، كانت تنتظرني مع سناء والأقارب والأصحاب والرفاق أمام بوابة السجن، أول شيء فعلته في نهار حياتي الجديد أني رفعت ميلاد وحضنتها بقوة، وسمعتها توشوشني: الآن عيد ميلادي وميلادك يا بابا وميلاد ماما، سنحتفل هذه الليلة.
-ما أول شيء فعلته بعد الخروج وعناق ميلاد؟
-زرت قبر أمي.
-في روايتك الشهير لليافعين (حكاية سر الزيت)، كان الخيال فيها بطلا، لو اختفى الخيال في العالم، كيف سيعيش الأسير؟
-لن يختفي الخيال، الخيال هو الوحيد الذي يستحيل اعتقاله أو شراؤه أو مفاوضته أو كسره أو تخويفه، الخيال هو الحلم، هو الوجود الإنساني، هو الرد الحاسم على خذلان الواقع وقسوته، وتذكر يا زياد أنه لولا الخيال لما كنت تحاورني الآن وأنا ميت.
استأذنني وليد لإتمام زراعة حوض النعنع. واصل زراعته، هنا دخلت ميلاد، اندفعت على عنق وليد وهي تصيح: «بابا بابا ازرعني نعنانعة في حديقتنا، وحين أكبر سوف تشربوني طعما لذيذا في أكواب شايكم».
كيف أزرعك في حوض نعنع وأنت حلمي العظيم الذي زرعته في هواء العالم؟
سأل أحمد الأشقر وليدا: المثل الشعبي (جابه في حوض نعنع) ما أصل حكايته أستاذ وليد، هنا وليد توقف عن الزارعة استند على الجدار وضحك كثيرا. قبل أن يحكي لنا قصة المثل. عدت إلى الحوار:
-يبدو أن ميلاد يا أبو ميلاد متأثرة في قصة حكاية سر الزيت، طلبها منك أن تزرعها نعنانة في أكواب الشاي قريبة من البطل (جود) الذي اختبأ في شجرة زيتون ليصل إليك.
-نعم كلامك دقيق، أظنها تأثرت بالحكاية.
هنا رن جوال سناء، ردت على المتكلم قليلا وأعطت الموبايل لوليد وهي تقول له: من مركز إبداع في مخيم الدهيشة.
أهلا أهلا، يا خالد، يشرفني ذلك هل حددتم موعدا، أحب مخيم الدهيشة وأحب أن أزوره. إلى اللقاء اتفقنا. هذا الأستاذ خالد الصيفي (قال وليد) مدير مركز إبداع في مخيم الدهيشة يدعوني إلى محاضرة في المركز حول تجربتي الاعتقالية.
رن الهاتف الخلوي مرة أخرى: وليد من مخيم الجلزون، قالت سناء وسلمته الموبايل. رفاق من نادي الطفل في مخيم الجلزون، (قال وليد) يدعونني إلى عرض مسرحي لأطفال المخيم مستوحى من قصة (حكاية سر الزيت).
رن الهاتف مرة ثالثة، ورابعة وخامسة، شعرنا بالحرج، غادرنا بيت وليد وسناء وميلاد، مكتفين بإجابات قليلة لكنها موحية ومكثفة. وهكذا كما وعدني الشهيد، كنت أول من حاوره. فشكرا وليد شكرا شكرا.
وليد دقَّة، أسير فلسطيني قضى قرابة ثلثي عمره في سجون الاحتلال واستشهد فيها جراء الإهمال الطبي بعد تشخيصه بمرض السرطان. مارس الكتابة داخل السجن وصدرت له مؤلفات عديدة توثق تجربة النضال والأسر.
أكمل دراسته في المعتقل وحصل على الماجستير، وهرّب نطفة إلى خارج السجن، وأصبح أبا في سن 57 عاما.
ويُعد من أبرز الأسرى المنظرين، وصدرت له عدة مؤلفات، أبرزها «صهر الوعي» و»الزمن الموازي» ورواية «حكاية سرّ الزيت»، التي نالت جوائز محلية وعربية.
وقد سمى نفسه «رجل الكهف» الذي ينتمي إلى عصر انتهى؛ لأنه قضى معظم سنوات حياته في السجن، ورفضت إسرائيل الإفراج عنه أكثر من مرة.