ماذا بعد منخفض المسرات؟
الأربعاء / 19 / شوال / 1447 هـ - 21:25 - الأربعاء 8 أبريل 2026 21:25
شكل منخفض المسرات الذي تعرضت له سلطنة عمان في مارس الماضي اختبارًا حقيقيًا للبنية الأساسية وأسلوب هندسة المخططات السكنية في محافظات البلاد من حيث كفاءة تلك المخططات، ومقاومتها لكثافة جريان الأودية والسيول الناتجة عن غزارة الأمطار التي استمرت لأيام متتالية.
بعد انتهاء حالة المنخفض الجوي تبين حجم الأضرار على البنية التحتية وبعض مساكن المواطنين وممتلكاتهم. تلك الأضرار من أسباب تداعياتها ضعف قنوات تصريف المياه؛ لأن المخططات السكنية خلال العقود الماضية لم تأخذ بالمعايير العالمية عند إنشاء شبكات الطرق، ومعرفة مسارات الأدوية والسيول.
وإن جازت المقارنة فإن مدينة السلطان هيثم استطاعت التعامل مع تداعيات المنخفض بأقل الأضرار؛ نظرا لتصميم شبكات تصريف مياه الأمطار بطرق هندسية مبتكرة تستطيع مقاومة التغيرات المناخية لمائة عام قادمة.
أيضا فإن المخططات السكنية القديمة في أغلب الولايات تعاني من قلة كفاءاتها وقدرتها على التعامل مع تصريف مياه الأمطار الغزيرة؛ نظرا لأن تلك المخططات السكنية والتجارية تم هندستها بأسلوب التصريف السطحي للمياه والذي غالبا لا يتميز بالاستدامة والتحمل كما حدث في منخفض المسرات والفيضانات السابقة، الأمر الذي يؤدي خلال مدة قصيرة من هطول الأمطار إلى انسداد مجاري المياه، وتحول بعض المخططات إلى برك مائية.
النموذج السطحي لتصريف المياه أدى إلى حدوث تشققات كثيرة في الطرق الداخلية حتى أن تساقط المياه بغزيرة أوجد حفرا صغيرة في بعض الطرق الداخلية.
كما أن نظام توزيع الأراضي بالمخططات القديمة خلال العقود الماضية، وعدم مراعاة الجوانب الهندسية المتعارف عليها في التأكد من انسيابية عبور وتصريف مياه الأمطار كانت لهما آثار وتداعيات عالية الكلفة من حيث إنه بعد كل حالة جوية أو منخفض تأهل الطرق الداخلية، وتعاد إلى وضعها الطبيعي.
مع ذلك هناك جهود ومبادرات تقوم بها وزارة الإسكان والتخطيط العمراني لوضع حلول للأراضي التي تتأثر بمسارات الأدوية والسيول بنقل عدد يزيد على ثماني عشرة ألف قطعة أرض سكنية بجميع المحافظات، وتعويض أصحابها في أماكن أخرى أكثر أمانا وبعدا عن مسارات مياه الأمطار.
وإذا كانت وزارة الإسكان والتخطيط العمراني فتحت المجال لتقديم طلبات لحصر الأضرار الناتجة عن منخفض المسرات فإن الحاجة ملحة إلى إيجاد فريق استشاري عالي الكفاءة لتحديد الفجوات في المخططات السابقة، ووضع تصورات بمخططات هندسية تراعي تغيرات المناخ، ومتطلبات السلامة واستدامة المساكن.
ولا يمكن في كل منخفض أو فيضان إلقاء اللوم كله في عدم فاعلية التخطيط العمراني، وعدم تطبيق المعايير المناسبة في المخططات السكنية؛ حيث اتضح أن هناك سببًا لا يقل أهمية، ويجب التعامل معه بحزم، وهو جانب التعديات من بعض المواطنين من حيث الاستيلاء والاستحواذ والتمديدات في الأراضي؛ بحيث لا تراعى المساحات المعتمدة لمسارات الأدوية والسيول.
لقد أدت تلك التمديدات القانونية وغير القانونية إلى تضييق قنوات ومسارات تصريف مياه الأمطار في بعض الولايات وخاصة في الأماكن المنخفضة. وهناك من المواطنين من ناشد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بوضع حد لتلك التجاوزات، والبعض اقترح تأجيل البت في إباحات البناء بشكل مؤقت للتأكد من جاهزية المخططات السكنية ومقاومتها لمستويات الأمطار التي تكون عالية الغزارة. في الجانب الآخر فإن سجل المخاطر الوطنية الذي دشن العام الماضي تضمن عددا من المخاطر الطبيعية، ومنها على سبيل المثال مخاطر المنخفضات والفيضانات والأعاصير التي قد تتعرض لها سلطنة عُمان مع تحديد تصنيف لتلك المخاطر من حيث احتمالية الوقوع وقوة التأثير.
