في عام 1876م أصدرت الكاتبة بيرتا كينسكي رواية حملت عنوان (تسقط الأسلحة)، ويُقال إنها أقنعت ألفريد نوبل (1833-1896م)، صاحب أكبر مصانع الأسلحة في العالم، بتخصيص جائزة للسلام، مُنحت بعد وفاته للمرة الأولى عام 1906م، وبعد أكثر من قرن ونصف من ذلك التاريخ لم تسقط الأسلحة، بل زادت تقدّمًا، وخلت الآفاق من حمائم السلام!
فهل زاد العالم توحشًا؟
في واحدة من أوجع قصائده، يتحدّث الشاعر الراحل عبدالرزّاق عبد الواحد عن تبدّل الحال بعد الحرب من الطمأنينة إلى الفوضى والقتل، حالِمًا بأن يعمّ السلام في الأرض، وتتملّكه الحيرة، فيدور في كلّ اتجاه، مطلقًا استفهامًا استنكاريًا صارخًا:
فماذا جرى للأرض حتى تبدَّلتْ
بحيث استوتْ وديانُها وشِعابُها
وماذا جرى للأرض حتى تلوَّثت
إلى حدٍّ في الأرحام ضجّت نِطافُها
وماذا جرى للأرض.. كانت عزيزةً
فهانتْ غواليها، ودانت طِرافُها
والأمر ليس جديدًا، إنه قديم قِدَم الإنسان على الأرض، التي فتحت صفحة الدم يوم قتل قابيل أخاه هابيل. جاء في العهد القديم: «فقال الرب: قابيل أين هابيل أخوك؟ فقال: لا أعلم؛ أحارس أنا لأخي؟ فقال: ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ من الأرض. الآن، ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك، مهما عملت، فالأرض لا تعطيك قوتها، تائهًا وهاربًا ستكون في الأرض».
فشحّت الموارد، وعمّت الفوضى والتيه، وتعطّلت عجلة الحياة، ويتحدّث الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679) عن ما أسماه «الحرب الشاملة بين الجميع»، وهي حرب تدور بين «الكل ضد الكل»، وجرّاء ذلك «تتوقّف أنشطة الحياة: لا صناعة، ولا تجارة، ولا زراعة، ولا فنون، ولا آداب، فقط الخوف من الموت». وأي موت! فالوحش الكاسر الراقد داخل الإنسان ينهض من سباته، فتسقط الضحايا.
في قصيدته «نائم الوادي» يرسم الشاعر الفرنسي آرثر رامبو صورة لجندي نائم على عشب أخضر جعله سريرًا، لكن المفاجأة تأتي في السطر الأخير من قصيدة يدين من خلالها الصراعات التي يذهب ضحيتها عشّاق الحياة المقبلون عليها، يقول رامبو:
«جنديٌّ شاب
يغمر الحشيش النديّ الأزرق عنقه.
يرقد ممدّدًا على العشب تحت الغمام
شاحبًا في سريره الأخضر
وعليه يبكي الضوء.
أيتها الطبيعة احضنيه بحرارة فهو بردان!
ثمة ثقبانِ أحمران في جانبه الأيمن»
وإذا كان الجنديّ قد مضى إلى ساحة القتال ليدافع عن الوطن، مضحّيًا بحياته في سبيله، فما ذنب المدنيين والأطفال الأبرياء حتى يُقتلوا بدم بارد؟ يقول الشاعر جواد الحطاب في قصيدته (الصواريخ بحذافيرها):
«الطفل رأى القمر بثوبه الأبيض
بلحيته البيضاء
فاشتهى الحليب والملائكة
غير أن القنبلة
أركبته طائرة»
وماذا عسانا نقول؟ نحن الذين منذ أن وعينا على الحياة، والحروب مشتعلة، والسلام حلم يراود الملايين، وكل محاولات الخيرين باءت بالفشل. عندما كنت في السادسة من عمري أتذكّر الذعر الذي انتشر بين الناس بسبب اندلاع حرب يوليو عام 1967م، وبعد ست سنوات دقّت طبول حرب 6 أكتوبر 1973م، فسارع الرئيس المصري أنور السادات إلى توقيع اتفاقية السلام مع (إسرائيل) عام 1979م لطي صفحات الحرب وفتح صفحة جديدة لسلام بقي حبرًا على ورق.
وبعد ذلك بسبع سنوات عادت صافرات الإنذار للعمل بعد سبات قصير، وكانت حرب الخليج الأولى (العراقية-الإيرانية) 1980م. يومها كنّا طلابًا في الثانوية، أنهينا الجامعة، والرصاص يلعلع في جبهات القتال، والجنائز تصطف في طوابير بانتظار الدفن، والعويل يرتفع في البيوت، فيما ازدحمت صدور القادة بالنياشين، ولم تتمكّن الجهود الدبلوماسية الدولية من إطفاء النيران المستعرة.
وبعد ثماني سنوات عجاف احتفلنا في الشوارع حين عُقد الاتفاق على وقف إطلاق النار، ولم نكد نلتقط أنفاسنا ونخلع الملابس الخاكية حتى بدأت حرب الخليج الثانية، وهلم جرّا.
قبل أيام اتصلت بشقيقتي الكبرى ببغداد للاطمئنان، فقالت لي: «لا تقلق، اعتدنا الحروب». وراحت تحدّثني عن (غفران) ابنتها الكبرى؛ فحين نشبت الحرب مع إيران عام 1980م كان عمرها أربعين يومًا، وقبل أن تدخل المدرسة فقدت والدها الجندي في الحرب، وحين بلغت الصف الخامس الابتدائي بدأت حرب الخليج الثانية، وشنّت أمريكا وأعوانها الغارات على (بغداد)، وفرضت الحصار، وكانت (غفران) في المرحلة الثانوية.
ثم عادت الطائرات الأمريكية مجددًا لسماء بغداد في 2003م لتغيير النظام، وتبدأ الحرب الطائفية، وكانت تودّع (غفران) حين تذهب للجامعة ولا تعرف هل ستعود.
لكن الحياة استمرت وتزوّجت وأنجبت (سما) التي أكملت السلسلة، فشهدت جانبًا من هذه الحروب، وكبرت ودخلت المدرسة، والصراعات مستمرة حتى دخلت الحفيدة الجامعة، وقامت الحرب الحالية، التي من جديدها أن الطائرات المسيّرة عندما تحلّق فوق الرؤوس لم يعد أحد يعيرها اهتمامًا، بل يواصلون طريقهم!
فما أقسى أن يصبح الموت والدمار حدثًا عاديًا!!
لكن يبقى الأمل بالسلام قائمًا، ونظل نضمّ صوتنا لصوت (بيرتا كينسكي) ونقول: تسقط الأسلحة.