ورغم أن منخفض المسرات لم يكن بمستوى إعصار مداري؛ حيث كان أعلى تسجيل لكميات المياه خلال فترة المنخفض (292) ملم تقريبا، ولكن مع ذلك تولدت عنه أضرار بالخدمات والبنية الأساسية المتمثلة في تأثر أغلب الشوارع والطرق الداخلية في أغلب المحافظات.
منظومة الإنذار المبكر من المخاطر المتعددة قطعت شوطا جيدا من حيث دقة التنبؤ بتوقيت المنخفضات الجوية والأنواء المناخية، الأمر الذي يساعد الجهات الحكومية في اتخاذ القرارات المناسبة تجنبا للمخاطر؛ على سبيل تحديد المحافظات التي تحول فيها الدراسة بالمدارس والجامعات «عن بعد». ولكن في أغلب الأحيان تواجه منظومة الإنذار المبكر تحديا من حيث تجاهل بعض المواطنين والمقيمين للتنبيهات الصادرة عن الجهات المختصة؛ فهناك من جازف بحياته وحياة أسرته بعبور الأودية.
هذا التجاهل والاستهتار من البعض تضطر معه الجهات المختصة إلى أخذ الحيطة والحذر عن طريق تحويل الدراسة أو العمل بالقطاعين العام والخاص «عن بعد» مع ما يصاحب ذلك من آثار سلبية على انتظام التحصيل الدراسي؛ نظرا لأن منظومة التعليم «عن بعد» تواجه تحديات فنية في المنصات التعليمية وشبكات الاتصالات في بعض القرى والولايات وتحديات مجتمعية من حيث وعي أفراد المجتمع بأهمية متابعة انتظام أبنائهم في التعليم عن بعد.
كما أن هناك دراسات استشارية أعدت منذ مدة طويلة ومنها على محافظة مسقط خلصت إلى اقتراح حلول مستدامة للحد من تأثير الأنواء المناخية ومخاطر الفيضانات. كما كان من أهدافها تصميم نظام هيدرولوجي مبتكر لتتبع مسارات حركة مياه الأمطار. أيضا هناك دراسة بحثية أجريت قبل خمسة أعوام، ونشرت في إحدى الدوريات العلمية بينت ضمن نتائجها أن المناطق الساحلية في محافظة مسقط وبعض المناطق بمحافظة شمال الباطنة تشهد تغييرت في المناخ والطقس؛ عليه فهي معرضة للفيضانات والأعاصير التي قد تتسبب في التأثير الشديد على البنية الأساسية والأنشطة الاقتصادية.
تلك الدراسات وغيرها قد يكون أخذ ببعض نتائجها أو توصياتها من حيث إنشاء بعض السدود بمختلف المحافظات، وأيضا تصميم المخططات الهيكلية؛ على سبيل المثال مخطط مسقط الكبرى الذي استجاب لتحديات التغير المناخي.
ولكن بشكل عام يعود التأخير أو عدم المضي في تعميم تخطيط نماذج المدن العصرية في الولايات التي تستوعب تقلبات المناخ وتكون لها القدرة العالية على التكيف مع الأمطار شديدة الغزيرة وذات الكميات العالية إلى الحاجة إلى المخصصات المالية المرتفعة في وقت يكون فيه استكمال جوانب التنمية بالمحافظات والولايات والقرى هو الأكثر إلحاحا. الخطة الخمسية الحادية عشرة الجاري تنفيذها لم تغفل من اقتراح برامج استراتيجية لمواجهة تغيرات المناخ والتكيف معها. الخطة تضمنت تفعيل آليات مواجهة الفيضانات والتعامل مع الأنواء المناخية بتطوير نظام الإنذار المبكر مع استخدام الأقمار الصناعية ونظم المعلومات الجغرافية لدقة التنبؤ بالفيضانات والمنخفضات المطرية. أيضا اعتمدت الخطة برامج استراتيجية لتحسين الطرق الداخلية في المحافظات لتكون أكثر انسيابية عند تنقل المواطنين أثناء الأجواء المناخية والأمطار الغزيرة بشكل أكثر أمانا.
وبالتالي؛ في ظل التغيرات المناخية وقرب الفترات الزمنية لحدوث المنخفضات الجوية ذات السيول الغزيرة قد يكون مناسبًا للمصلحة العامة إعادة النظر في تعديل المسار الزمني لتنفيذ البرامج الاستراتيجية المتعلقة بالبيئة والمناخ المضمنة بالخطة الخمسية الحالية، لتكون ضمن مسار المرحلة الأولى من الخطة التي تبدأ هذا العام؛ نظرا لأن كل المعالجات من تأهيل البنية الأساسية المتأثرة نتيجة المنخفضات، وفتح معابر الأودية وقنوات تصريف المياه، وإزالة المخلفات والأتربة إنما هي حلول وقتية وليست مستدامة يمكن أن تعمل على الحد من تداعيات الأضرار على البنية الأساسية وعلى ممتلكات المواطنين والممتلكات العامة.